(1)
بعد حُكم الاسلاميين لمصر و التقارب الذى حدث بين نظام الحكم المصرى و النظام " الأسلامى " فى السودان، بدأ التأثير و التدخل المباشر و غير المباشر فى الشأن السودانى- الذى لم يتوقف أصلا- و لكن فى هذه المرحلة أصبح أكثر شراسة و سفورا.تمثل ذلك فى السياسات العامة ، التحالفات فى السياسة الخارجية خاصة فيما يتعلق بمياه النيل و من ثم سياسات الاستثمار الاقتصادى فى السودان. نتيجة لذلك التعامل  ذو الصبغة الخاصة ، غضت السلطة فى السودان الطرف عن المشاكل الحدودية المعلقة ومنها "حلايب".
منحت الحكومة المصرية و شركاتها آلاف الأفدنة من الآراضى الخصبة فى السودان دون تفكير فى التأثيرات اللاحقة على الاقتصاد السودانى، ودون حتى الالتفات لما سوف يحيق بالعمالة السودانية فى مجال الزراعة والصناعة.نحاول فقط ايراد بعض الامثلة لتقريب الصورة لذهن القارئ ، الأمثلة الواردة مستمدة من الصحف الورقية والألكترونية:  
1- السودان يمنح البنك الأهلى المصرى مساحات جديدة من الأراضى تستخدم فى زراعة القمح.
2- أكد عبد الغفار الديب السفير المصرى بالخرطوم شروع مصر فى الاستثمار الزراعى لنحو ( 1.25 ) مليون فدان بالولاية الشمالية و شرق السودان. " صحيفة حريات "
3- وافق السودان على توقيع مذكرة تفاهم بتخصيص 10 ألف فدان جديدة بولاية الجزيرة لانشاء مزرعة مصرية لسد الفجوة الغذائية. " ديسمبر 2112 "
4- ساويرس المليادير المصرى يستثمر مليار دولار للبحث عن الذهب فى السودان.   " 2112 "
5- قالت شركة البرج المصرية انها استحوذت على معظم الحصص فى سلسلة معامل السودان " آلترا " التى تأسست فى 2008 و تشغل حاليا 11 معملا فى السودان تغطى الخرطوم،امدرمان و بورتسودان.و تعتبر عملية الاستحواذ من قبل شركة البرج للمعامل السودانية ثانى أكبر عملية استحواذ خارج مصر.
6- اعتمدت وزارة الزراعة و استصلاح الأراضى المصرية مجزرة " السبلوقة " بامدرمان لتوريد اللحوم البقرية المبردة بطاقة هائلة الى مصر تصل الى آلفى طن شهريا أى نحو 15 ألف رأس من خلال جسر طائر. 17 أكتوبر 2011 .......الخ  
هذه الاتفاقيات اٌبرمت دون معرفة الرأى العام، وهى بذلك سلبت المواطن حقه فى المشاركة بالرأى فى مثل هذه القضايا المصيرية التى تتعلق بوجود الوطن، كما انتزعت حق الأجيال القادمة فى التخطيط و الاستفادة من موارد السودان.
ذلك التدخل المتزايد فى الشأن السودانى من الجانب المصرى، دفعنى لمحاولة فهم العلاقة المعقدة بين القطرين من خلال تتبع الجذور الفكرية و السياسية من قبل بعض المفكرين و السياسين المصريين تجاه السودان وكيفية التعامل معه من خلال حقب تاريخية مختلفة.
ابتداءاً أقول و أنا أدلف رواق المناقشة، ان من أكثر الملفات حساسية وصعوبة فى التناول هو ملف العلاقات المصرية السودانية، لذلك يتفادى الكثيرون " هبشه ".مرد تلك الحساسية كانت السبب فى عدم تناول الملف تاريخيا بشكل موضوعى الغرض منه " استعدال الملف " و تحسين مسار العلاقة التاريخية بين البلدين. تكمن الصعوبة أيضا فى العلاقة المتشابكة،المعقدة و المتقاطعة التى يمكن اختصارها فى الآتى:
1- الاستعمار المصرى للسودان لفترات متفاوتة فى التاريخ الحديث.
