تختلف الوزارات لا من حيث الأهمية ، وانما من حيث المجالات التي تلي عمل كل وزارة ، فهناك وزارات ذات صلة بالثروة المادية ولها يطمع الكثير ليكون علي سدتها ، كما هو ملاحظ في وزارات النفط والطاقة والمالية . ومنها ما هو سيادي متعلق بإمور ذات حساسية خاصة مثل الخارجية أو الداخلية او الدفاع . كما ان هنالك بالمقابل وزارات تولد الثروة وتجعل الدولة منتج لها لا مستهلك فقط .. مثل التربية والتعليم ووزارة العلوم والتكنولوجيا  والتعليم العالي والبحث العلمي وهذه الوزارات تتحدد مهامها وصلاحيتها من خلال اسمها .  و تعني برفد الدولة برأس المال الإجتماعي ، وتزويد البلد بالكفاءات المتعلمة المقتدرة لسد النقص في كل الميادين التي لا غني للدولة عنها ، وقد أضيف اليها مؤخرا وزارة الموارد البشرية وهذه وزارة من المفترض ان تعني بالتدريب المستمر والتأهيل والجودة وضمان الفعالية فيما يمكن ان يكون له مردود حقيقي للفرد وتطوير قدراته من خلال اكسابه المهارات .

  إن انشاء وزارة تعني بتنمية الموارد البشرية وما ينطوي علي ذلك من فهم يشي بأن هنالك توجه عام بأن ثمة فكر جديد قد يطرأ علي ماهيات وكيفيات تسيير أمور الدولة ، غير أن ذلك لن يتاتي هكذا ضربة لازب . وإنما من خلال ادخال مفاهيم محددة عسي القائمون بأمر الوزارة الجديدة يدركون كنهها أو ليت يكون لديهم الاستعداد الكافي للتعاطي معها  وما تنطوي عليه من فلسفة دون النظر اليها من خلال رؤي قيمية مسبقة .

  اهم هذه المفاهيم علي الاطلاق هي قضايا النوع الاجتماعى   Social Gender والتي اصبحت أحد أهم الركائز في كل مشروعات التنمية البشرية من حيث انها تقوم علي مفهوم التمكين   Empowerment ، وهو مفهوم معرفي يعني بعملية إعادة تعريف و توزيع السلطة لا بمستواها السياسي كما اضحت تفهمها النخبة السياسية السودانية الآن ، وإنما بمستواها الإجتماعي الذي يجعل كل من المرأة والرجل علي حد سواء ذوي كفاءة في كل المجالات المجتمعية عبر القدرة علي التحكم  Control  في الموارد المادية وغير المادية والتي تمكنهم بالتالي من اتخاذ قرارات لمصلحتهم دون املاء .  ربما يكون مفهوم التمكين اكثر ميلا في الاستخدام لصالح المرأة في ظل حالة عدم التكافؤ الموجودة الآن بين الرجل والمرأة في دول العالم الثالث والسودان منها بالتأكيد ، لذلك يعني مفهوم النوع الي اعادة التوازن لهذه العلاقة عن طريق مخاطبة الاحتياجات الاساسية للنساء وقدراتهن الكانمة ... في هذا الاطار وحتي لا يلتبس الامر  ينبغي التفريق بين مفهوم النوع ومصطلح النسوية Feminism والذي يسعي للمساواة بين الجنسين كأقصي حالات الثورة النسوية تطرفا ،  علي عموم الامر فإن قضية النوع الاجتماعي تركز علي زاوية هامة وهي علاقات لعب الدور Role Playing Relationships  فهي لا تخلط بين الدور الذي يقوم به الجنسين بإعتبارهما ذوي أدوار محددة فالأب يقوم بدور والأم بدور ، وهذه الادوار مرتبطة في الأصل بمجموعة من أنماط السلوك والقيم والتوقعات ، بل حتي العقاب والثواب الناجمة عن عدم القيام أو القيام بالدور المتوقع .. إن وزارة تعني بتنمية الموارد البشرية لا ينبغي لها ان تغفل البعد النوعي في التنمية وهذا ربما يكون احد اهم الأجندة الساعية لتغيير مفهوم التنمية إذا ما أخذ علي محمل الجد من خلال برامج ومبادرات تتولاها الوزارة بدلا عن أن يكون موضوعة النوع حبيس قاعات الدرس والتحصيل الاكاديمي أو ضمن برامج الجمعيات الطوعية  التي لايتخطي اثرها أمدا معينا . فالمتوقع أذن من هذه الوزارة أن تسعي لإنشاء إدارة خاصة بتضمين النوع في التنمية البشرية وبذلك ستكون الوزارة قد احدثت تحولا نوعيا بإتجاه قلب المفاهيم الخاصة بالتنمية وربطها بالواقع الذي يفرض هذا النوع من التوجه اتساقا مع اهداف الالفية للتنمية M.D.Gs

