من يتابع كأس العالم هذه النسخة عبر قناة الخرطوم الدولية يشعر بأنه يتابع نسخة بلاستيكية مضروبة من نقل المفروض أنه حي بل ومليئ بالحيوية لينقل المشاهد الي قلب الحدث ليس بالصورة فقط، وإنما بالصوت والخلفية والأجواء تلك الإحتفائية التي يستبدعها المتفرجون في شكل تقليعات تطبع كل كأس بميسم يختلف عن سابقه لوناً وطعماً وحتي رائحة، فكما يسمي كأس العالم بالعرس الكروي العالمي فهو كذلك لأنه ليس مجرد كرة تتعاورها الاقدام، أو مجرد ركض نحوها من بضع وعشرون لاعباً، وإنما هو في المعني الواسع أحد تجليات العلاقات الدولية في أبهي مظاهرها، فهو تعرف علي ثقافات وأنماط حياة وسلوك بل ويمكن أن يمضي القول الي أنه أحد المناسابات المهمة التي تحكي حركة التمازج البشري بين الشعوب والقبائل التي يوفر فيها هذا اللقاء الرياضي  أبرز معالم التعارف علي  الملل والنحل التي تستضيف هذه المناسبة لتبرز للعالم ما عندها من مكنونات ثقافية وفلكور شعبي وتراث وبالتالي يتم التعرف عن كثب علي  تلك الشعوب من خلال الرياضة التي أضحت أحد الأدوات التي  تجمع بني البشر خلافاً لما ظل يفرقهم من عوامل سياسية ومصالح معلنة ومخبوئة جعلت الحياة بينهم أقرب الي زعم الملائكة التي تكاد تجزم أنه ليس لبني البشر هم غير سفك الدماء والولوغ في الفساد.
لا تزال كلمات الشيخ العربي الرأسمالي صاحب أحد أكبر قنوات البث الإعلامي التي قالها في بداية هذه الألفية تتردد في الذاكرة حين أطلقها داوية من خلال برنامج تلفزيوني كان يبث علي الهواء حول حقوق قنواته آنذاك في إحتكار بث أحد المناسابات الرياضية المهمة وقد كانت كلماته متسقة مع منطق الأشياء الذي أخذ يسود العالم بفعل العولمة إذ قال بلسان عربي  مبين لا يقبل  اللبس  (تدفع تشاهد) ومنذ ذلك الحين انقلبت كل معطيات المشاهدة التي كان يتفضل بها علي المشاهد العربي إتحاد الإذاعات والتلفزيون العربي الذي كان ينقل تلك الأحداث الرياضية عبر أجهزة التلفاز دون أن  يدفع المشاهد فلساً واحداً، ومنذ ذاك الوقت صار منطق "تدفع تشاهد" هو السيد في كل ما يعرض علي الشاشات من أحداث سياسية واقتصادية ورياضية من خلال القنوات المشفرة والتي يظهر فيها رمز الدولار $ بكل كبرياء ليدلل أن ما قال به الشيخ رغم أنه كان صادماً لنفسية تحار في مثل هذا المنطق قد صار منطقاً يجب الإذعان له وأن حصول المتعة وإستقاء المعلومة ومتابعة ما يجري في العالم قد أضحي مرهوناً بقدرة المرء علي "الدفع" وهو منطق بالنسبة لمن درسوا مسار تطور العلاقات الدولية منذ الحالة الجنينية لحركة الرأسمالية يدرك أنه طور منطقي لسيادة رأس المال الذي لا يخشي من سلعنة أي شيئ حتي القيم وما يرتبط بها من أنماط سلوك ومظاهر حياة، فلن يكون غريباً بالتالي والحالة هكذا أن تسلعن الرياضة وتدخل في سوق العرض والطلب لا بإعتبارها صناعة في حد ذاتها ، وإنما بإعتبارها سلعة محتكرة ضمن سلسلة طولية مما أجرت عليه العولمة الرأسمالية إرادتها النافذة في سلعنته ، فصار تتبع الرياضة وأحداثها الكبري سلعة محتكرة في هذا الطور العميق من التطور الرأسمالي المتعولم، فسلبت من الفقراء الذين لا يملكون ما ينفقونه علي ضروريات حياتهم وتعليم أبنائهم ورعاية أنفسهم وذويهم صحياً وبقية التزاماتهم الحياتية متعة ان يستمتعوا بمشاهدة كرة القدم (اللعبة التي كانت تعرف بلعة الفقراء) وبالتالي تحققت كلمات الشيخ التي أضاف عليها في لقائه ذلك الصادم (إذا كنت تدفع للأكل والشرب فليس من المستبعد أن تدفع لتشاهد) بذلك لم يعد أمام الفقراء الا أن يدفعوا ليشاهدوا. بيد أن العولمة وبرغم منطقها الفج والجاف الإ أنها لم تترك كثيراً من الأمور هكذا علي عواهنها، وإنما صارت الي منطق آخر ينظم حركة السوق لا من خلال يده الخفية كما قال آدم إسمث من قبل فحسب ،وإنما من خلال مجموعة اجراءات تحمي  شركاء العملية الإستهلاكية إن كانوا منتجين أو مخترعين أو مصنعين أو حتي مستهلكين. فالناظر الي شركاء هذه العملية