2- الاشتراك الحدودى،قيام السد العالى والمرارات التى خلفها بغمره مساحات واسعة من الأراضى السودانية التى كانت مليئة بالحياة و الحضارات.
3- التداخل الثقافى والاجتماعى المتبادل خلال فترات من التاريخ.
4- النيل المشترك بين الدولتين وهو مصدر حياة مصر و تطورها كما هو ايضا مصدر لتطور السودان.
5- تجارة الرق للسودانين ابان استعمار محمد على للسودان و نهب موارده.
6-الاعتقاد الماثل فى مَخيلة كثير من المصريين ان السودان جزء من مصر و " بَراح " لتوسعه الجغرافى،الاقتصادى و السكانى.
7- الاعتقاد " الراسخ " لدى عدد كبير من السودانيين ان دولة مصر تسعى دوما للتوسع فى السودان.
8- العنف الوحشى الذى مارسه الاستعمار المصرى التركى ما قبل الثورة المهدية، و من ثم سلوك المآمير المصريين التنفيذين المتصف بالعنف و العنجهية تجاه السودانين ابان الاستعمار الانجليزى المصرى.
9- التدخل المصرى الفج فى السياسة السودانية فى فترات الحكم الوطنى و محاولة اخضاعها لمصالح مصر. " راجع كتاب ثورة يوليو و اتفاقية السودان- الكاتب حسين ذو الفقار صبرى )
هنالك ايضا ثلاث ملاحظات مهمة يصطدم بهما الباحث و هو يتصفح ملف العلاقة بين مصر والسودان، يستوجب ايرادها:
أ- ان العلاقة بين البلدين ليست منسابة و سلسة على الدوام و تحكمها استراتيجيات ثابتة، بل هى متحولة و متبدلة تحددها مصالح الدولة المصرية و فقا لأنظمة الحكم فى القطرين.
ب- ان مطامع الدولة المصرية فى السودان و سقف تطلعاتها يزداد كلما كان النظام فى السودان ضعيفا و معزولا عن الجماهبر.تظهر تلك الوجهة فى الاتفاقيات الجائرة التى تقوم بابرامها الحكومة المصرية مع السلطات الحاكمة فى السودان أبان الحكومات الديكتاتورية ( اتفاقية مياه النيل " الجنرال عبود " – اتفاقية الدفاع المشترك- " الجنرال نميرى " ).
ج- السلوك الابوى الذى تمارسه السلطات المصرية تجاه السودان.

دعنا نقوم باستعراض كتاب بعنوان " اكذوبة الاستعمار المصرى للسودان " للدكتور عبد العظيم رمضان الصادر من الهئية المصرية العامة للكتاب- مكتبة الأسرة 1996 . احتوى الكتاب ،الذى حظى بمباركة و رضى المؤسسات الحاكمة على كثير من الوقائع المغلوطة ، وعلى فجوات تاريخية،استخدام كلمات و مصطلحات فى تعريف قضايا لا تعطى معنا محددا و تخضع لاكثر من تعريف و أخيرا " كسر رقبة الحقيقة " خدمة لآراء الكاتب.الفكرة المحورية للكتاب تتلخص فى الآتى:

1- يعتقد الكاتب ان الاستعمار المصرى للسودان فى زمن محمد على و خلفائه لم يكن استعمارا بل هو امتداد عضوى للدولة المصرية الى حدودها الطبيعية و استكمال الدولة لوحدة ترابها الوطنى.
2- يرى الكاتب ان التوسع الذى تقوم به دولة اسلامية داخل العالم الأسلامى لا يعتبر استعمارا.
3- يقول ان هدف محمد على من غزوه السودان هو توحيد السكان و ليس الغرض منه استنزاف لثروة السودان.
