يتابع المراقبون و المشفقون الاحداث ذات الوتيرة المتسارعة فى الجنوب بانتباه و توجس. الاحداث تمثلت فى هجمات متفرقة و متكررةعلى المواطنين العزل و القرى الآمنة، يتم فيها قتل الابرياء من النساء و الاطفال و نهب الابقار و راح ضحيتها هذا العام كما يقدر المراقبون 1200 قتيلا. الحدث الذى وقع أخيرا هو هجوم مجموعة من النوير مسلحة تسليحا عاليا على قرية"  دوك بادييت " بمحافظة جونقلى و قتلها للعشرات بينهم 28 قتيلا من ضباط و جنود الحركة.الهجوم يحمل ايماءات و دلالات سياسية، فاذا كانت الهجمات فى الماضى تتم على المواطنين و القرى المعزولة فأن هذا الهجوم استهدف مركز للسلطة مناط به حماية المواطنين وذلك يعنى أن المقصود هو السلطة. يعنى ايضا أن هذه المجموعات باتت لا تخشى أحدا، من ناحية أخرى فأن الهجوم تم قبل أنعقاد مؤتمر جوبا بين أحزاب المعارضة الشمالية و الحركة الشعبية .ذلك يعنى أن الهجوم هو شكل من اشكال الرسائل المشفرة للمؤتمر.

الحركة الشعبية اتهمت  شريكها فى السلطة بتدبير الهجوم و تأجيج الصراعات القبلية فى الجنوب لاظهار الحركة بالعجز و عدم القدرة على ادارة الحكم. المؤتمر الوطنى نفى على لسان أحد مسؤليه علاقته بالاحداث و ارجع الانفلات هنالك الى ضعف حكومة الجنوب. فى تقديرى كل من الرأيين يحمل شيئا من الحقيقة.

قبل مواصلة مقالنا نود أن نورد رأيا نعتقد أن له علاقة سريرية بالاحداث، وهو أن السلطات الديكتاتورية فى السودان درجت و فى كل الحقب و تبريرا للمسلك الدموى الذى كان يمارس فى الجنوب بدعوى المحافظة على وحدة الوطن و أمنه على ترديد قول رسخ فى الذاكرة الجمعية فى الشمال وهو ( ان المكون الديموغرافى للجنوب مبنى على قبائل متناحرة و متخلفة لا يمكن أن تتحد او تتفق فيما بينها، اعطاء الجنوب أى قدر من الحرية سيشعل الحروب فى الجنوب و ذلك يهدد وحدة السودان و الأمن فى الشمال )

ذلك كان الخط الدعائى للحكومات الديكتاتورية فى السودان، يبدوا واضحا خطل الرأى و ارتكازه على ذاكرة شوفينية ملئية بترهات الاسثعمار، حكايات و بطولات تجار الرقيق فى الجنوب و فتوحاتهم!

اضافة الى ما يحمل ذلك الرأى من شحنات عنصرية، فهو  محاولة لنفى حقيقة تاريخية وهى أن تلك القبائل عاشت متجاورة منذ عهود سحيقة، ينظم حياتها قوانين و أعراف مستقرة. نضيف أن التناحر بدأ فقط مع تجارة الرقيق ، الاستعمار، الحكومات الديكتاتورية  وممارسات الجلابة.

ما يحدث فى الجنوب لم يكن مستبعدا، و لكن الجديد هو المحاولات الحثيثة و المسعورة ل" جنوبة " الحرب فى الجنوب. لا يمكن انكار أن هنالك ضعف فى ادارة حكم الجنوب، و لكن التقييم الامين يستوجب ذكر الاسباب الموضوعية التى أدت الى ذلك. تلك الاسباب تتمثل فى تحول الحركة الشعبية الحاكمة من حركة عسكرية الى حزب سياسى مرتبط مباشرة بالجماهير و ادارة حياتهم ، بالطبع ذلك يتطلب بعض الوقت و المساعدة. الحرب فى الجنوب التى استمرت زهاء عقدين من الزمان تتواصل أثارها بعد السلام، كالزلزال الذى تتبعه التشققات و الكسور. تبعات السلطة و مشاكل النزوح، الاقتصاد المتدنى، هيكلة جهاز الدولة، الأمن...ألخ....تلك قضايا معقدة ومكابر من يحاول ا نكارها. ذلك بالطبع لا ينفى مسئولية حكومة الجنوب  عن حل تلك المشاكل دون الركون و الاستناد على تلك الصعوبات و جعلها متكأ لتبرير الاخفاق. فى تقديرى أهم ما يواجه السلطة هنالك هى قضية الفساد، ودون حلها يستحيل المضى الى الامام.

اتهام الحركة الشعبية للمؤتمر الوطنى انه وراء الاحداث الدامية ليس جزافا، مهما حاول المؤتمر الوطنى النفى و التظاهر بالذكاء. السلطة فى الخرطوم تراهن على تدهور الأمن فى الجنوب للتنصل من التزاماتها الناتجة عن اتفاقية السلام و أهمها حق تقرير المصير. ليس صدفة الاصوات التى ارتفعت فى ا لآونة الاخيرة تتحدث عن عدم قيام استفتاء فى الجنوب دون مشاركة الشماليون فيه....أو الحديث عن منع انفصال الجنوب عن طريق وقف حق تقرير المصير . المعروف و المعلوم بداهة أن القوات التى تقوم بالهجمات  فى الجنوب هى قوات صديقة للانقاذ قامت بانشاءها ، دعمها وتسليحها فى اوقات متفاوتة، كما أن بعض من تلك الفصائل يتحالف معها الآن.

ان ما يحدث فى الجنوب الآن مسألة خطيرة تهم الشعب السودانى فى المقام الاول، و تهدد اتفاقية للسلام اتت بعد حروب متعددة دامية  وهى ليست مجالا لمراهانت المؤتمر الوطنى وعبثه. لقد عان الوطن كثيرا من الحكومات الديكتاتورية و تفردها بالقرارات المصيرية، كما عان الجنوبين كثيرا من نقض الاتفاقيات. نحن مع الوحدة ولكن لندع اهل الجنوب يقررون مصيرهم دون وصاية من أحد، فقد عركتهم التجارب، الحروب و التشرد فى اصقاع الدنيا. أن التدخلات غير المسئولة قد تقود الى حرب جديدة الخاسر فيها السودان، كما أن أثارها ستمتد   الى مواقع أخرى بالوطن قد تقود الى تفتته و تشرذمه.

هل نطلق صيحة فى الزمن " الضايع " ؟!!

 

 Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]