يشهد السوق ارتفاعاً متصاعداً في أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية وغير الضرورية بشكل أذهل الجميع، والذي سيجلب ضائقة معيشية لامحالة أو بلغة أكثر دقة نوعاً من انعدام الامن الغذائي Food Insecurity ذلك لأن أهم مقومات الامن الغذائي ــــ محور القدرة الشرائية ـــ غير متوفر، فقد لا يكون مجدياً توافر السلع واتساع الاسواق وفخامتها مع عدم تحقق القدرة الحقيقية للإستهلاك. وهذا أمر مفهوم لدي المواطن البسيط ولايحتاج الي شروحات معمقة في اسس الامن الغذائي، وبالتالي يكون من السهولة القول بأن المصلحة الحقيقية للمواطن أصبحت مهددة في عيشه طالما وصل لمرحلة العجز عن توفير ضروراته من السلع ولن يهمه آنذاك توفرت السلع أم لم تتوفر. وحالة الادراك هذه لن تجعل المواطن في حالة ارباك كما في المسألة السياسية التي قد تكون ملتبسة نوعاً ما ، غير انه في هذه الحالة ستكون الامور في غاية الوضوح، ولن يجدي وقتذاك استجداءه وحثه علي الصبر وربط الاحزمة، وغيرها من المستهلكات السياسية لاسيما اذا توافر عنصر الملاحظة الذي يشير ويؤكد بأن هنالك في أعلي الهرم فئة منعزلة غير معنية بإرتفاع الاسعار لأنها ذات قدرة شرائية عالية قد لا تحس بمدي انعزالها عن  المحيط الاجتماعي الغارق في العوز والضنك وعدم القدرة ليس فقط علي الشراء، وإنما علي الرغبة في الاستمرار في مثل هكذا أوضاع .... وهكذا تحدث الكثير من ثورات الجياع.
مهما يكن من أمر فإن الحديث هنا لا يتركز علي فعل تحريضي دون آخر، وإنما علي امكانية انتاج فعل مجتمعي عقلاني منضبط مع المتغيرات الإقتصادية للوصول لأنماط سلوك بديلة تعزز من ثقافة الرفض أو المقاومة المؤسسة علي الخيار الحر في معادلة ضرورة الاستهلاك والانضباط السلوكي في التعامل مع السوق دون الإغفال بالتأكيد عن مصدر أو مسببات الغلاء والتي يجب الا تعزي لشيئ الا لعجز الدولة ـــ بالمعني القوامي ـــ في أداء مهمتها ووظيفتها، غير ان محاسبة الدولة في الظروف الراهنة  قد لا تجعل لها أثراً لاسيما وأن إمكانية السمع واهية فضلاً عن أمل الإستجابة. فالمقام هنا ليس مقام محاسبة وإنما مقام تغيير أنماط سلوك وإنضباط ربما كانت حالة الغلاء الماثل مدخلاً ملائماً له علي أقل تقدير من باب لا يغير الله ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم... وليكن مدخل التغيير تحليل مجمل الاوضاع بإيجاز مفاده أن الوضع الذي يعيشه الجميع الآن هو حصاد سياسة الإنفتاح و التكييف الهيكلي التي انتهجتها الدولة في العقدين الاخيرين، وهو منهج أثر ويؤثر بالضرورة ليس فقط في "سلة السلع" المتاحة للإستهلاك، وإنما لتغيير "الذوق" وبالتالي في اتجاهات الثقافة الإستهلاكية حيث يقع المرء تحت ضغط عالٍ من أشكال "التنميط السلوكي" بغض النظر عن تفاوت الدخول، والدور الذي تلعبه في هذا الشأن بعض  الفئات الإجتماعية التي تتبني انماط سلوك إستهلاكية غاية في الغرابة والمغالاة في البذخ والتي ربما تكون بحكم نشأتها مرتبطة بدوائر الحكم و الثروة ،فإن هنالك ميل عام حتي وسط الفقراء في تقليدهم أو التطلع لمحاكاة سلوكهم لاسيما وأن المؤثرات الإعلامية تلعب دوراً حاسماً في هذا الصدد لدرجة ترقي لمستوي ما أسماه د. جلال أميــن "القهر الثقافي" والذي فسره علي أنه لايختلف كثيراَ عن القهر السياسي أو الاقتصادي أو المادي.
بهذا التشخيص يمكن القول بأن هنالك علتين.. الأولي تكمن في أن المجتمع تعرض ويتعرض لحالة تنميط ممنهج لتبني سلوك استهلاكي مغاير لمحتوي ثقافته حتي وإن لم يكن له القدرة المادية الكافية له، ينتج عن ذلك نوعاً من "الغفوة" والإنجراف تفقد المجتمع زمام المبادرة وتسلبه الكثير من أدوات النقد ويتجه نحو الاستهلاك دون طرح اسئلة حول أولويات الحاجة و القدرة علي الصرف. العلة الثانية والاكثر مضاضة تتمثل في حالة "القابلية" المجتمعية للتنميط والتي تعزي لضعف مؤسسات التوعية المجتمعية والانبهار الفائق بالجديد المتجدد من السلع الاستهلاكية والتي لاتكاد تظهر اليوم حتي يحل محلها الجديد غداً.
تؤكد العلتان السابقتان حقيقة في غاية الاهمية وهي ان مجتمع بهذا التوصيف لا يمتلك أي قدر من "الأصالة" لا من حيث القيم و لا من حيث الإعتزاز بما يتنج مادياً.بيد أن الأمل لايزال باقياً في الانفلات من حالة الغفوة المستحكمة هذي الي ابتكار اتجاه مقاومة حقيقي يهزالركون الراهن الي فعل أقرب للثوري منه الي الاصلاحي يبدأ في الذات الفردي وينتهي بالذات الجمعي بحيث تتأسس أخلاق بديلة مهمتها دفع الضرر وجلب المصلحة وهذا ليس حديثاً مرسلاً معلقاً في الهواء، وإنما ينظر للأخلاق كموضوع للفعل محكوم (بالإختيار الحرFree Choice)  وتقويم مبررات ذلك الاختيار، وهنا يكمن الفرق بين المجتمع الحر والمجتمع المستعبد... فالمجتمع الحر هو الذي يقرر ضمن قائمة طويلة من الاختيارات ماذا يستهلك ولماذا بمعني ان يكون حراً في اختيار ما يريد ان يستهلك ومن ضمن قائمة المستهلكات تلك بالضرورة ما ينتجه هو حتي وإن بدا متخلفاً مقارنة بالحديث المستورد.ثم الغرض من الإستهلاك أهو سد لحاجة أم فجاجة. يبقي من الجائز القول بأن شهر رمضان يمثل فيما يمثل ضمن هذه الظروف فرصة مناسبة لإبراز قدرة المجتمع في برهنة كونه قادر علي تبني وإتخاذ مواقف  أخلاقية نابعة من ذاته وبمطلق إرادته تقلب أنماط الإستهلاك السائدة الي افعال مقاومة ثورية تؤسس لقواعد سلوك جديدة تحصر الإستهلاك في الضروري، وتنتج الضروري كي تستمر به الحياة.  
د. محمد عبد الحميد
mohamed hamed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]