تحتاج الثورات فى مسيرتها و تعدد مراحل نضالها الى نماذج للاقتداء، ذلك  لتجديد عزيمة الثائرين،شحذ الهمم و الدعوة للتضحية فى سبيل انعتاق الوطن.هذا القول ليس استنتاجا باردا، ولكن ما تسجله حوادث التاريخ فى السودان و العالم من حولنا.
تلك مقدمة ضرورية كمدخل و قراءة لما حدث فى المؤتمر الصحفى الذى عقده قبل أيام وزير اعلام حكومة المؤتمر الوطنى ،الداخلية ووالى الخرطوم حول الانتفاضة الجارية حوادثها فى الخرطوم.حديثه حول الاغتيالات التى تمت لأكثر من مائتين ثائر بضرب مباشر فى الرأس و القلب، محاولات القاء مسئولية ذلك على الجماهير الثائرة.
واجه الصحفى الشجاع مهرام عبدالمنعم وزير اعلام السلطة الذى دأب على الكذب العارى الذى يجافى المنطق، ذاكرا له ( لماذا تصرون على الحكم فوق أجساد الشهداء ودماء الأبرياء )؟!  
الحادثة تعيد الى الذاكرة حادثة مشابة لها فى تاريخ السياسة السودانية و هى تقاوم الديكتاتوريات العسكرية .فى أواخر عهد نميرى و الشعب يقاوم حكمه القمعى و الدموى، ونميرى يغير من جلده فى كل منعطف تاريخى. تصدى له شخص يدعى " المصباح " فى جامع القوات المسلحة بعد الصلاة واصفا له بالديكتاتور و استغلال الدين لاستدامة حكمه.تم القبض على " المصباح "  بعد خروجه من الجامع بواسطة أمن نميرى و اودع السجن.كان لذلك الموقف الشجاع فى ذلك الوقت أثر كبير فى تسريع و دفع عجلة النضال ضد الديكتاتور نميرى حتى سقوطه.
موقف الصحفى مهرام مع الوزير يؤكد بعض حقائق جوهرية و هى :
- ان الشعب السودانى يملك الشجاعة الكافية،القدرة على المواجهة، التصدى و الدفاع عن حقوقه المستلبة دون وجل أو خوف.
- ان ممارسة سياسات القمع الدموى، القتل،الأعتقال التعسفى العشوائى و الابتزاز التى تمارس ضده، ليست كافية لوقف مسيرته نحو التحرر و الانعتاق.
- ان رحم الشعب السودانى قادر على انجاب القادة الواحد تلو الآخر فى لحظات التغير الثورى، القادرين على التضحية.
- ان الشعب السودانى قد كسر بشكل كامل و نهائى حاجز الخوف و أمتلك القدرة على التضحية فى سبيل السودان الديمقراطى الذى سوف يأتى، و يمسك بيديه الآن دفة تسير الأحداث حتى اسقاط النظام.
هذا من جانب، أما الجانب الآخر فالحادثة تعكس بشكل فاضح ان هذه السلطة :
- لا تملك القدرة على الحوار و سمع الآخر و ذلك منهجها المستمر لمدة ربع قرن من الزمان فى قمعها الآخرين و مصادرة الحريات. نهج السلطة الاستبدادى يتمثل فى وصف الوزير للصحفى الشاب " بعدم التأدب " برغم ان سؤاله الذى ألقاه لم يخرج من نطاق التأدب و الهدوء و الموضوعية. رد الوزير كان يهدف الى قمع الصحفى الشجاع سعيا لهزه و اضطرابه و ذلك ما فشل فيه،بل العكس كان الصحيح فقد اضطرب الوزير واهتز حتى نسى سؤالا ألقى عليه !
- ان هذه السلطة لا تملك القدرة على اصلاح ما حاق بالسودان من دمار و الشعب السودانى من جوع واذلال و التى كانت سببا له.هى الآن فى قمة ضعفها و خوفها فهى تماثل شخص يمسك ب " ثور هائج من قرونه  " ، يحاول التماسك و الفزع باديا من أعينه حتى لحظة انهياره الكامل.
- فزع السلطة يتجسد فى قتلها للجماهير الثائرة بدم بارد و ذلك باطلاق الرصاص المباشر الذى تسبب فى مقتل عدد تجاوز المئتين  قتيل خلال ستة أيام، و من ثم اعتقال المئات من المواطنين.
- ان هذه السلطة فى سبيل المحافظة على الحكم و ما حظيت به من مصالح،امتيازات و أموال نهبت من هذا الشعب لن تتنازل طواعية،سوف تستمر فى الكذب و محاولة تغبيش وعى الجماهير و تضليلهم.
أخيرا نقول ان هذا النظام مهما فعل و ابتدع من أساليب فى محاولات الحفاظ على سلطته، لن يستطع الاستمرار فى الحكم،هو قد فقد مقومات وجوده على سدة الحكم منذ زمن بعيد.اضافة الى هذا فالشعب الثائر لن يقبل بديلا غير ذهابه الى مذبلة التاريخ مشيعا بلعنات من داوم على اذلالهم طيلة ربع قرن من الزمان.




Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]