4- يعتقد الكاتب ان استقلال السودان من مصر بعد الأستعمار الانجليزى المصرى قد أضر به كثيرا و كان سببا فى ازدياد مشاكله ( ثلاثين عاما من الاستقلال عن مصر و التحرر من الاستعمار المصرى المزعوم لم تقدمه الى الأمام التقدم الذى يتمناه عشاق الانفصال،لم ترفع مركزه السياسى الدولى الى الدرجة التى يستحقها و من المحقق ان الديون التى تثقل كاهل السودان اليوم هى أكبر بكثير مما كان يثقله عندما تخلص من الاستعمار المصرى المزعوم،كما أن المعاناة الاقتصادية التى يعانيها شعب السودان اليوم أكثر بكثير مما كان يعانيه أيام الاستعمار المصرى )!
بالطبع لا يحتاج القارئ لكثير من الجهد ليصل الى أن هذه الأراء تتناقض و تجافى الحقيقة و هى محاولات مستميتة من الكاتب لتبرير أوضاع غير سليمة و غير عادلة سجلها التاريخ و محاولة اعطاءها وصفا آخر. كما لا يصدق ان تكون هذه الأراء قد صدرت و كتبت فى آواخر القرن العشرين و الذى من أهم سماته الشفافية فى التناول ، احترام حقوق الانسان و القوانين الدولية.كان من الممكن تجاهل هذه الأراء دون الرد عليها لولا هنالك عدد معتبر من المصريين يحمل نفس النظرة ايمانا أو تضليلا.



على العموم سنكتفى فى الرد عليه بذكر الحقائق التى تنفى و تدحض مجمل ما قيل.
1- ان السودان لا تاريخيا و لا جغرافيا لم يكن فى يوم من الأيام جزءاً من من مصر، ولم تكن أرضه خالية " نو مانز لاند " كما يلمح الكاتب بذلك.بل كان قطرا مستقلا قامت به ممالك منذ آلاف السنين ( كوش- نبته ) كما أن مملكة نبتة تمكن أحد ملوكها من استعمار مصر لفترة من الوقت. هنالك أيضا ممالك عظيمة قامت على أرضه منها مملكة دارفور،تقلى،السلطنة الزرقاء......الخ
2- السودان بالطبع لم يعرف الحكم المركزى حتى تاريخ غزوه بواسطة جيوش محمد على و لكن قامت به ممالك مستقلة تدير شئون رعايها و لها علاقات متميزة مع العالم الخارجى ( دارفور – السلطنة الزرقاء ).
3- ان الهدف الأساسى من غزو محمد على للسودان كان لاستغلال موارده البشرية و المادية و اتضح ذلك من ممارسات ادارته ابان حكمها للسودان،كما يظهر ذلك أيضا فى الرسائل المرسلة لقادته هنالك.كتب رسالة لابنه ابراهيم فى السودان يقول ( وجلب السودانين هو غاية المراد و نتيجة المقصود مهما كان الصورة التى يجلبون بها من مواطنهم ).
و فى رسالة أخرى لابنه اسماعيل ( المقصود الأصلى من هذه التكلفة الكثيرة و المتاعب الشاقة الحصول على عدد كبير من العبيد الذين يصلحون لاعمالنا و يجدرون بقضاء مصالحنا ).
و فى رسالة أخرى لصهره الدفتردار الذى قام بمذابح بشعة فى السودان كتب يقول ( ما عز مطلوبنا ان تستوثقوا من المحال التى يوجد بها جوهر المعدن المذكور " الحديد " قويا و بمقادير كافية و ان تدبروا و تهيئوا الاسباب التى يستوجبها سهولة استخراجه ).
4- ان القسوة و العنف المفرط المنفلت الذى مارسته ادارة محمد على فى السودان لتنفيذ تلك السياسات تناولتها الحكاوى الشعبية جيلا بعد جيل و خرج منها المثل الشعبى المتداول " انت قايل الدنيا تركية "!
كما لا زال ظلام تلك الفترة راسخة فى الذاكرة الشعبية.اضافة الى كل ذلك فان استرقاق المواطنين و ارسالهم الى مصر قد ترك شرخا فى البنية الاجتماعية السودانية.
5- ان المظالم و انتهاك العدالة و حقوق الانسان فى ظل حكم المستعمر المصرى التركى كان سببا فى اندلاع الثورة المهدية التى تجاهل الكاتب ذكرها فى هذا الكتاب تجاهلا تاما.
