قالت مريم يحى بعد خروجها من السجن ( وضعت طفلى و أنا مقيدة بالسلاسل،ليس باصفاد فى يدى بل سلاسل فى قدمى....لم أتمكن من فتح رجلى لذلك قامت بعض النسوة برفعى على الطاولة )!...صحيفة حريات3-7
حديث مريم المحزن تصوير مرعب لموقف تنتهك فيه الأنسانية فى أبشع أشكالها على مرأى من الجميع، بل هو يسترجع للذاكرة الأنسانية ما كان يحدث فى معسكرات " الهلوكوست " النازية قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، و ليس فى دولة تتدعى الأسلام منهجا للحكم !
تداعيات حكم الردة ضد مريم يحى لا زالت مستمرة ، ها نحن نقرأ أن مهوسى النظام يطاردونها حتى و هى فى مقرها الجديد " الآمن " ! و ذلك برفع دعوى فى المحكمة الشرعية ( اثبات نسب ) تتزامن معه إجراءات تحفظية لمنعها من السفر خارج السودان !
قضية مريم و أحداثها المتتالية تستدعى أكثر من سؤال،لكن أهمها على الأطلاق...هل ما يحدث الآن كان مفاجأة أم حدثا كان متوقعا ؟!
السؤال الآخر الذى لا يقل أهمية.... هل المقصود مريم يحى فقط أم هى رسالة مقصودة و موجهة للشعب السودانى؟
يبدو أن محاولة الاجابة على السؤاليين تستدعى الرجوع قليلا الى الماضى لتنشيط الذاكرة
ابان الديمقراطية الثالثة طرحت الجبهة القومية الأسلامية- فى ذلك الوقت – قانونا جنائيا لاجازته من قبل الجمعية التأسسية التى كان يرأسها البروفسير محمد ابراهيم خليل.كان الأخوان المسلمين يستعجلون اجازته،و من عاصر تلك الفترة يتذكر لزوجة عضو المجلس الذى أطلق عليه الشعب السودانى لقب " نقطة نظام "،  اصراره على تمرير القانون طالما ليس هنالك قانون آخر مناهض له.
عقد تجمع المحامين الديمقراطين ندوة فى دار المحامين و قرروا ايداع مشروع قانون آخر مناهض للقانون الذى كان معروضا امام الجمعية و سمى ذلك القانون بقانون " النصرى " و الأسم يرجع للأستاذ ميرغنى النصرى المحامى و ذلك حتى يكون امام النواب مسودتان للقانون الجنائى صالحتان للمناقشة.لم تناقش المسودتين لقيام انقلاب الأسلاميين " الأنقاذ "،بعد الأنقلاب اجاز الأنقلابيون قانونهم الذى كان معروضا من قبل و سمى القانون الجنائى لعام 1991 ،هذا القانون ةهو صناعة الترابى و صياغته و يعبر تماما عن موقف الأسلاميون الفكرى بمختلف توجهاتهم و قد هللوا له كثيرا !
طيلة سنين الأنقاذ الأولى و حتى قبل المفاصلة التى تمت عام 2000 و انقسام الجبهة القومية الى وطنى و شعبى كانوا يقولون بما فيهم عرابهم الترابى ان هذا القانون يمثل الشريعة السمحاء !
رغم اجازة الدستور الانتقالى لعام 2005 فقد ظلت المواد 126 ردة و المادة 146 زنا فى القانون الجنائى قابعة و متربصة رغم مخالفتها للدستور ووثيقة الحقوق الأساسية.وجود تلك المواد فى القانون الجنائى و استمرارها  أو عدم القيام بالغاءها لمخالفتها الدستور لم يكن مصادفة أو تركت سهوا.
المؤتمر الوطنى " المتحور " من الجبهة الأسلامية ( شعبى- وطنى ) كان يعلم تماما ان تلك القوانين تتعارض و الدستور و لكن كان " يدخرها " بسوء نية و غرض لأستخدامها فى الوقت المناسب لارهاب الشعب السودانى و خصومه السياسين كما استخدمت من قبل فى عصور اسلامية سابقة.
يمكن ببساطة ملاحظة ذلك فى الأبتهاج الذى قوبلت به استخدام تلك المادة أو " تفعيلها " كما " هم يقولون " من قبل أجهزة اعلامهم و مؤسساتهم الكرتونية ذات المسميات الدينية التى قاموا بانشاءها لدعم خطهم السياسى و الفكرى.
ذلك التهليل بحكم ردة مريم يحى يشابه ب "الظبط " ذلك الفرح الذى قوبلوا به الحكم باغتيال المفكر الجمهورى محمود محمد طه الذى شاركوا فيه بالتضامن و الأنفراد !
ان الحكم بردة مريم يحى ليس القصد منه تطبيق الشريعة " السمحاء " كما يقولون بل ارسال رسالة غير مشفرة بأن لهم القدرة لاستنباط أشكال كثيرة و متعددة لتدجين الشعب السودانى.ما يدهش حقا ان الفصيل المنشق و العائد حاليا الى حظيرة الانقاذ و الذى قام بصياغة ذلك القانون يقول اليوم ( أن لا ردة فى الاسلام،و ان حكم الردة أضر كثيرا بالفكر الأسلامى و ذلك هو رأى الترابى ) " راجع حديث الأمين السياسى لحزب المؤتمر الشعبى فى صحيفة السودانى بتاريخ 18 يونيو 2014 ".
ان بقاء المادة 126- 146 فى القانون الجنائى  و القوانين المخالفة للدستور ووثيقة الحقوق الأساسية، ستظل سيفا مسلطا على رقاب الشعب السودانى.الطريق الوحيد هو العمل على الغاءها و بالطبع و بالضرورة ذلك يستدعى ذهاب أو اسقاط هذا النظام الفاشى !




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.