     إن وزارة تعني بتنمية الموارد البشرية حري بها أن تؤسس نظاما للجودة في الأداء . فالمعروف أن العالم الآن كله يتجه ليس فقط لتقديم الخدمة ، وإنما لخلق حالة من التميزState of excellence  في تقديم الخدمة للعملاء و المتعاملين مع مرافق الدولة ..وهذا لن يتأتي الإ من خلال مفاهيم تتبني نموذجا متكاملا للجودة الشاملة بما في ذلك الكادر البشري الذي يقوم علي تقديم الخدمة ، .. وغني عن البيان القول إن توجها كهذا سيقي الدولة الكثير من الاعباء الناتجة عن الجودة المنخفضة ، فهذه الأخيرة علي سبيل المثال قد تكلف الدولة الكثير من حالات عدم الرضا وفقدان الثقة والتمرد ، فضلا عن التكلفة المادية التي تترتب عليها من استنزاف للموارد  .

  إن التأسيس لثقافة الجودة لابد أن يقع في صلب أولويات هذه الوزارة ، فالجودة في الوقت الراهن صارت محتكرة أو شبه محتكرة للقطاع الخاص الهادف للربح ، وقد  أضحت تكلفتها  تحسب ضمن  دراسات الجدوي لأي مشروع مهما بلغت  وذلك سعيا لإرضاء الزبون أو العميل في سوق حرة مفتوحة ... بينما ظلت خدمات الدولة تشكل غيابا في هذا المضمار لأنها وللأسف تفهم أن معظم الخدمات التي تقدمها يضطر لها المواطن اضطرارا كخدمات المياه ، الكهرباء والطرق  وسائر المعاملات الرسمية  . بينما  استطاع السوق أن  يمسح أثر الدولة او كاد في بقية الخدمات كالتعليم والعلاج والسكن .. لذلك فإن بسط سيطرة الدولة وهيبتها لم يعد يتأسس فقط عن طريق ما تحوز عليه من آليات للقمع والقهر ، وإنما من خلال حالة التميز في تقديم الخدمة الحكومية لا بإعتبارها منة أو منحة ، وإنما بإعتبارها حق مكفول للمواطن الذي تتوقع منه الدولة أن يكون مصدر ثروتها الحقيقي .. لذا فإن الجودة ينبغي أن تكون قيمة أساسية في تقديم الخدمة الحكومية إن كانت مدفوعة الثمن أم غير مدفوعة . .. علي كل فإن ثقافة الجودة في الخدمات لن يتأتي الإ من خلال عمل الدولة الدؤوب بترقية بيئات العمل وتقديم كل الحوافز والتدريب المستمر لوكلائها وكوادرها الذين يقدمون الخدمة لكي يعطوا بأحسن ما لديهم من امكانات حتي يشيع جو من الرضا وسط المتعاملين مع مرافق الدولة عن طريق ما يمكن أن يسمي " بالخدمة الناجزة "التي تقدم في اقصر وقت وبأقل تكلفة وفي اقرب موقع وهذا يعتبر جلبا للحكومة لعتبات منازل المواطنين .

   إن  غاية ما يأمل فيه المرء حاليا هو أن تكون وزارة تنمية الموارد البشرية اضافة حقيقة لجعل البلاد تتقدم في سلم الأداء الخاص بالتنمية البشرية ، لاسيما وان  برنامج الأمم المتحدة الانمائي يعد تقريرا سنويا عن مدي تقدم الدول في هذا المجال من خلال  مؤشرات حقيقة ترصد ذلك التقدم ولعل في الكلمات التي قالتها نانسي بيردسال المستشارة الخاصة لتقرير التنمية البشرية للامم المتحدة  ما يشكل عنصر تحدي في ترقية اداء التنمية البشرية إذ تقول (لا تستطيع كل الدول ان تكون في الحد الأقصي للتقدم ، ولكن في سوق اليوم العالمي المستند الي المعرفة تحتاج كل دولة مهما كان درجة فقرها الي بناء قدراتها الخاصة للتحكم ومواءمة التقانات العالمية مع حاجاتها المحلية ، وهذا يعني الاستثمار في التعليم الثانوي والبحث الجامعي وخلق الحوافز للشركات لتدريب العاملين بها .)

mohamed hamed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]