mohamed hamed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
ربما يتفاجئ البعض بمعرفة أن هنالك علاقة إرتباط بين ما يعرف بمفهوم الحد من مخاطر الكوارث والإستثمار ... غير أن هذه العلاقة يجب الا تفاجئ العاملين في الحقلين ذلك أن الإستثمار في نهاية التحليل تدخل طوعي إرادي يهدف الي زيادة الفائدة والرفاه الاجتماعي من خلال مضاعفة الارباح، فالإستثمار قد يكون في الانتاج المادي بإضافة طاقات إنتاجية جديدة للأصول الموجودة اصلاً أو بإنشاء مشروعات جديدة او التوسع في أخري قائمة يرجي الاستفادة منها بشكل اكبر. كما يمكن أن يكون في العنصر البشري بزيادة معارفه وقدراته وتطوير ما لديه من امكانات  ــ والإستفادة منها ــ بأقل ما يمكن من خسائر. وكذلك الحال بالنسبة لمفهوم الحد من مخاطر الكوارث Disaster Risk Reduction(DRR) والذي يسعي للحد من مخاطر الكوارث عن طريق بعض العمليات التي قد تبدو معقدة بعض الشيئ غير انها لاتخلو من إتجاه استثماري  كونها تهدف الي الحد من آثار الكوارث والتي تحصد الأرواح وتدمر الممتلكات والتي أخذت في  التنامي في العقدين الاخيرين بشكل هائل حول العالم، فبحسب تقارير الصليب الاحمر فقد حدث ما متوسطه 354 كارثة طبيعية كل سنة خلال الفترة من عام 1991- 1999. وفي الفترة من 2000-2004 تضاعف هذا العدد حيث بلغ ما معدله 728 كارثة طبيعية كل سنة، كما أن معدل الوفيات جراء الكوارث قد إرتفع بشكل مذهل فمن 570 .84 في العام 1999 الي 698. 249 بعد عقد واحد من الزمان، فالدول الأكثر تأثراً بالكوارث هي الدول والمجتمعات الفقيرة والتي يعتبر السودان واحد منها، والناس بطبيعة الحال في هذه المجتمعات هم الأكثر عرضة وقابلية للتأثر بالأخطار التي تجلب الكوارث. وتظل المعادلة هكذا كلما قل مستوي الدولة أو المجتمع في القدرة علي مجابهة الاخطار، كلما كانت الخسائر في تلك المجتمعات أكبر والعكس صحيح. فالواضح أن العامل الحاسم في هذا الامر هو الفقر الذي معه تنعدم القدرة Resilience   ومع إنعدام القدرة تزيد القابلية ومن ثم الخسائر.
مهما يكن من أمر فالواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك استثمار مادي ربحي دون الأخذ في الإعتبار العمل بمبدأ الــ DRR ،  فقد إستحدث الآن علم إقتصاد الحد من مخاطر الكوارث والذي يهدف الي تحليل المبادرات الإقتصادية التي تتخذ علي اي قطاع من أجل تحسين استراتيجيات الحد من مخاطر الكوارث بما يشمل الأثر المباشر وغير المباشر للكوارث. ثم إن إعلان هيغو المضمن في تقرير المؤتمر العالمي للحد من مخاطر الكوارث 2005 قد أكد ذلك علناً إذ ذهب الي أن تضمين مبدأ الحد من مخاطر الكوارث هو في الاصل إستثمار فقد أكد الإعلان (علي ان ثقافة الوقاية من الكوارث والقدرة علي مواجهتها وما يرتبط بذلك من استراتيجيات لمرحلة ما قبل وقوع الكارثة، وهي إستراتيجيات تعد استثمارات سليمة). لكل ذلك ومع الإهتمام العالمي بمبدأ  الــ DRR تتزايد الأهمية والحاجة له  لا سيما في قطاعي الإستثمار والتنمية والإ ستكون كل حوافز وعائدات الاستثمار ليس فقط في مهب الريح، وإنما تكون هي نفسها جزء لايتجزء من عوامل الخطر التي تتهدد المجتمعات.