توطئة
واحد من المواضيع التى يتفادى الكثيرون حتى الآن التطرق اليها أو حتى " لمس " ملفها هو موضوع الاسترقاق فى السودان،تاريخه،الوسائل المتبعة،المناطق التى يجلب منها و تأثيراته اللاحقة على البنية الأجتماعية فى السودان.ذلك أدى الى خلو أرفف المكتبات التى تتناول الموضوع، ما عدا ثلاث كتب مهمة فى مجال التوثيق صدرت فى آواخر القرن الماضى هى كتاب " الرق " للاستاذ محمد ابراهيم نقد،كتاب الأستاذ محمد العوض سيكنجا " من أرقاء الى عمال " الصادر باللغة الانجليزية و من ثم كتاب " ظلمات الماضى و اشرقات المستقبل " للاستاذ مختار عجوبة،اضافة بالطبع الى المرجع التاريخى الهام " جغرافية و تاريخ السودان " لنعوم شقير.أما فى مجال الرواية و الأدب فهنالك كتب متناثرة تحسب على أصابع اليد.
التجاهل المتعمد من قبل النخب الحاكمة لاثارة الموضوع منذ نشأة الاحزاب قبل الاستقلال ( مؤتمر الخريجين )،خشية المثقفين من تناول الموضوع لاسباب متعددة لمحو أثار الاسترقاق، أدى الى كمون أثاره الثقافية و الاجتماعية فى بنية المجتمع،لذلك لم تجد سلطة " الانقاذ " ذات التوجه العربواسلامي محاذير فى استخدام سلاح العرق " القبيلة " لاحقا لتنفيذ أهدافها السياسية.
مشكلة مثل قضية الرق فى السودان بتأثيرتها الكثيرة و المتنوعة فى بنية المجتمع السودانى و لاحقا على وحدة الوطن كان من المفترض التعامل معها بموضوعية،عرضها للضوء لمعالجة آثارها و جذورها و ذلك ما فشلنا فيه منذ الاستقلال.الدول ذات التاريخ المشابه الملئ بالظلم، ظلت تعمل بجد لمحو أثاره فالولايات المتحدة الأمريكية ظلت لسنوات عدة و لا زالت، تتناول مشكلة الاسترقاق ( كتب- سينما- دراسات) و عرضه للضوء و مناقشته.دولة كندا تتحدث عن الظلم الذى وقع على السكان الأصليين بل قامت بالاعتذار لهم و توفير البرامج لاعادة تأهيلهم.الاعتراف بالتاريخ لمعالجة آثاره و التصالح معه ليس عيبا.بعد تلك المقدمة التى نرى انها مدخل مهم، نعود للحديث عن الرواية.
رواية " فركة " للكاتب الشاب طه جعفر الصادرة و الحائزة على جائزة مركز عبدالكريم ميرغنى للعام 2011 مع رصيفتها " قونقليز " للكاتب هشام آدم – و هى أيضا رائعة - قد تناولت موضوع الرق باسلوب روائى،مكثف و جميل و فى ذلك تكمن قيمة الرواية.
أدهشنى ذلك " التناص " بين رواية فركة و رواية الكاتب الامريكى ألكس هيلى " الجذور " رغم الفوارق فى الزمان و المكان، ذلك التشابه فى اساليب اصطياد الرقيق،القسوة و الوحشية و عدم الانسانية الملازمة لتلك الممارسة، المقاومة لها و محاولات العودة للجذور.

- الرواية نجحت بعرض مكثف مستمد من التاريخ كشف الحياة الأجتماعية لأحد أهم مراكز عرض و بيع الرقيق فى السودان -  مدينة  شندى - ،هى تفعل ذلك تستهدف تكثيف نموذج مصغر لما كان يحدث فى السودان فى مدن أخرى متنافرة.
