بالأمس مررت في طريقي علي المعمل الصيدلاني الذي يعمل به صديقنا المشترك الذي عرفتني به قبل نحو أكثر من عام، وهو ذات المعمل الذي كنت تعمل به علي ما أظن قبيل رحيلك الأخير. وجدت المعمل علي حال من الفوضي المنظمة بحيث تبعثرت القوارير والدوراق وبضع من قمع ومركبات كيميائية نفاذة وأخري رسمت عليها علامة الخطر، ساءلت بشكل هامس وبحذر عن محتوي تلك المادة المرسوم عليها الجمجة والعظام المتصالبة فأخبرني بأن هذا آخر مركب كنت تعمل عليه قال لي إنك لم تشرح له بشكل كاف عناصره الأولية لكنك أخبرته بأنه "شراب" من ذلك الذي يعطي طاقة فعالة ضد مكامن الخوف في الجسد وأنه علي عكس االمركبات الكحولية يجعل العقل في حالة من الإتزان بحيث يقايس دوافع الفعل قبل الإقدام عليه، وأن الطاقة المنتجة من هذا المركب إنما هي خليط من عدة مواد منها الدم البشري المكرر. قلت وكيف يتأتي شرب مادة بها دم وهو حرام شربه؟! قال لي إنه قد سألك نفس السؤال ورددت عليه وضحكات مجلجلات ساخرات كانت تنبعث من جوفك بالقول (وما بالك بالذين يشربونه عياناً بياناً علي مرئيً ومسمع من الناس) ثم قلت له (أنه مادة مكررة بمعني أنها مادة أولية للدم وليست بدم خالص). لفت انتباهي وجود جهاز في أقصي الطاولة التي كانت تفصل بيني وبينه، جهاز شبيه بالموبايل يرسل ومضات من نور أحمر تشع كل ثانيتين تقريباً، به شاشة مستطيلة الشكل أخذت تستقبل رسائل متعددة ظل يتطلع اليها صديقنا من طرف خفي. ثار في دواخلي حب مفرط للإستطلاع، حاولت أن اقرأ الرسائل مما يظهر علي محياه من تقطيب وقسمات وابتسامات، ولكي يصرف انتباهي عن السؤال عن هذا الجهاز، داهمني بسؤال مباغت (ما سر حبك له رغم إنك تكبره بسنين؟) لم أعر سؤاله إنتباهاً لأنني أدركت أنه سؤال لصرفي عن الإهتمام بالجهاز، غير أنني رددت عليه بإقتضاب، بأنه عالم الأرواح فهي جنود مجندة ما تآلف منها إئتلف وما تنافر منها إختلف. ما أن ذكرت عالم الأرواح حتي إتسعت عيناه وكادت أن تفرا من محجريهما، إنتابه شعور بالإضطراب جعله يتلعثم وينطق بكلمات لم أتبين منها شئ. أدركت بأن ثمة علاقة قوية بين الأرواح وبين جهازه ذلك الغريب. لكنني لم أتبين علي وجه التدقيق ماهية العلاقة حتي أتت رسالة أخري عبر الجهاز انفضحت معها كل محاولاته لإخفاء مضونها، أمعنت النظر إليه، فإذا به يحدق في وجهي بمشاعر مختلطة، قال لي وكأنه يفشي سراً إن عالم الأرواح عالم عجيب، عجز عن سبر كنهه كبار الفلاسفة، وحار في وصفه اساطين الشعراء، وأمسكت عن شرحه الديانات، إنه عالم وقف علي صاحب الحقيقة المطلقة ليس لإحد منا معرفة أي شئ منه، لذاك سيظل لغزاً محيراً كلما علمت فيه شئ جهلت فيه أشياء. وأخذ يحدق في الجهاز مرة أخري. فزاد يقيني أن هنالك إرتباط وثيق بين الجهاز وعالم الأرواح بل وإعتراني شعور