6- ان مشاكل السودان السياسية و الاقتصادية لها أسبابها الموضوعية الأخرى التى لا يستثنى ذكرها فى هذا المجال و لكننا نزعم ان من ضمن تلك الاسباب التى أدت الى عدم استقرار الوضع فى السودان هو تدخل الحكومات المصريه المتواصل فى الشأن السودانى و محاولات توجيه أحداثة فى الوجهة التى تخدم مصالح مصر و المنهج الثابت فى التعامل مع السلطات الديكتاتورية فى السودان.
(2)
لندع الدكتور رمضان جانبا و نعود لبداية القرن العشرين فبعد اعادة فتح السودان على يد المستعمر الانجليزى المصرى و هزيمة جيوش المهدية فى موقعة كررى تم توقيع اتفاقيتى الحكم الثنائى بين الدولتين.كتب معترضا الزعيم المصرى مصطفى كامل على تلك الاتفاقية عام 1900 بجريدة اللواء موجها القول للسلطات الانجليزية مايلى ( حقوقهم فى السودان مقدسة )!....( و دماءهم العزيزة اهرقت فى سبيل استرداد السودان )!
( لا حياة لمصر بغير السودان و أن القابض على منابع النيل قابض على أرواح المصريين )!
- فى العام 1919 تحدث الزعيم سعد زغلول رئيس وزراء مصر فى خطاب موجها للسلطات الانجليزية ( ان مصر و السودان كل لا يقبل التجزئة )...( ان السودان ألزم لمصر من الاسكندرية )!
- ظل بعض القادة المصرين ينادون بتبعية السودان اليهم عن طريق حق الفتح و السيادة،ففى محادثات عدلى-كيرزن ذكر عدلى باشا ( السودان أرض مصرية،ان لمصر حق السيادة على السودان )!
- أما فى اربعينات القرن الماضى ابان نهوض المد الشعبى فى السودان و سعيه للاستقلال فقد تحدث النقراشى باشا امام البرلمان المصرى مناديا بوحدة مصر تحت التاج المصرى ( وحدة مصر و السودان تحت تاج مصر ).
- أما رئيس حزب الوفد المصرى محمد صلاح الدين فقد خاطب الانجليز مطالبا ( برد الوديعة )!
- رئيس حزب " مصر الفتاة " فقد كتب متجاوزا و متحديا دبلوماسية رفاقه الآخرين ما يلى ( لا يمكن أن توجد قوة على ظهر الأرض تفرض علينا أن نموت جوعا،و هذه أرض السودان واسعة،لقد أصيح سكان مصر يناهزون الثمانية عشر مليونا فالى اين يذهب هؤلاء؟ و أى أرض يزرعون؟ و أى سبيل يسلكون )!
- الرئيس السابق لمصر محمد نجيب رغم تعاطفه مع السودانيين " يرجع البعض ذلك لأصوله السودانية " فأرآءه تسير فى نفس الاتجاه،ففى كتابه " رسالة عن السودان " الصادر من المطبعة الأميرية 1954 كتب تحت عنوان " هذا هو الوضع الدولى للسودان " ....
( بمقتضى معاهدة " لندرة " سنة 1940 لم يسلخ السودان عن مصر،قد صدر فرمان 23 فبراير 1841 تطبيقا لتلك المعاهدة مسندا لمحمد على ولاية الاقاليم السودانية:سنارو النوبة و كردفان و دارفور،وبذلك زال كل شك فى وحدة مصر و السودان و تأيد ذلك بفرمان 8يونيو 1873 الذى بين مدى سيادة الخديوية التى شملت مصر و السودان و قائمقاميتى سواكن و مصوع.ثم صدر فرمان ستة 1879 بتعين الخديو توفيق باشا و نص فيه نصا واضحا على عدم جواز التنازل عن أى جزء من الأراضى المصرية،وقد عملت انجلترا و فرنسا على سرعة اصدار هذا الفرمان،فهو فى الواقع عمل دولى اشتركت فيه ثلاث دول عظمى،فلا يجوز الخروج عليه لا من هذه الدول أو غيرها ).