- الرواية تعرضت بمعرفة لتراث أحد قبائل النوبة و من ثم استخدمته باتقان فى تسلسل و احداث الرواية
من حيث المضمون الروائى
أولا
- عمد الراوى من خلال تسلسل الرواية و بشكل دائم على انتصار الخير على الشر، ذلك قد يريح القارئ المتضامن مع شخوص الرواية المظلومين و المضطهدين، لكن لا أعتقد ان ذلك يحدث دائما فى الحياة الواقعية مما يضعف منطق الرواية.اتناول مثالين
أ- الثعبان+ موت الحراس + تيه
ذلك بالرغم من اعجابى لاستدعاء الراوى لتراث الكجور الرائع و المتماهى فى الثعبان و تيه و الفاس بما فيه من ثراء ، تمجيد واحترام للثقافات الأخرى.
ب- مقتل الزاكى و عوض الكريم بالقرب من قرية " قلوب العنج"،  بالرغم من ان الراوي يحاول اثبات حقائق تاريخية عن الممالك المتعددة فى السودان، سيطرتها على بعض المناطق و تنازع السلطان الا ان نهاية تاجرى الرقيق المأساويه تدخل ضمن مشهد النهايات السعيدة التى تستهدف ارضاء القارئ!
ثانيا
هنالك ايضا تدخل من الراوى- القاص، بشكل يصل احيانا الى حد التقرير،ذلك التدخل  يقلل من  فطنة القارئ و حصافته فى التوصل باختياره الى الحقيقة، بل فى احيانا تصل الكتابة درجة التوجيه المباشر.مثال لذلك
( امام غلواء الجلابى المتسربلة بلبوس بيضاء ناصعة و عمامة كذب دجالة و موحلة فى طين استباحة الآخرين )!
( مُشهرين ظهورهم للبطان و جلد السياط حتى  يفهم الأرقاء أن ما يخيفهم من السياط لا يقهر الرجال من أولاد العرب )!
نهاية الرواية
بعض التحفظات
- استخدام الراوى اسطورة " ابو لمبة " فى الأدب الشعبى الموروث، ليقود فركة لأسرتها فى " كاسى "،لكن حسب معرفتى المتواضعة فأسطورة أبو لمبه هى تعمل على ضياع المسافر فى الصحراء و لا تعمل على ايصاله للدرب الصحيح فاستخدامها هنا يتناقض مع مضمونها!
- ليس بالضرورة أن تعود فركة الى أهلها فى كاسى ( النهايات السعيدة )، كنت أتصور أن يكون ذلك افتراضا فى ذهن الراوى ،لكنها تعود فعليا الى قصر " المك "،ذلك لجعل كل الاحتمالات مفتوحة و مما يعطى القارئ مساحة وبعدا للتفكر العميق عما سيحدث لاحقا لفركة؟!..... أو التفكير فى مسألة مؤسسة الرق، عدم انسانيتها وتحفيزه للبحث و التقصى عما كان يحدث فى السودان فى ذلك الزمن.
من جانب آخر ليس بالضرورة ان " تصح " كل نبؤات الكجور، ذلك لا يعنى التقليل و التشكيك فى مصداقية من يؤمنون بها، و كذلك لا يعنى بالضرورة تناقضاها مع ما جاء فى الجزء الأول من الرواية فى حتمية عودة فركة الى أهلها و عشريتها!
- ليس بالضرورة أيضا، أن يعرف القارئ النهايات السعيدة التى تمت فى قرية كاسى،نترك ذلك لمخيلة القارئ
- انهزام المك امام " صمود " فركة فى موقفها و ربطها ببدايات الهزيمة امام المستعمر فيه استقراء روائى مدهش ينسجم لاحقا مع بعض القراءات للتاريخ السودانى كان من الممكن انهاء الرواية بها.
أخيرا
بالرغم من النقد أعلاه من شخص قارئ، الا اننى أعتقد ان رواية فركة رائدة و هى خطاب روائى جديد لتحريك التاريخ الساكن و المسكوت عنه، بدراية تامة من المؤلف، معرفة، قراءة متعمقة لحوادث التاريخ و من ثم لغة منتقاة و جميلة مع تعابير متفردة و براعة فى قيادة تسلسل الأحداث.هذا التميز يفرد للرواية مكان دائم فى مكتبة أى قارئ أو باحث مهتم بالقراءة و الأدب و حتى التاريخ.


Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]