قضية الاستاذة الصحفية لبني أحمد الحسين كانت من أهم المحطات التي توقف عندها قطار الأحداث في العام 2009 ، لا لأن القضية جديدة علي السودان كل الجدة ، ولا لأنها تعتبر سابقة خطيرة في مسار اضطهاد المرأة وقمط حقوقها ، أو محاولة لإرجاعها للعب دورها الذي تفضله بعض التيارات الدينية التي لاتسمح بخروج المرأة الا لثلاث آخرهن للقبر . بل إن أهم ما يميز هذه القضية السياق التاريخي الذي حدثت فيه ، وهو سياق مشحون بآمال عظام للتحول نحو الديمقراطية والحرية و حكم القانون ، لا اعتساف العسس واطلاق احكام تقريرية تصدر في الحين والحال عن مزاج منحرف أو خلفية اجتماعية تشوبها مركبات النقص تقضي بتعميم قيمي عن مواصفات اللبس و المظهر علي  مكنونات الجوهر و المخبر .

   وأهم من هذا فإن هذه القضية ورغم انها تعد حدث سوداني داخلي ، الإ أن أحدا لاينكر انها ذات أبعاد تتماس مع ما أصبح يوليه العالم اهتماما متزايدا في ظل موجة المد العالمي الخاصة بالحقوق المدنية لجموع المواطنين أينما كانوا وكيفما وقع الظلم عليهم .. وهذه أبرز معالم العلاقات الدولية في عالم ما بعد الثنائية القطبية ، وهو عالم بالضرورة مختلف عما كان سائدا في مرحلة ما قبل التسعينات من القرن الماضي ، فالآن لا توجد كبير مساحة للمساومة علي أوضاع حقوق الانسان مقابل بعض الالتزامات والتنازلات العسكرية والسياسية كما كان الشأن إبان الحرب الباردة .. وهذا ما كان مفترض ان يعيه نظام الخرطوم ( أكثر المتضررين من إثارة ملف حقوق الانسان )  .