كما كتب ايضا فى نفس الكتاب تحت عنوان " الثورة الأهلية فى السودان " ما يلى:
( بين سنة 1881- 1892 قامت الثورة المهدية لمقاومة فساد الحكم التركى،وهى فى نظر القانون الدولى ثورة أهلية،فليس هنلك اعتراف دولى بها لتغدو حالة حرب أو لتكون هنك حالة دولية،و القرار الذى صدر فى مصر سنة 1884 باخلاء الجنوب يعتبر قرارا باطلا لمخالفته للفرمانات الدولية تدل على ذلك استقالة المرحوم شريف باشا.
و ليست الحملة التى جردت لمقاومة المهدية عملية فتح أو أن هنالك حقوقا مترتبة عليها لأن الفتح هو اخضاع اقليم الغير،يؤيد هذا حادثة فشودة.
أما اتفاق يناير سنة 1899 بين مصر و انجلترا فانه اتفاق باطل لأن مصر لا تملك وقتها الحق فى عقد معاهدات تتنازل فيها عن أى جزء من أجزائها أو اداراتها،وكانت الدول تضمن المحافظة على أملاكها،كما الاتفاقيات الثنائية لا تؤثر على فى المعاهدات العامة، " فضلا عن أن مصر كانت وقتئذ تحتلها الجنود الأنجليزية و يسيطر على اردتها الانجليز،فهى من الوجهة القانونية المحضة فاقدة الارادة ).
- فى العام 2002 قامت فى مصر حملة اعلامية قادها الاعلام المصرى تشابه الحملات الصليبية ضد اعتراف الحكومة السودانية " الانقاذ " بحق تقرير المصير للجنوب،تتلخص تلك الحملة فى الآتى:
أ- ان السلطة الحاكمة فى السودان كان عليها قبل الاقدام على اتخاذ ذلك القرار مشاورة الدولة المصرية.
ب- ان الجنوب ما كان يمكن أن يكون جزءاً من السودان لولا حملة و جهود محمد على.
ج- ان السودان ما كان له ان يستقل لولا تفريط ثورة يوليو المصرية.
د- ان خطوة الاعتراف بتقرير المصير يهدد المصالح المصرية.
(3)
من خلال سردنا أعلاه، يتضح أن التعامل المصرى تجاه السودان له جذوره الفكرية و السياسية الضاربة فى القدم، و قد مورست السياسات التطبيقية لتلك الوجهة تحت مسميات و مصطلحات مختلفة مثل:
1- سياسة رد الوديعة 2- سياسة المجال الحيوى 3- حق السيادة و الفتح 4- سياسة الامتداد الطبيعى ووحدة التراب الوطنى 5- سياسة الوحدة تحت التاج المصرى 6- و أخيرا... سياسة العمق الأستراتيجى أو الدفاعى.
- يقول د.محمد سعيد القدال فى كتابه تاريخ السودان الحديث 1822- 1955، فى تحليل رصين و موضوعى مبينا اسباب غزو محمد على و من ثم لاحقا توجهات مصر الخارجية تجاه السودان مايلى:
( ونبحث عن أسباب الغزو فى ظروف مصر فى مطلع القرن ذاته،حيث بدأت الطبقة الوسطى تؤمن مواقعها الاقتصادية و السياسية.فانتقال مصر من نمط انتاج اقطاعى على أيام المماليك الى مرحلة انتقالية كانت تتهيا فيها الأرض لميلاد نظام رأسمالى،هو العنصر الحاسم فى توجهات سياسة مصر الخارجية.وكانت بلاد السودان عنصرا اساسيا بالنسبة لمستقبلها.فأراضيها شاسعة،و منتجاتها الزراعية وفيرة،و تقع فى الطريق الى منابع النيل التى تجلت أهميتها لمصر بعد أن أخذت ترتاد مجالات الرى الحديث و بدأت مشاريعها الزراعية الطموحة.