وهذا ليس قولاً جزافياً يطلق هكذا علي عواهنه، وإنما هو قول إحترازي استقرائي يضع كل الاحتمالات والسيناريوهات في الحسبان دون أن يسقطها بفعل حسن النوايا أو الإنفعال بإستقطاب رؤوس الاموال للإستثمار...فالمعروف أن أي رأس مال لا يقَبل علي اي نوع من الاستثمار الا ضمن شروط وبيئات مهيئة ليس فقط علي مستوي ضمان الفائدة القصوي من عائد الاستثمار، وإنما علي مستوي التأكد من أن الاجواء التي يجري فيها الاستثمار خلو من كل عناصر المخاطرالمرتبطة بالكوارث الطبيعية أو تلك التي يتسبب فيها الانسان و اللتان في لحظة ما قد تعصف إحداهما أو كلاهما بالإستثمار من اصله، اصولاً ثابتة كانت أم سيولة مالية، بل حتي المشروعات التنموية التي لا يقصد من ورائها جني الارباح المادية المباشرة قد تكون إما مهدد يمثل خطراً ، أو تتهدد بفعل بعض المعطيات الإجتماعية والإقتصادية والتي في الاصل ربما لا تكون منظورة للمخططين، لذلك لجأ خبراء التنمية  والناشطون في حقل فض النزاعات الي العمل بمبدأ Do No Harm والتأكيد علي أولوية العمل بطرح المشروعات ذات الحساسية الخاصة للنزاعات  Conflict Sensitive Projects وذلك حتي لا تفاقم مثل تلك المشروعات مكامن النزاع والصراع في المجتمع المستهدف فتكون النتيجة عكسية تضر بالتنمية ومستقبل الاجيال.  وهذا ما يهدف اليه مفهوم الحد من مخاطر الكوارث والذي يعطي قراءة أولية لمدي ملائمة الأوضاع والاجواء التي يقوم فيها الاستثمار، فالنقطة الأساسية هنا ليست في  الحديث عن قانون الاستثمار ومدي تشجيعه وتحفيزه للمستثمرين وأرباب رأس المال،  وإنما  في قدرة الواقع برمته علي إمتصاص أي هزة قد تنجم عن الكوارث الناشئة عن أخطار طبيعية او من صنع الإنسان، ومدي تضمين مبدأ الحد من مخاطر الكوارث في السياسات الكلية للدولة، والبرامج المنفذة في هذا الصدد والمنتظر ان تنفذ وفقاً لإستراتيجية متكاملة ، وتحديد أدوار أصحاب المصلحة Stakeholders والذين من بينهم كيانات المستثمرين. فالمعروف أن الحكومات في هذه القضايا الاستراتيجية تكون اللاعب الرئيس في ما يخص الحد من مخاطر الكوارث وعليها يقع العبء الأكبر في تقليل هشاشة المواطنين وعلي رأسها الفقر، ثم إنشاء مؤسسات خاصة تعني بالحد من مخاطر الكوارث وهذه هي الثغرة التي لم تقيض الظروف للحكومة أن تسدها الي الآن بخلق إطار مؤسسي  يعني ليس فقط بالحد من مخاطر الكوارث، وإنما تقوم علي تنفيذ إستراتيجية واضحة المعالم بالتناغم مع بقية المؤسسات التي تتقاطع معها إن كان ذلك في الاستثمار أو الرعاية الإجتماعية، أو ضمن إهتمامات القطاع الطوعي في المجتمع المدني العريض . فالأولوية الآن وقبل ان تبدأ عمليات جلب المستثمرين وإستقطاب أموالهم هي رسم إستراتيجية وبناء مؤسسة خاصة بالحد من مخاطر الكوارث وتنفيذ كل ما يصب في ذلك بالقانون وقناعة الناس حتي يجد المستثمر ما يرتجي من فائدة، وحتي ينعكس ذلك الإستثمار في المزيد من عوامل القوة والرفاه علي المجتمع.