واحدة من الجبهات المستهدفة من قبل الاسلام السياسى فى السودان و التى يعمل فيها بعنف و شراسة، متجاوزا و مخالفا لكل ما هو مألوف، هى جبهة النساء. لذلك عندما قرأت خبر القبض على أميرة بتهمة ارتداء زيا فاضحا و رغما عن غضبى الشديد، استنكارى و استيائى لم أكن مندهشا.
وقائع الخبر تقول ان أحد الجنود التابعين لشرطة النظام العام اعترض المهندسة أميرة فى محلية جبل الأولياء، باعتبارها لا تضع الطرحة على رأسها و استنادا على ذلك الاتهام تم فتح بلاغ جنائى ضد أميرة تحت المادة 152 من القانون الجنائى لسنة 1991
المادة تقول ( 1- من يأتى فى مكان عام فعلا أو سلوكا فاضحا أو مخلا بالآداب العامة أو يتزيا بزى فاضح أو مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة أو بالغرامة أو العقوبتين معا.
2- يعد الفعل مخلا للآداب العامة اذا كان كذلك فى معيار الدين الذى يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذى يقع فيه الفعل ).
مضمون المادة فى صياغتها فضفاضة و تعطى المحكمة سلطات تقديرية واسعة و بالرغم أن المقصود فى المادة  الجنسين لكنها تستخدم بشكل انتقائى ضد النساء و هذا " بالظبط " ما قصد اليه المشرع.
تم تأجيل محاكمة أميرة بعد الجلسة الأولى الى جلسة لاحقة و يبدو من الوقائع المعروضة، ليس من أسس لادانة المتهمة. لكن المتابع لما يحدث هذه الأيام امام القضاء و أجهزة الدولة التى تنفذ سياسات  السلطة الحاكمة و المؤتمر الوطنى  لا يتوقع عدلا.
ما يلفت الانتباه حقا و يستدعى التناول بالكتابه، هى الممارسات التى تمت فى مواجهة أميرة من قبل الأجهزة العدلية ممثلة فى النائب العام و الشرطة عند القبض عليها وهى باختصار الآتى :
أولا
!- محاولة ادخالها الحراسة قبل فتح البلاغ.
ب- اجبارها الجلوس على زجاجات العرقى .
ج- عند التحقيق معها بواسطة رئيس القسم سألها ابتداءا عن قبيلتها.
د- غير الشرطى من أقواله ذاكرا ان صدرها كان كاشفا.
ه- طلب منها وكيل النيابة بطريقة تشابه " عرض الأزياء " أن تضع الطرحة على رأسها ليرى ان كان صدرها يبدو كاشفا؟!
ثانيا
تناول الصحف للخبر،فقد كتبت صحيفة الوطن الصادرة بتاريخ 2-9-2013  (حددت محكمة النظام العام بمجمع جنايات جبل أولياء امام مولانا الطيب حسان جلسة للنطق فى مواجهة مهندسة قادمة من خارج السودان ضبطت بزى فاضح و خليع حضرت به داخل المحكمة،تم توقيفها و دون بلاغ تحت نص المادة 152 من القانون الجنائى و بعد أن نظرت المحكمة البلاغ المدون امامها حددت جلسة للنطق بالقرار )
واقعة القبض على أميرة له جوانبه السياسية و الأجتماعية الأخرى  كما ان الواقعة تتعلق بالحريات العامة، وهى  استمرار لسياسات القهر الموجهة ضد النساء و التى كانت تمارس بشكل ممنهج طيلة السنوات الماضية.سجل المحاكم فى السودان يحتوى على آلاف القضايا التى تم فيها جلد النساء ظلما و لم ترى طريقها للأعلام كما حدث للصحفية لبنى أو للفتاة التى صورت فى فيديو و هى تجلد.الأنظمة الشمولية تمارس مصادرة الحريات و لكن قمتها يتمثل فى نظام الانقاذ فى السودان.
توجه السلطة لقمع النساء فى السودان ليس صدفة و لكن له اسبابه و مسبباته فهى تهدف
1-  لعزل المرأة و منع مشاركتها فى السياسة و القضايا التى تهم الوطن فهى قوة لها القدرة على التغير فى المجتمع السودانى.
- السلطة تعلم ارتفاع مستوى الوعى لدى النساء نتيجة حرصهم على التعليم.
- الظروف الأقتصادية دفعت النساء للعمل فى كل المجالات للمساهمة فى رفع دخل الأسر و مجابهة متطلبات الحياة القاسية.
- مناقشة قضايا المرأة عالميا و محليا من خلال تناولها من قبل المنظمات المهمومة بقضايا المرأة دفعها للالتصاق أكثر بقضاياها و الدفاع عنها.
كل تلك الأسباب دفعت بالنساء للتصدى لقضايا الوطن و اصبحت تتعرض لنفس القمع الذى يتعرض اليه الرجال و تشاركه نفس السجون.
2- اهتمام العصر بقضايا حقوق الأنسان جعل حقوق النساء و الغبن الواقع عليهن تتصدر الأجندة،تُسن القوانين للدفاع عن حقوقها، ذلك ماأزعج السلطة السياسية فى السودان و ليس ببعيد الضجة التى أحدثتها ابان مناقشة اتفاقية " سيداو ".
3- السلطة فى محاولتها لقمع المرأة تحاول باستمرار و جهد، أرجاع المرأة لعصر الحريم ليسهل عليهم قيادتها. لتحقيق ذلك الهدف ضمنت فى القوانين كل المواد التى تكبل المرأة و يظهر ذلك فى قوانين الأحوال الشخصية و ما يحدث أمام محاكم الأسر.
4- ما يزعج السلطة و يجعلها - تسبح عكس التيار - هو بروز و تقدم المرأة عالميا و تصديها لقيادة الأمم، بالطبع ذلك يزعج الأسلام السياسى و يصعب من مهمته مما يجعله لاهثا و مسرعا لاعادة تشكيل المرأة وفق مشروعه.
محاولات القهر تتعدد و تستخدم فيها كل الأسلحة المتاحة مهما كان تعارضها مع القانون، مخالفتها للأعراف السمحة ، الذوق العام و نزوع المجتمع السودانى لاحترام المرأة. ضمن هذا المشهد و فى سياقه يمكن أن يفهم محاولة اذلال أميرة باجلاسها على زجاجات العرقى، استخدام العرق بسؤالها عن قبيلتها للأستفزاز أو محاولة وكيل النيابة ( لاقامة عرض أزياء ) لمعاينة صدرها بالاضافة للادانة المسبقة فى الخبر الذى أوردته صحيفة الخرطوم.
هذه السلطة من خلال تجربة أكثر من عشرين عاما ، من خلال مضمون مشروعهم الحضارى الذى تخلوا عنه لا يملكون القدرة على حل قضايا السودان  و لا خير يرجى منهم.الخيار الأوحد يبقى امام المواطن، كنسهم من خارطة الحكم و الا سوف تتناول الصحف فى القريب العاجل أسماء أخر....سلوى،اعتدال،كاكا، أمونة..... الى آخر أسماء النساء السودانيات اللاتى يجرى اضطهادهن فى محاولات التدجين !


Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]