تتساوق الأحداث وتتفاعل الشخوص بذهول مفرط في رائعة الأستاذ عبد العزيز بركة ساكن (الجنقو مسامير الارض) فبرغم أن الحكي الروائي داخل الرواية قد أخذ شكل المباشرة والتصوير شبه الفوتغرافي لوقائع الأحداث، الإ أن ذلك لم يقلل من قيمة الرواية لا من حيث الفكرة ولامن حيث ما إحتشدت به من أخيلة صاغها الكاتب بإحترافية عالية مكنته من الإمساك بعنصر الإدهاش من أولها الي آخرها. فالعالم الذي صيغت أحداث الرواية فيه لم يكن ليعالج في أي عمل إبداعي الإ بذات الطريقة التي اتبعها الكاتب وهذا ما أضاف إليها قيمة إبداعية تمرد بها الكاتب علي المألوف في طرق السرد الروائي.
إن أهم ما ميز هذا  العمل هو القدرة الفائقة التي توافر عليها الكاتب في الاحتفاظ بمصائر الشخوص، فهو يعطي القارئ إنطباعاً أنه يسجل سيرة حياته أو فترة منها أحياناً. و أحياناً يبدو كأنما يؤرخ لحقبة تاريخية ، إقتصادية،إجتماعية وسياسية من خلال أحداث الرواية . فهي تفضح واقعاً معاشاً من خلال ما رآه الكاتب في تلك الاصقاع التي يعمل بها الجنقو في شبه سخرة ذاهلين عن المستقبل حتي يسلمهم مصيرهم في نهاية المطاف الي "شجرة الموت" وتذهل عنهم السلطة السياسية التي لا تري فيهم غير مشروع تمرد لا يستحق ساعة أن يعي حقوقه غير أن تدك به الارض أو يتشرد في اصقاع الأرض لاجئاً مهيض الجناح. وقد أسفر الكاتب عن ملكة طرحها في تضاعيف الرواية بشكل أقرب للإستعراضي أكد بها قدرته الفائقة علي التحكم في مصير شخوصه ، فيفاجئ القارئ بخيال آسر يحسد عليه يشابه ذلك الذي يتمتع به غابريل قارسيا ماركيز في معظم أعماله الذي ينزع نحو الواقعية السحرية، حيث يدهش القارئ بنهاية مصير أحد شخوصه بطريقة قد لا تخطر له ببال، وهنا تكمن عظمة الروائي، فمصير " درامان ود أبكر البلالاوي" مثلاً يشابه الي حدٍ بعيد مصير "ريميديوس الجميلة" في رواية مائة عام من العزلة وإن إختلفت التفاصيل.
أما مصير ود أمونة أحد أبطال الرواية الحقيقيين فقمة الإدهاش والسحر فهذه الشخصية تعتبر الشخصية الأكثر جاذبية في كل العمل الروائي، فهو كإنسان لايملك المرء الا ان يحترمه فهو شخص إجتماعي متفاني ولا يخلو طبعه من نبل. وفي لصداقاته رغم ما يتميز به من ليونة أو نعومة انثوية تجعله اقرب للنساء منه الي الرجال.فهو محبوب الكل في مجتمعه وبحسب وصف الكاتب (طيع وطائع وسهل التعامل ويمكن إرساله لأي غرض مهما كان صغيراً، كإشعال سيجارة مثلاً ومهما كان كبيراً كخطبة إمرأة فلا يشكو ولايتبرم) ص 203. إن القيمة الرمزية التي تجسدها شخصية ود أمونة تحكي حال شخص في واقع لايجيد فيه العيش الإ من إمتلك مواصفات هي في كثير من جوانبها  متحققة  في هذه الشخصية الفريدة والعجيبة ، فهي شخصية لا تدرك تماماً حقيقة وضعها النوعي ذكراً كانت أم أنثي ... ولدت لوالد لم يعرف عنه الكثير بل لايكاد أحد يجزم بمن هو وسط العديد من الرجال الذين عاشروا أمه، وتربت مع الأم في سجن لايكمن أن يوفر بيئة صالحة لتنشأة طفل يافع. يجد نفسه في عالم منعزل عن المدنية و الحضارة ، ثم يعود ويغرق في المدنية من اكثر ابوابها وضاعة ( نظافة الملاين لكبار الموظفين والتجار والنساء الثريات ) ص 288  من خلال ما وفرته له الصدفة بعد التعرف علي شخص وعده بأن يعرفه علي (شخصية مهمة جداً، كبيرةً جداً،غنية جداً، واصلة جداً،وشبقة جداً وإنه إذا توافق معها ستنفتح أمامه بوابات العالم كلها) ص343. ثم بعد ذلك يصبح شخصاً نافذاً نظير ما يقدمه للشخصيات المهمة من خدمات خاصة أغلبها متعلق بالحياة السريرية ، ثم القفزة المذهلة التي صار بها ود أمونة وزيراً إتحادياً، وهنا كأنما الكاتب ينصب من عمق هذه الشخصية منبراً للعدالة يحاكم به السلطة السياسية عن ماهية المعايير التي يتم عبرها اختيار من يتسنمون المواقع القيادية ويتساءل الكاتب بذكاء (كيف حدث ذلك؟ تلك قصة يحكيها أي فرد من الحلة) 361 . أو تراه يؤجلها الي أجل غير معروف بقوله عندما يحكي عن كيفية حصول ود أمونة لذلك الموقع المرموق يقول ( وهي قصة مدهشة سيرويها صديقي في كتابه التوثيقي : ثورة الجنقوجواريات) ص 205 والواقع أن الكاتب قد رواها دون أن يورط نفسه في التفاصيل  فكأنما أراد القول ان الوصول الي موقع الوزارة لا يكون من باب المؤهل أو الكفاءة أو القدرات العلمية والفنية، وإنما من باب " الزبونية" لتلك الخدمات التي يقدمها ود أمونة وما اليها من صلات لا تتعلق بالنظم والمعايير والقوانين. فالصفات التي نثرها الكاتب لود أمونة في طول الرواية وعرضها هي ذات الصفات التي جعلته يصل الي هذا الموقع رغم أنه (شبه أمي لم ينل من التعليم سوي شهور ضئيلة يسرتها له العازة في ايام حريتها القلائل) ص.289. إن أهم الصفات التي عرضها الكاتب لود أمونة قد إكتسبها من طبيعة الحياة التي عاشها  في طفولته الباكرة حيث (تعلم درسه الاول : الصبر من النمل والخسة من الذباب)ص 286 . ثم إنتهاز الفرص عندما تلوح له (أوعك يا ود أمونة تخلي الفرصة تفوتك .. اطلع فوق.. فوق.. فوق.)ص 205 . فالفرصة أو شبه الفرصة التي لاحت لود أمونة هنا هي النقطة الفارقة في حياته التي من المقرر أن تنقله من واقع الحلة الذي لا يناسبه أو بالأحري لايناسب تطلعاته فهو لم يثبت من خلال الرواية انه من الجنقو وإن عاش وسطهم وأنه قليل الإحتكاك بهم، وهذا ما فطنت له منذ الوهلة الأولي زينب إدريست التي قالت له تعبيراً عن كونه لا يشبه الناس في الحلة (إنت أجمل راجل في الحلة دي كلها) (كلهم عفنين ووسخانين وريحتهم ترمي الصقر من السما. الرجال في أسمرا يشبهوا الملايكة .. إنت مفروض تعيش في اسمرا .. تشتغل باريساتا في أي بار أو فندق هناك ، تكسب دهب عديل) ص320- 321. فمع عدم تناغم وجود ود أمونة في ذلك الموقع وما رسمه الكاتب له من صفات تؤكد من طرف  خفي  أن الصفات والخصال التي رسمها له الكاتب من خلال الوصايا التي جاءته من معارفه وهم يقدمون له الهدايا حين إقباله علي وظيفته الأولي بالبنك لن تقوده في نهاية المطاف الإ أن يكون شخصية في مقام وزير إتحادي  وقد تراوحت تلك الصفات ببين (القوالة والسواطة) في وصية الأم له،و وصية والدته (فش أسرار الناس) وصية أداليا دانيال (التعرصة) ووصية فكي علي (النسنسة الدسدسة والخسخسة) بوشي ووصيتها له ان يترك (الكذب) العازة التي أوصته أن يتمسك بصفة واحدة فيه (الوفاء). كل هذه الصفات التي سردها الكاتب علي لسان  معارف ود أمونة  هي في التقدير النهائي ما مكنته إضافة الي مهاراته الأخري من أن يصير وزيرأ إتحادياً.وكأنما  أراد الكاتب القول أن حالة ود أمونة ليست إستثناءً فيما يشهده المسرح السياسي من حالات الإستوزار التي  شملت اطياف عديدة من البشر تتشابه بدرجات متفاوتة  مع شخصية ود أمونة مع فارق ضئيل وهو أن الكاتب قد حدد سلفاً المؤهل العلمي لود أمونة، بينما يحرص نظرائه في الواقع علي التأكيد علي الألقاب العلمية التي يسبقون بها اسمائهم حرصاً علي مكانة أو دفعاً لشبهة الإتهام بالحصول علي هذه المواقع من باب الولاءات والعصبيات والمحاصصات.