يجد أن المستهلك هو الحلقة الأضعف لأن بقية الشركاء لديهم من الدعم المعلن و الخفي ما يوفر لهم الحماية الكافية من التغول علي الحقوق من خلال آليات ابتدعتها العولمة نفسها من حماية للملكية الفكرية وحماية المنتج من السرقة عبر العلامة التجاريةBrand  الإ بإذن مسبق من صاحب الحق الأصلي. ولكي تضمن فعالية ذلك تحاول المنظمات الدولية الخاصة بهذه الحقوق أن تجعل الإلتزام بها جزءاً من تشريعات الدول، بل وتعَينها حارساً لتلك الحقوق. علي عموم الأمر ومهما يكن من شيئ فإن منطق العولمة قد طغي علي كل شيئ وصار واقعاً مفروضاً حتي علي معارضيه بينما ظل المستهلك لا سيما في الدول التي لا تقيم احتراماً لحمايته والتي تضعف فيها منظماته المدنية لدرجة لا تستطيع معها أن توفر له الضمان الكافي في حصوله علي سلع وخدمات من طراز رفيع يتساوي وما يدفعه مقدماً من أموال أو يكون في مستوي التوقع إذ ينعدم مبدأ المعايرة والتقييس، فتكون هناك فوضي شاملة في تحقيق متطلبات المستهلك بمنطق مقلوب لمنطق العولمة وهو إجبار المستهلك علي خيار واحد وحيد من خلال إحتكار الخدمات عبر دوائر النفوذ وهو أكثر مظهر يتواجد في السودان حالياً حيث لا توجد حركة منافسة حقيقية في الكثير من الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية أو شبه الحكومية.وليس استثناءً ما فعلته قناة الخرطوم الدولية إبان أحداث كاس العالم في البرازيل، فمن المعلوم أن كأس العالم هو موسم محدد ومجدول ومرهون بعلاقات الإنتاج الإعلامي المعولم والقائم علي مبدأ "تدفع تشاهد" وقد فعلت القناة كل ما يمكن من إمكانات تحصيل مسبق لفاتورة المشاهدة بل ورفعت السعر أضعاف ما هو مقرر للإشتراك، وبما أن ليس للمستهلك والمشترك في القناة مناص من تجديد اشتراكه بالفئة التي حددتها القناة سلفاً، فقد سدد كل من يرغب في مشاهدة أحداث الكأس وبكامل الإذعان دون أن يقول لأهل القناة نرجو منكم تقدير ظروفنا... في حين أن القناة قد لجأت الي نقل المباريات بصورة اقل ما يمكن ان يقال عنها أنها بلاستيكية منعدمة الروح والحيوية وبصورة مضروبة وخالية من المتعة وبها قدر وافر من الرتابة وغير مسبوقة في تلفيق البث والنقل التلفزيوني بحيث أن طريقة  التعليق قد أدهشت حتي المعلقين أنفسهم لأنهم (ياللحسرة مغلوبين علي أمرهم) خارج نطاق الإثارة من حيث الجو العام للحدث وواضح أنهم قد جهدوا ليدخلوا المشاهد في اجواء المنافسة  من خلال معارفهم وثقافتهم الكروية دون معينات توضح الإحصاءات التي يقدمها المعلق عادة في مثل هذه المناسابات وقد كان الفرق واضاحاً بين نقل قناة الخرطوم وبقية القنوات المشفرة من حيث الإمكانات والمعينات. بل حتي المؤثرات الصوتية التي حاولت القناة أن تشد بها انتباه المشاهد لم تكد تخلو هي الاخري من رتابة  مستخدمةً ما يخدع به الصبية من مرتادي  Play Station بحيث تتكرر ذات الأصوات بغض النظر عن محتوي الصورة المنقولة حتي إن كان اللعب متوقفاً. هذا فضلاً عن التوقف التام في أحد ايام المنافسة.
لقد كان يطمع الكثير من مشتركي القناة في نقل حي حقيقي لكل ما يدور في دهاليز كأس العالم لا من داخل الميدان فحسب، وإنما في الأجواء التي حول الميدان، كما كان يطمع العديد من أصحاب المصالح المرتبطة بأحداث كأس العالم مثل اصحاب أندية المشاهدة من أن تقدم لهم خدمة تجذب لهم الزبائن خاصة في ظل منافسة  محمومة بين من يقدم خدمات العرض من خلال القناة وأؤلئك الذيم يقدمونها من خلال القناة الجديدة التي دخلت علي خط النقل كمنافس في السوق المعولم الذي لم يعد حكراً علي جهة حكومية أو شبه حكومية أو حتي خاصة تقدم الخدمة بمنتهي الجودة في نقاء الصورة وبإستمرارية ومعلومات جامعة مانعة وإثارة تتناسب وروح الحدث وهو ما يكفي لضمان حماية مستهلك الخدمة مقارنة مع من يدفع للقناة دون أن يجد من يحميه عند العجز عن تقديم الخدمة بحسب مستوي التوقع.  


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////