و ظلت طموحات البرجوازية المصرية فى السودان هى التى تكيف علاقة البلدين متخذة أشكالا مختلفة.فحيناَ قامت بغزوه مباشرة كما حدث على أيام محمد على.ثم قامت بغزوه بالاشتراك مع بريطانيا فى أواخر القرن التاسع عشر.ووقفت خلف شعار وحدة وادى النيل تحت التاج المصرى.وبعد ثورة 1952 اتخذت العلاقة منحى تاريخيا مختلفا،تغيرت الأساليب و لكن ظل الأساس الاجتماعى واحد.فاسباب الغزو تكمن فى أحشاء التركيب الاجتماعى المصرى و تجلياته السياسية.ومنذ نهاية القرن الثامن عشر تطور النشاط التجارى بين البلدين تطورا ملحوظا.وخلق ذلك النشاط انطباعا فى مصر عن ثروات السودان كما و نوعا،صورة زاهية سال لها لعاب البرجوازية المصرية و هى تلهث لتأسيس مملكتها الجديدة ). ص 36- 37
بالطبع كل تلك السياسات ذات مضمون واحد و هو الهيمنة المصرية على الشأن السودانى أو على أحسن الفروض أن يكون تابعا لسياستها،لذلك ليس مثيرا للدهشة أن تسمع شخصا كان مرشحا لرئاسة الجمهورية الأخيرة، هو توفيق عكاشة يصرح فى " قناة الفراعين " و يقول ( انه لا يعترف بالدولة السودانية و لا النظام السودانى و لا الرئيس السودانى لأن السودان انما يشكل جنوب مصر الذى انفصل عنها ) صحيفة حريات 20 يوليو 2011
أو أن تتطلع على رأى مرشحا آخرا لرئاسة الجمهورية المصرية هو الدكتور محمد مورو نشر فى مجلة " المختار الاسلامى " ذاكرا ( الحل الوحيد و المتاح و الذى لا بديل عنه فى هذا الصدد،هو توحيد مصر و السودان بالسلم أو الحرب ).17 يوليو - حريات2011
أو آخيرا، أن تقرأ فى هذه الايام تصريحا للدكتور محمد بهاء الدين وزير الرى المصرى و هو يتحدث عن تداعيات بناء سد النهضة الاثيوبى قائلا ( ان الآراء المصرية السودانية تتطابق، و لا أعتقد ان السودان من الممكن أن يتخذ موقفا مخالفا لمصر )!!   صحيفة سودنايل 2 يوليو 2113 .
- نحن بهذا الاستعراض لا نبتغى نبش الماضى كما لا نريد ان ننفى أن هنالك فى مصر اقلاما و اتجاهات وقفت ضد ذلك التيار، ولكن كان صوتها ضعيفا،خافتا و غير مسموع مع التيار الأقوى و الأعلى صوتا و المهيمن على كل مؤسسات الدولة.ان الهدف من هذه الورقة محاولة ضمن المحاولات المتعددة لاقامة علاقة صلبة بين القطرين، تقوم على أرضية سليمة متكافئة، مستفيدة من دروس التاريخ و الواقع الموضوعى و مبنيه على احترام سيادة الآخر و مشاركة الشعبين.
أخيرا نقول ان اى اتفاق يتم بعيدا عن الشعوب أو خلال غيابها المؤقت بحكم السياسات التى تفرضها الأنظمة الديكتاتورية لا مستقبل له،كما أن أى حديث عن العلاقات الأزلية بين الشعبين لا تضع وفق عينيها تساوى " الكتوف " و مصالح الطرف الآخر هو حديث فقط للاستهلاك السياسى العام و اليومى.

عدنان زاهر
مصادر
1- اكذوبة الاستعمار المصرى للسودان - 1996-د.عبدالعظيم رمضان.
2- رسالة عن السودان- المطبعة الأميرية بالقاهر 1943 البكباشى ا.ح محمد نجيب.
3- ثورة يوليو و اتفاقية السودان- 1982 – الناشر مؤسسة سجل العري- حسين ذو الفقار صبرى.
4- تاريخ السودان – 1820 – 1955 – مركز عبدالكريم ميرغنى – د. محمد سعيد القدال.
5- السودان عبر القرون – مكى شبيكة
6- مختارات من الصحف السودانية الورقية و الالكترونية

Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////////////