هنالك الكثيرون من كتاب القصة و الرواية فى العالم انتاجهم متوفر بين يدى القراء، يطلع عليه، يحتفى بظهوره، يظل فى واجهة الذاكرة بعض من الوقت ثم يتراجع و ينزوى. عندما تستدعى الظروف اليه، يحتاج استرجاعه الى انعاش الذاكرة بقراءة جديدة.
بعض الكتابات تنقش بتمهل و أناة على جدار الذاكرة و الوجدان، تظل كنقش الخطى على ظاهر الصخر، تصمد امام عوامل التعرية و تقلبات الزمن، يزداد بريقها و بهائها تحت عواصف الاكتشاف و التجربة و المهلة فى التأمل، من أمثال تلك الكتابات ابداعات الراحل الطيب صالح.
عندما قام الناقد المصرى الراحل رجاء النقاش بتقديمه الى القراء العرب تلقفته الايدى بدهشة طفل. "موسم الهجرة الى الشمال" صار صديق حميم و حنين لقارئ كثير من الشعوب، اما لقارئ السودان فقد أصبح نديما مستديما.
جلست فى احدى المنتديات الخاصة فى سبعينات القرن الماضى مع اصدقاء يهتمون بالادب و مسالكه المتشعبه، عندما نحن نتناول بالنقاش ابداعات الطيب صالح، فوجئت بأن عددا من الحضور يلقون من الذاكرة صفحات كاملة من رواياته. دهشتى أتت، من أن ما يلقونه من الذاكرة كان نثرا و ليس شعرا، ذلك بالتأكيد يعكس مدى الولع و الاحترام الذى يكنونه لأدبه.
توالت الاصدارات، عرس الزين، ضو البيت ، مريود ، دومة ود حامد ، منسى، بندر شاه . عظمة تلك الروايات مستمد من بساطتها،  لغتها "البتهوفنية"، و العمق الذى تتناول به الاشياء. اختلفت مداخل التقييم لتلك الروايات، لكن فى مجملها كان صحيحا لأنها تعكس شخصية الراحل، المتمثلة فى عمقه و بساطته.
لم يكن له ولعا بالسياسة و لا العمل بها، ذلك بالطبع لا يعنى عدم الاهتمام بقضايا الوطن. بعد الاقلام عزت ذلك العزوف السياسى الى عدم دراية بالسياسة، بالطبع لا أتفق مع ذلك الرأى . التجارب تثبت كل يوم أن السياسة فى السودان لا تحتاج الى علم و معرفة، بقدر ما تحتاج الى قدر كبير من التهريج والديماجوجيا. أعتقد جازما أن ما قاله الطيب فى ظروف نادرة عن السياسة كان تحليلا و رأيا صائبا و عميقا، يكفى ما قاله و هو يتحدث مندهشا عن حكومة الانقاذ (من أين اتى هؤلاء..)!
الطيب احيانا له رأى الاديب الواثق غير المكترث و المتعجب من فعل الآخرين، فى تسعينات القرن الماضى عندما قادت حكومة الانقاذ هجوما ضاريا عليه – رأس الرمح فى ذلك الهجوم كان صحيفة الوفاق – ثم قامت بمنع كتابه "موسم الهجرة من الشمال" من النشر و التداول، علق الراحل ساخر (أنهم يغلقون الاصطبل بعد خروج الحصان )، و نضيف نحن، أن الحصان كان صاهلا، حرا و منطلقا فى الفضاء، قوبل بالبشر اينما حل.
الطيب كان رجلا "حبوب"  رغم أننى لم ألتق به و لكنى جلست مع من عاشره عن قرب . فى القاهرة ذهبت مع بعض الاصدقاء الى منزل  الكاتب المصرى عبدالوهاب الأسوانى ، ذكر لى أنه عمل مع الطيب صالح فى الخليج و احسست من حديثه مدى الاحترام و التقدير الذى يكنه للراحل. تحدث عن التواضع، البساطة، الشهامة، الشجاعة فى ابداء الرأى. قلت له أن ذلك هو المواطن السودانى.
لست جامح الخيال لكنى أرى "الزين" متنقلا بين مدن و قرى السودان صايحا و مصوتا (يا ناس  "هوى" ، قبل اسبوع توفى الشاعر الانسان النور عثمان،  لحقو الليلة القاص المبدع الطيب صالح........هوى الطيب مات!)
ينظر اليه المارة بدهشة ثم يجهشون بالبكاء!
عدنان زاهر
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.