هنالك مظاهر متتوعة تعد مؤشر الى تفكك الدولة وترهلها، انحدارها و هى فى طريقها المتسارع الى الانهيار الكامل و من ثم زوال مؤسساتها القادرة على ادارة الدولة.سودان اليوم ينطبق عليه ذلك الوصف و تلك الحالة، فلا يشرق صباح الا و تأتيك الأنباء بأخبار مفجعة كارثية جديدة.

تعرف مثلا أن دار " المايقوما " للأطفال مجهولى الأبوين يستقبل يوميا ما بين (2 – 3 ) طفلا، و أن الاحصاء بين عام 2007 و 2010 وصل الى 2824 و بلغت الوفيات بينهم 1499 اى بنسبة 53.33 %!......كما ان ذلك العدد لا يمثل سوى 50% فقط من عدد الأطفال الذين يتم التبليغ عنهم لدى الشرطة. ( من تقرير حكومى – صحيفة حريات بتاريخ 12 فبراير 2014 ).

أو تقرأ أن أمريكى مَثل أمام البرلمان السودانى و قُدم باعتباره عضو مجلس شيوخ " سيناتور " ،يكتشف لاحقا انه لا يملك تلك الصفة – حسب خطاب وزارة الخارجية السودانية و السفارة الأمريكية فى السودان – يعنى طلع " زول ساكت " !!

كما تندهش و أنت تقرأ انه ضبطت فى الميناء نعاج تم " تعديلها " لتصبح فى شكل خراف " يعنى " مضروبه " و هى فى طريقها للتصدير، لأنه لا يسمح بتصدير الاناث !

لكن ما لفت نظرى حقا فى الأخبار المتواترة،خبر جاء فى صحيف آخر لحظة السودانية بتاريخ 28 يناير يقول ان خبيرا اقتصاديا يدعى محمد عبدالله الغبشاوى فى ندوة نظمها " معهد علوم الزكاة " !!.. ...بعنوان (  درء الأثار الاجتماعية للقرارات الاقتصادية الأخيرة ) بعد رفع الدعم عن المحروقات ....

ذكر الخبير ( ان موجة الغلاء التى ضربت البلاد،طالت حليب الأطفال محذرا من مغبة ظهور جيل كسيح يعانى من سوء تغذية )......و اضاف يمكن تعافى الأقتصاد فى حالة اتباع شروط محددة لم يفصح عنها.

قبل التعليق على هذا الحديث و لمزيد من المعرفة حول مرض الكساح لجأت الى " قوقل " و هاكم ما أدلى به

( الكُساح هو مرض " لين العظام " لدى الأطفال نتيجة لخلل فى ترسيب معادن الكالسيوم و الفسفور مما يؤدى الى نقص فيتامين د. و المرض يتسبب فى تشوه العظام واعاقة الحركة لتفادى المرض يجب تناول الأطعمة المليئة بالكالسيوم و الفسفور كالالبان،الأسماك،اللحوم و البيض،كما يجب تعريض جسم الأطفال لأشعة الشمس بشكل منتظم ).

هذا التعريف يعنى ان المرض يصيب الأطفال نتيجة لسوء التغذية أو بكلمات أخرى " الجوع " !

يستخدم اللفظ فى السودان شعبيا بشكل سلبى فيقولون ( ان هذا الزول مكسح ) ، يقصدون أن هذا الشخص أصبح غير مفيد و غير منتج.

الخبير و معهد علوم الزكاة – أسمع عنه أول مرة – لم يعكس الصورة الحقيقية لوضع الأطفال فى سودان اليوم و يبدو أن ذلك يتم قصدا طالما يوافقان على سياسات الحكومة الأقتصادية، لذى سوف نورد هنا بعض من تلك الأوضاع لتبيان المفارقة.

- فى مؤتمر صحفى عقد بمشاركة وزارة الصحة الاتحادية بتاريخ 15-6-2013 صرح ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة ( اليونيسيف )

ان 1 من 3 اطفال فى السودان مصاب بسوء التغذية الحاد و لا توجد ولاية خالية من المرض كما أن المرض يؤثر على النمو مع احتمال فقدان الأطفال ل 15% من قدراتهم العقلية.و يضيف تقرير اليونيسيف ان واحد من كل تلات أطفال يتعرض للتقزم لذلك فان أكثر من 2 مليون طفل من غير المرجح أن يصلوا الى كامل امكاناتهم من حيث النمو البدنى و الفكرى.يخلص التقرير الى أن ذلك ناتج عن ضعف المؤسسات المختصة بالصحة،المياه و التغذية.

- أفاد أيضا تقرير للمنظمة العالمية ( انقذوا الطفولة ) المتخصصة فى الدفاع عن حقوق الأطفال الصادر فى مايو من نفس العام أن ( 11 ) من كل ألف طفل يموتون فى اليوم الأول لولادتهم كما أن سوء التغذية أحد أهم العوامل التى تؤدى الى ارتفاع الوفيات وسط الأطفال ( حديثى الولادة ) و الامهات.

كانت هذه هى الصورة القاتمة و المحزنة عشية و صبيحة ذلك المؤتمر الحكومى الذى يحاول ان يدارى سوءات السلطة الذى صمت الخبير عن كشفها و كيفية معالجتها.

كما يقولون الشئ بالشئ يذكر و نستعير "اللفظ " لنقول، ان الكُساح فى زمن سلطة الاسلام السياسى فى السودان قد أصاب الوطن و أقعده،الكساح قد أصاب الحياة السياسية،الاقتصادية،الاجتماعية و الثقافية.

الكساح السياسى تم عندما سطا الأسلامى السياسى على الحكم و أنفرد به،عزل الآخرين و قام باعتقالهم،تعذيبهم و قتلهم ثم منعهم من ممارسات نشاطهم السياسى.الكساح تم عندما تحول العمل السياسى الى أمنى و أمتدت الحروب بعرض الوطن قمعا و تنكيلاً.

الكساح الأقتصادى ساد عندما قامت الرأسمالية الطفيلية الأسلامية بخصصخة القطاع العام و بيعه الى شركات الأسلاميين و حجبت الصرف على مؤسسات الخدمات. الكساح تم عند الأعتداء على المال العام وساد الفساد و شمل كل مؤسسات الدولة فأغلقت سبل الحياة امام المواطن الذى افقر حتى درجة التسول و أصبح يركض لاهثا فقط لسد الرمق.

الحاجة و اتعدام الوازع القيمى الذى يصحبها فى كثير من الاحيان أدى الى افقار الحياة الأجتماعية و ترهلها، ساد الاحتيال،النفاق و التزوير،أصبح المواطن يشاهد امام عينيه جرائم و ممارسات لم يسمع بها المجتمع السودانى من قبل، كل ذلك أدى الى تفكك النسيج الأجتماعى.

عبثت السلطة عمداً بجبهة العمل الثقافى،كُسر بحقد دفين ما كان موجودا ،منع و حجب الفكر المستنير فأصاب الوضع الثقافى الضمور و الكساح.

........الخ

أخيرا نقول ان مثل هذه المؤتمرات المصنوعة و المعلبة التى يصرف عليها من عرق المواطن تقام لتبرر  للسلطة سياساتها الخاطئة، الفاشلة و المهووسة .هذه المؤتمرات " تعرض فقط خارج حلبة الطار " كما يقول المثل الشعبى السودانى. الكساح أصبح هو الصفة العامة فى السودان و منذ زمن بعيد !

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.