حادثة القاء القبض علي الاستاذة الصحفية لبني احمد حسين ، كان يمكن ان تكون حادثة عادية أو مألوفة لو كان المقبوض عليه شخصا اخرا غير لبني .. وهو بالفعل كذلك حادثا عاديا بمقاييس حالات القبض التي تتم بحق الكثير من الشباب ومن الجنسين ومن مختلف الاعمار .... وتمضي في العادة بصمت  و بلا محامين أو دفوعات أو تحديات من المقبوض عليهم وذلك اتساقا مع درجة الوعي وعدم التمكن من امتصاص هول الصدمة ، أو لربما لوقف حالات الاعتداء (ضربا وركلا) لحمل المقبوض عليه للصعود للسيارة التي تقود مباشرة الي حيث الحكم وتنفيذه .

 

              غير ان الوضع في حالة لبني قد اختلف لكون ان المقبوض عليه هذه المرة ليس بالصيد السهل .. فقد تحولت حالة الصدمة في القاء القبض عليها الي هجوم عكسي علي منفذي القبض ليس بوصفهم نظاما عاما ، وانما لكل النظام الحاكم ، فقد استنفرت وعيها ولم تملأ الرض زعيقا وهتافا ، ولم تقل انها تشكك في المحكمة ، او ان القائمين عليها تحت "حذائها" وإنما بعثت بدعوات  اشبه ماتكون بالاحتفائية لكي يشهد الناس المحاكمة ، وليحكموا علي القوانين التي تحكمهم ان كانوا اسراً أو افراداً ، ولكي يتعرفوا علي الاطار العام الذي يحدد الحرية الشخصية في اختيار ما يشاء المرء من مظهر لذاته . ان هذا الموقف الذي اتخذته الاستاذة لبني قد اجبر كل "المؤسسة " التي يقوم عليها النظام العام ان تكون في موقف الدفاع عن نفسها ، وقد اعادت بهذا الموقف ايضا اسئلة كادت ان تطوي في غمرة الاحداث السياسية المتعاقبة  من قبيل من المسئول عن أخلاقيات الناس ، أهم الناس انفسهم أم قوة مسماة بعينها  يصار اليها كمرجعية في تحديد ما يرتديه المرء من ملابس ؟ ويعود سؤال الاخلاق ينطرح علي منفذي القبض ومؤسستهم بشكل اكثر جرأة حول  اهليتهم الاخلاقية للقيام  بمهمة معقدة مثل تحديد اللائق وغير اللائق في اللبس و المظهر العام ، حيث لا يرتبط   الامر هنا  بالاخلاق فحسب  ، وانما بالذوق الشخصي والثقافة السائدة  . واهم من ذلك درجة الحرية التي يتمتع بها الناس في احوالهم الشخصية ،  ومدي المسئولية الفردية في تحمل تبعات تلك الحرية . وعند هذه النقطة بالتحديد يبرز الجانب السياسي من الامر علي مستويين .  اولهما يتركز علي المؤسسة السياسية التي تحتضن وتفرخ مثل اجهزة النظام العام . وثانيهما يدور حول ما يطرح من شعارات حول ما يسمي بالتحول الديمقراطي .     ففي الاول تتأكد حقيقة ان النظام الحاكم لم يفارق محطة التسعينات بعد  . وفي الثاني تتعري محاولات الخداع الذاتي التي يحاول البعض ان يبرر بها الاوهام التي اعترتهم بأن النظام قد دخل في مرحلة التحول نحو الديمقراطية بموجب اتفاقية السلام ( التي زغردت لها لبني ذات يوم) . وما اثبتته الايام منذ توقيع الاتفاقية ان النظام لم ير في كل ما فعله ويفعله غير تثبيت امد بقائه لأطول وقت ممكن ، وان الشريك الذي استجلبه معه للحكم لم يكن يتعدي " الاسترداف" مثل ما فعل مع من قبله من الاحزاب التي استصحبها معه في مسيرته القاصدة ، وهذا ما حاولت ان تبينه الاستاذة لبني وان بشكل موارب في سياق حديثها لقناة العربية من جلد الفتيات الجنوبيات الائي من المفترض ان يدافع عنهن الشريك المستردف.

 

    خلاصة القول ان ايجاد مؤسسة كمؤسسة النظام العام لم  يكن مقصود بها ان تصطاد اشخاصا بمستوي الوعي اللبنوي ، وانما قصد بها ان تكون اداة في يد النظام يظهر بها سطوته علي المجتمع في ادني عتبات سلمه حيث القبض و الحكم والتنفيذ يتم في صمت مطبق وبسرعة لا تعهدها اصول التقاضي  في الاوضاع التي يسود فيها حكم القانون ، أما بقية درجات السلم فلها اجهزتها وادواتها ورجالها المدربين حسب مستوي وعي من يتربصون بهم . مهما يكن من امر فان اعتقال الاستاذة لبني قد ارتد علي منفذيه واحرج النظام برمته وجعله مدانا اخلاقيا من واقع التهمة الموجهة اليها وما تنطوي عليه من غموض محوي يطعن في شرف انسانة يشهد الجميع بمدي احترامها لذاتها و لمهنتها وكريم محتدها .

  

 محمد عبد الحميد

   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.