لا يتصف موضوعا بالتعقيد أكثر مما يتصف به الحديث عن الكوارث، ذلك لأن الحديث عن الكوارث بطبيعة الحال يستدعي العديد من الموضوعات بحكم أن دراسة الكوارث تقتضي الحديث عن طيف واسع من العلوم، فعلمي الإجتماع والإقتصاد يبدوان جزءان  مهمان من عملية القراءة لسرعة ما تنصرف الذاكرة لأثر الكوارث علي من تقع عليهم في مظانهم المجتمعية وما قد يترتب علي ذلك من آثار إقتصادية، وما قد يتم التركيز عليه من الفئات في تقسيمها الطبقي في السلم الإجتماعي أغنياء كانوا أم فقراء بحيث يعطي الحديث هنا مؤشرات حول أوضاع القدرة Resilience  وقت وقوع الكارثة وما قد يلم بالمتأثرين من خسائر. وقد يظهر هنا بجلاء الفوارق بين حالة الغني والفقير في درجة التحمل لوقع الكارثة ففي الواقع يكون الفقير أكثر تأثراً وأقل مرونة في الرجوع للوضع الطبيعي قبل وقوع الكارثة. كما قد يستدعي التحليل العلوم التطبيقية كالعلوم الطبية والهندسة وعلوم الأرض  والفضاء والجغرافيا بما فيها من تخطيط حضري كل ذلك لرصد الأخطار وتصنيفها وتخريطها تمهيداً لتبني إستراتيجيات كلية يعكف علي تطبيقها السياسيون وهم الفئة المساءلة أولاً وأخيراً عن أوضاع الناس في الكوارث حيث تتأرجح أرواحهم بقاءً وهلاكاً بما قد يتخذوه من قرارات، وهنا يكمن بيت القصيد. فدخول السياسيون في عملية التحليل قد لا يعني بالضرورة دخول علم السياسية في العملية خاصة في الاوضاع التي تتصف بعشوائية التوظيف في الإختيارات السياسية لمن يشغلون المناصب التنفيذية، فهذه بدورها تخضع لمقومات الولاء السياسي والإلتزام الحزبي أكثر مما تتعلق بدرجة المعارف في علم السياسة و لكأن السياسة ميدان خال من ضوابط الفعل التي يوجبها العلم  .لذلك يبقي من العبث في حالة العبث تفسير العشوائي بالعلمي، وإخضاع الذاتي لمعايير الفرضيات والمقدمات التي عادة ما يتبناها السياسي المحترف الذي يلج هذا المجال من أبواب العلم والإنسانية، فالسياسي والذي يشغل منصبه بحكم ولائه السياسي في ظل ظروف الإعتباط والقهرلا يشغل باله كثيراً ما يصيب الناس من كوارث، لأنه في غرارة نفسه لا يعترف لهم بحق تجاهه ولا تجاه منصبه، وحتي إذا ما نهض لتفقد أحوالهم ساعة نزول الكوارث بهم فإنه يتفضل عليهم بذلك الفعل (كمنحة) منه وهو في هذه الحالة قد يكون محقاً في ما تصوره له نزواته ونزعاته التسلطية لأنه في الأصل غير مساءلٌ أمامهم لا بموجب قانون ولا بموجب عقد إجتماعي ولا وازع اخلاقي ..  لأن طبيعة  العلاقة بينه وبين من هو مسؤول عنهم في نظره  مؤسسة علي  أنويته التي شرطها الأساسي إحالة هؤلاء الي أشياء بينما تظل ذاتيته في حالة تضخم بدرجة تقلب موازين الأشياء حيث يتحول خطر الكوارث المتمثل في الأمطار والسيول مثلاً الي نعم، وأن الصبر علي الإبتلاء انما هو من حسن التدين. وان كل مصيبة تحيق بهم إنما هي مما كسبوا لا علاقة لها بواجبه في التحوط والإستعداد والإنذار وبقية ما تستدعيه إجراءات عمليات الحد من مخاطر الكوارث. فقد يكون الأمر عنده في حالة وقوع الكارثة مجرد توجيهات بتوزيع مواد إغاثة لا تستثني متضرراً تقوم علي توزيعها جهات تنظر ناحية الكاميرا أكثر مما تنظر تجاه السماء, ومن ثم ينفض الناس عن الحدث ساعة ان يستجد مستجد علي المسرح السياسي فتنصرف الأنظار الي الحدث الذي يليه ثم الذي يليه وهكذا الي أن يأتي عام آخر يغاث الناس فيه من الفتات من جديد، وتظل حالة الهشاشة كماهي دون أن تتغير أوليات السياسي. فالتعامل مع الكوارث لا يتم الإ بعد وقوعها وهنا تكمن المحنة وهي محنة عادةً ماتغرق الناس في شبر من الماء.


د.محمد عبد الحميد


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////