   فإن كان النظام لايعير مثل هذه الأمور اهتماما لأنه في حالة نشوة بالسلطة التي استبد بها نحو عقدين من الزمان ، والتي جعلته في حالة لا يستطيع معها اجراء مراجعات تمكنه من تحليل اوضاعه الداخلية بشيئ من روية ( لأن من بداخل الغرفة لايستطيع ان يشم رائحتها الكريهة ) الإ أن الأمر يختلف كثيرا درجة ومقدارا بالنسبة للوافدين الجدد الذين استطحبهم   في مسيرته وهم لايدينون له بولاء أيدولوجي ، ولا يعرف عنهم نزوع اسلامي ـــ بالمعني السياسي ـــ يجعلهم في مواقع التبرير . بل ان بعضهم يتمتع بخبرة أكاديمية تمكنه من النظر للامور بصورة تحمل معها كل المتغيرات  والمفاعيل التي تؤثر فيها وتتأثر بها . هذا فضلا عن امكانية اعمال مناهج عقلية في  التحليل والمقارنة والمقاربة تجعل الوصول للأحكام منطلق من فرضيات مقبولة عقلا وملتزمة منهجا ، لاتحفل بجزالة الالفاظ ، ولاتأخذ في الحسبان النفسيات المنفعلة ، ولا تصانع السلطان فيما يريد ان يسمع . هذه الصفات في الأكاديمي هي ما كان يتوخاه المرء وهو يطالع ما خطه قلم د. خالد المبارك حول قضية الاستاذة لبني احمد حسين . وما يبدو من مجمل ما اورده الدكتور في المقال الذي عنونه بـــ " لبني احمد حسين .. وقناة الجزيرة " والذي نشر علي صفحات جريدة الأحداث بتاريخ 28/12 /  2009 أنه أيضا  لم يعر كثير اهتمام لأبعاد القضية علي المستوي الدولي وانعكاس ذلك علي سمعة نظام لم تحرر له شهادة براءة بعد من اغتراف جرائم في حق الانسانية . وأن أوضاع المرأة فيه لم تزل محكومة بقوانين مفارقة للقيمة المجتمعية التي يتبناها المجتمع السوداني حول مظهرها . وهذه النقطة بذات أهمية    البعد الدولي لقضية لبني وهي التي تفسر حجم التعاطف الذي وجدته الاستاذة لبني داخليا وهو ما مدها بشحنات معنوية تجلت في لهجة التحدي الواضحة التي كانت تتحدث بها وهي  تعرض ملبسها ليس للمجتمع السوداني فقط ، وإنما للعالم العربي ككل والذي يعتبر في كثير من أرجائه موغل في المحافظة مقارنة بالمجتمع السوداني ... فالإنطباع الذي خلفه ملبس الاستاذة ساعة القاء القبض عليها لم يكن به ادانة لها في كونها تبرجت أو أتت بفعل فاحش أو خادش للحياء . وهذا ما  كانت تدركه شخصيا عندما حولت الأمر برمته من قضية فردية معزولة الي قضية رأي عام ، ومن مجرد قضية ملبس ـــ يحاكم عليها الكثير من البنات ذوات الحظ العاثر يوميا ــــ الي قضية تمس جوهر القوانين الحاكمة التي لم يفلح النظام في تجاوزها رغم المتغيرات التي تلح عليه بأن يتخفف من غلوائه لأفساح المجال   للمزيد من التسامح واتاحة قدر اكبر من الحريات الخاصة والعامة .. وهذه هي النقطة التي كان ينبغي علي الوافدين الجدد للنظام ان يلفتوا لها نظره خاصة وانهم ( ود. المبارك من جملتهم) لم يعرف عنهم  أي ميول نحو التطرف الديني ، فضلاً عن العقلية الاكاديمية المستنيرة التي يتمتع بها د. المبارك شخصياً والتي استمدت استنارتها تلك من الاطلاع علي تجارب الشعوب والمجتمعات في التقدم لاسيما وانه قد جاء علي ذكر شيئ من هذا القبيل في سياق موضوعه إذ ذكر بحق ) التقدم لايحدث بقفزة شاملة في المجتمع . وهو لم يحدث بهذه الطريقة في الدول الديمقراطية الكبري ) غير ان ما يمكن ان يحاجج به الدكتور وبنفس المنطق ان قضية الأستاذة  لبني الآن تعد واحدة من الخطوات التي تسير فيها الامم والمجتمعات نحو التقدم ، فحاصل الامر ان قضية لبني الشخص قد انتهت ـــ وللمفارقة ــــ بعد ان دفع اهل النظام الغرامة التي حكم بها عليها رغم انها  لم تطلب ذلك ، فالقضية التي تحملها الاستاذة لبني الآن هي معركة ضد القوانين وضد المثل التي تفرض علي الناس بحد السوط والبطش . فحتي إن توفيت لبني أو إن اختفت عن مسرح الاحداث لأي سبب ، او ان " لفظها الغرب " أو حتي لو انقلبت علي عقبيها ومالئة النظام  ، فستظل هناك قوانين قمعية ذات سيط سيئ واثر بالغ ليس فقط علي من يحاكم بها ، وإنما علي من يحكم بها أيضا  ، توجب علي الجميع أن يتصدوا لها طالما كانوا ينشدون التقدم لمجتمعهم ،  فالأمر هاهنا يتماثل وذات الرمزية التي استخدمها المتصوفة في التعبير عن مواجدهم بتجسيد من يهووا باسماء مستعارة من الواقع بينما مرادهم يتجاوزها الي ما هو أسمي وأقيم .. فهل تري ينشد دكتور المبارك بذات رمزية المتصوفة بالقول ...

ويوما تراني بالعزيب ورامة

                                ويوما بذات الضال استنفر المزنا

أغالط عن سلمي بسعدي تنصلاِ

                                ولبني وما قصدي سعاد ولا لبني

محمد عبد الحميد

mohamed hamed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]