تعود قضية اسقاط السلطة فى السودان، كيفية اسقاطها و التحالفات المرحلية بين القوى السياسية،  من جديد الى الواجهة  بشكل أكثر حدة و الحاحاً.ذلك الاهتمام الاستثنائى لما يجرى فى الساحة من قبل المواطن العادى و من ثم المختصين بالشأن السودانى، جاء نتيجة لعدة احداث وقعت فى تتابع و ترابط لا ينفصم.
الأحداث، هى مظاهرات سبتمبر 2013،انتخابات المحامين،خطاب البشير " المفاجأة " و اخيرا " الكورال " الجماعى من قبل المنتفعين و الحالمين بامكانية  " حَلحلة " قضايا السودان المعقدة  و المتشابكة من خلال التحالف مع هذه السلطة.ما يثير الدهشة حقا - تجاه جماعة الكورال - فى موقفها و طرحها " الملولو "، ان نفس هذه السلطة التى توصى بالتحالف معها هى من قامت باقصاء الآخر، الأنفراد بالحكم والعمل بسياسة ( التجربة و اعادتها )،و كانت السبب المباشر لكل الفشل و ما يعانى منه الوطن اليوم من أزمات و مشاكل !!
الأحداث التى قمت بذكرها قبل الخوض فى تفاصيلها بشكل " موجز "،تعكس بشكل مجسم العقلية التى يفكر بها النظام.هى نفس العقلية التى ظل يعمل بها طيلة سنين حكمه و لن يغيرها، لأنها ببساطة جزء من فلسفته و مناهجه فى العمل السياسى.
- المظاهرات السلمية التى قامت فى سبتمبر من العام الماضى ضد قرار رفع الدعم عن الوقود،تعاملت معها السلطة بعنف مفرط و غير مبرر لا يسنده قانون أو أخلاق.قتلت ما يقارب من المئتى متظاهر بشكل مباشر،ذلك غير الجرحى و مئات المعتقلين الذين لا زالوا فى سجونها.تم ذلك فقط لأن تلك الجموع خرجت – ذلك حقها – لتعلن رأيها فى ادارة السياسات الفاشلة فى البلاد !
- انتخابات المحامين التى خاضتها قوى المعارضة بتحالفاتها كانت تعبير عن التوجه السلمى الديمقراطى تجاه قضايا السودان و قضايا العمل النقابى المختلف فى الوجهة.السلطة مارست هوايتها القديمة بتسخير أجهزة الدولة و القانون و العمل المرواغ من تحقيق فوز لجماعتها بمقاعد النقابة.بالطبع ذلك السلوك يشى برؤية الحزب الحاكم فى مشاركة الآخرين ادارة البلاد والحدود التى يسمح بها للمشاركة.
- خطاب البشير لم يحتوى شيئا رغم الضجة الاعلامية التى اثيرت تمهيدا له، بل كان مزيدا من التضليل و محاولات تغبيش الرؤيا، لذى أصبح مثار سخرية الآخرين.فى نهاية الأمر الخطاب لا يعدو عن كونه محاولة مثل كثير من المحاولات السابقة لكسب الوقت و خلق فرص أخرى للمناورة.
- الأراء التى أعقبت الخطاب و التى تعتقد انه بداية لمنهج جديد فى التعامل مع القوى السياسية هى اراء تعمل على اعادة اطروحات قديمة تؤسس لبقاء النظام و تبيض صفحاته.
تلك الأراء تلوح مهددة بأن القوى السياسية الأخرى التى تحمل السلاح لها أجندة عنصريه و تعمل على تمزق البلاد و هو حديث عار من الصحة.تلك القوى ظلت على الدوام تطرح خطاً قوميا يستهدف قضايا السودان الموحد،كما انها أجبرت تحت عنف السلطة على حمل السلاح.
الحديث عن " البديل " للسلطة عند زوالها، هو الآخر حديث ممجوج يقصد به بلبلة الوعى لدى الجماهير.القوى السياسية المعارضة تحدثت بشكل مفصل عن البديل و طرحت وثيقة واضحة المعالم بذلك.تحدثت عن المؤتمر الدستورى، الوقف الفورى للحروب الممتدة بارجاء الوطن ،تكوين حكومة قومية لاعادة الديمقراطية للعمل على اخراج السودان من ازماته.
اثارة الحديث من جديد حول البديل، هو محاولة لاعادة حركة قوى المعارضة للمربع الأول واعاقة صعودها المتنامى.