بأنك علي صلة ما بالجهاز. قال لي وقد تمكنت منه حالة من الإضطراب إن هذا الجهاز يستقبل رسائل من عالم الأرواح فقط. ولا يجرؤ علي إستخدامه إلا من أراد أن يعبر هذه الحياة الي عالم الأبدية. فإستقبال أي رسالة يخصم من رصيد العمر بضع سنين بحسب حجم الرسالة، وأن الإرسال منه الي ذاك العالم يخصم أيضا من رصيد العمر بقدر مضاعف وأيضا بحسب حجم الرسالة. تملكتني دهشة مفرطة وثارت في دواخلي اسألة حيري، تيقن الآن أنه قد أفضي اليَ بسر عظيم، وأن رأسي الآن يموج بأسئلة لا حصر لها، قلت ومن أين لك بهذا الجهاز؟ فأخبرني بأنك قد ملكته إياه وأنه كان خاصتك وقد صممته علي هذه المقاييس ليعبر بك بذات السرعة التي عبرت بها، فأخذت تسحب من رصيدك بالكثير من الرسائل وأنه في آخر رسالة استقبلتها كنت تضحك ضحكا هستيرياً. قلت له متساءلاً وكيف يعمل هذا الجهاز؟ فأجابني بأنك صممته علي غرار wi fi بتطبيقات أسميتها wi die وقد أخبرني بأنك قد شرحت له لاحقاً بأنه لابد أن يكون هناك سبب وحتي وإن لم يكن هنالك مبرر، لذلك سميت التقنية بهذا الإسم العجيب. وقد أخبرني أيضاً بأنك سميت الرسائل منه وإليه بأسم whats down علي عكس whats aap لأن الرسائل منه تأتي من أعلي وتشرح كيفية خصم الرصيد مباشرة بعد تلقي أو إرسال الرسالة. وقد أكد لي أن آخر رسالة أرسلتها كانت ذات حجم كبير وقد خصمت رصيدك كله، وأنه قد جاءك تحذير من الجهاز بأن هذه الرسالة كبيرة الحجم، وأن رصيدك بعدها سيكون صفراً .. فهل تريد الإرسال؟!! قال لي أنك أجبت بنعم، فجاءت رسالة أخري للتأكيد وأنك رددت بنعم. وهكذا ارسلت الرسالة. عندها إربدَ وجهه ، إغرورقت عيناه بالدموع، وعلت نبرة صوته غصة، بحث عن ريقه فلم يتمكن من بلعه إلا بعد محاولات متتالية، قال أخيراً بعد عناء (من الصعب أن تقنع من باع الدنيا أن يبقي فيها) ثم ضرب بقبضة يده علي الطاولة وقال لي بحرقة أنك قد ورطته بهذا الجهاز العجيب وأنه لم يكن يرغب في أخذه لكنك أقنعته بأن الجهاز سيظل وسيلة التواصل بينك وبينه علي الرغم من فداحة الثمن، وأنه لم يكن يرغب في معرفة ما في ذلك العالم، إلا أن إصرارك عليه قد أقنعه أخيراً أن يحتفظ بالجهاز دون أن يرسل منه رسالة. باغته بسؤال مفاجئ هل فعلاً لم ترسل منه أي رسالة؟!! أطرق ملياً، غرق في تفكير لا نهائي، كأنه قد فقد إحساسه بالزمن، إنقضت برهة ساد فيها صمت أبدي ،إمتلأت خياشيمي بتلك الروائح النفاذة، قبل أن يرفع رأسه قال والحسرة كادت أن تعتصره مرةً واحدةً ولم أكررها، كانت إستجابة لرغبة فضولية تمكنت من كل جوارحي فلم أجد بداً منها، فقد سألته هل ستعود؟ وقد أجاب بجملة لم أزل أذكرها حين قال إننا لا نعود ولكننا نولد من جديد) وأستمر في لومه لنفسه علي الإحتفاظ بالجهاز كأنه يلعن حظه أو حظك أو حظكما معاً. لم تثر ما ظل يبثه من شكوي في نفسي أي نوع من التضامن معه، وإنني لم أعبأ كثيرا بما تبقي له من رصيد لأنني أيقنت أن في سحب الرصيد مزيداً من الرصيد، غير أنني كنت مشغولاً بمعرفة تلك الرسالة التي كان إصرارك علي إرسالها عظيماً فألححت عليه أن يقرأها لي. بعد تردد قال لي إنها رسالة خاتمة توجع من يستقبلها وتذهب بعمر من يرسلها. فقلت لهذا أريد أن أسمعها. قال لي إنها رسالة ليست لأحد، إنها لكل الناس، إنها ليست بجديدة ولكنها تذكرة لمن يتذكر، قلت بذلك تكون العبر، قال اذاً فأسمعها :(إليكم أيها المقهورين .. إن واقعكم اليوم لا يدل على أنكم بشر ، فهذا الجمود الذي يخيم عليكم يقطع الطريق أمامكم في الخلاص، وأن الحالة التي ترزحون فيها إنما تولد فيكم المزيد من السكون ، فلا أمل أمامكم سوى المجابهة حتى تتخلصوا من هذه الحالة البئيسة، أو تظلوا هكذا من إنحطاط إلى إنحطاط، وتترسخ لديكم قناعة كاملة أنه لا بد لكم ممن يقودكم بالسوط ، فطريق الخلاص يبدأ بلا... (ولا ) تقود إلى النهايات كيفما كانت تلك النهايات.. فمن يقولها معي إذن؟!! ). عندها تذكرت أنك كنت تردد أشياءً من هذا القبيل عندما كنت طالباً بالجامعة، بل وطافت في مخيلتي تلك الصورة التي كان يبدو فيها علي ملامح وجهك الطفولي إصرار رجولي غريب. كنت ترفع فيها شعار كتبت عليه بلغة دارجة بسيطة (عشان الحاجات تبقي كويسة) لم أكن أتخيل أن العزم سيذهب بك كل هذه المذاهب وأنك قد تقطع كل هذه المسافات حتي تتحقق تلك الغايات، كنت أعلم أن لديك حلم، ولكني مثل كثير من الذين يلتقون الحالمين لم يكن يدور بخلدي أنك علي استعداد أن تحدد المسافات علي وعورتها والدروب علي ما يعتورها من مشقة، كما أني لم أكن أدري بأن الأشياء مستوية لديك بهذه الدرجة. إستردني من خيالاتي تلك بالقول لقد وردت قبل أن أقرأ لك رسالته تلك، رسالة لم أشأ بأن أخبرك بمحتواها، لكنها رسالة مفرحة علي كل حال.. قلت وما فحواها قال هامساً وبلغة لا تخلو من إيماء موحي إن اليوم عقد قران صديقنا الخامس والستين بعد الثلاثمائة. قلت والدهشة تكاد تعقد لساني .. علي من؟ قال متساءلأً وهل هنالك من؟ فالكل بذات الجمال و الملاحة و العذوبة. قلت هكذا إذن هي النهايات، لكن أأنت متأكد من هذا العدد المهول، كيف يكون ذلك وأين يذهب الآئي تم عقد قرانهن، قال بلهجة المنتصر ( إنهن مثل الشموع يذبن في الأحضان قبل أن ينقضي يومنهن) أشرت عليه بالمركب الاخير الذي كنت تعمل عليه، فناولني إياه، تفحصت علامة الخطر ملياً، انتزعت الغطاء انتزاعاً، ظل يرغبني بحذر ودهشة متبلدة، أخذت جرعت منه فلم أتبين مذاقه بدقة غير أنه كان ينضح بطعم ملح وحديد، إذدرتها بعنف فغارت في جوفي وفارت، جذبت اليَ الجهاز، فتحت الرسالة التي كتبتها ودست علي ذر إعادة ارسال. د.محمد عبد الحميد
////////////