من الجانب الآخر، الحديث عن " التغير الناعم " او تجربة جنوب افريقيا،هى آراء الولايات المتحدة الأمريكية و قد طرحها مندوبها قبل عدة سنوات ، هى بالطبع و بالضرورة ليست الصواب .الولايات المتحدة لها اجندتها المتعلقة بمصالحها، كما أن للشعوب خياراتها و هى أدرى بمصالحها كما للشعب السودانى تجاربه الثرة فى اسقاط الأنظمة المستبدة.
بالاضافة الى كل ذلك فلا يمكن اسقاط تجربة سياسية على واقع سياسى مغاير، فقط من خلال الشعارات العامة.النظام فى السودان مع توجهاته العنصرية التى يحاول مداراتها، يقوم على ايدولوجية سياسية يعتقد - رغم فشلها – انها قادرة ليست على حل قضايا السودان بل جميع البلدان،و هو جزء من منظومة الاسلام السياسى فى العالم.
السؤال الجوهرى هل هذا النظام له القدرة على تغيير طبيعته،هل يسعى لذلك حقا، و هل ينوى " حللة " المشاكل و التخلى عن المصالح التى اغتصبها قهرا؟!
الاجابة بالطبع نفيا،وذلك ليس فقط من خلال ما قمنا بذكره ،لكن من الممارسات السياسية العامة قبل و بعد الخطاب و المتمثلة فى الآتى:
السلطة تتحدث عن الحريات و هى تصادر الصحف يوميا و تمنع الصحفيين عن الكتابة و تقوم باعتقالهم .هنالك صحف منع صدورها كليا لأكثر من عام، و صحف أخرى الكترونية يتم حجبها من قراء الأنترنت فى السودان.
السلطة تتحدث عن نيتها فى التصالح و مشاركة الآخرين ادارة البلاد و هى تقوم بمحاكمة المواطنين الذين خرجوا سلميا للاحتجاج.هنالك اكثر من خمس محاكمات تجرى اجراءاتها هذه الأيام فى محاكم مختلفة و متفرقة فى العاصمة!
السلطة تتحدث عن السلام و تقود حرب أبادة فى دارفور، النيل الأزرق و تقوم طائراتها بأكبر عملية قصف جوى فى جبال النوبة ضد السكان العزل !...... مليشات الجنجويد تعيث فسادا فى المدن الكبرى اغتصابا و تقتيلا فى " الأبيض " ومن قبلها " نيالا " بدارفور.
الفساد الذى يزكم الأنوف و حماية السلطة للمفسدين،بل قادتها هم من يقومون بذلك الفساد المنظم.
ان الأزمة التى أوصل اليها " الاسلام السياسى " السودان عميقة و سرطانية مست جميع أوجه الحياة و مزقت النسيج الاجتماعى و لا تنفع معها المعالجات الجزئية أو الوقتية، بل فقط ذهاب هذه السلطة و تفكيك مؤسساتها.
ان حصيلة التجارب الممتدة مع هذا النظام - طيلة سنين حكمه - جميعها سالبة، و هو نظام لا يعترف بانه أجرم فى حق الجميع أو أخطأ رغم الأنهيار الكامل و الماثل.هذا النظام قد أدمن نقض العهود و لا يمكن الثقة فى ما يقوله و من شاركه الحكم فى فترات سابقة او اليوم هم مجرد ديكورات للنظام و وسيلة يتكأ عليها لادعاء الديمقراطية.
ذلك الواقع المزرى و الأصطفاف الجديد للقوى السياسية الذى تؤطره مصالحها، يطرح امام القوى السياسية المعارضة مهام جديدة. المهام هى اعادة شكل التحالفات و تغير وسائل اسقاط السلطة، تنوعها و تمتين الصلة مع الجماعات الأخرى خاصة تلك التى تحمل السلاح، فى تقديرى ذلك الفرز ضرورى لاحداث التغير المنشود، ذلك  لكى لا تعطل مسيرة الجماهير نحو التغير الكامل.
ان السلطة الحالية لا مصلحة فى تغير ما يدور فى السودان لأن ذلك ضد مصالحها و سوف تقاومه بشراسة و قد ذكرنا ذلك فى مقالات سابقة كثيرة، كما انها لن تتخلى عن الحكم طواعية.
ان الحديث عن التصالح مع النظام وفق شروطه أو ما تقوم بطرحه القوى المهادنة أو المؤسسات الدولية، سوف يعمل فقط على اعادة دورة حياة جديدة لنظام الأسلام السياسى فى السودان.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.