بعد استيلاء قوات الجبهة الثورية لمدينة ام روابة و بسط سلطتها لفترة من الوقت و من ثم انسحابها،وظفت السلطة الحاكمة فى الخرطوم آلة اعلامها المرئي، المكتوب و المسموع فى محاولة لتحريض المواطنين للالتفاف و الاصطفاف حول حكومة المؤتمر الوطنى.
فى تلك الوجهة استخدم اعلام السلطة  كل الأساليب الخادعة،المضللة و احيانا غير الاخلاقية خاصة عندما نشرت بعض الصحف صورة لشهيد " أم دوم " و هو غارق فى الدماء باعتباره أحد الذين اغتالتهم قوات الجبهة الثورية داخل مدينة أم روابة!!  ( راجع صحيفة حريات )،أو أن محطة الكهرباء التى قذفتها طائرات السلطة قد قامت بتفجيرها القوات " الغازية " !!
حكومة المؤتمر الوطنى فى محاولات تجييشها للمواطنين اعتمدت على عاملين درجت للجوء اليهما كلما ضاقت الحلقة حول عنقها:
الاول: محاولة مخاطبة،استنفار و استجداء الوجدان الوطنى لدى العامة، باعتبار أن ما حدث هو هجوم على الوطن مما يستوجب النهوض  و الدفاع عنه مع اعطاء الخطاب مسحة دينية.
الثانى: اثارة النعرات العرقية الكامنة أصلا لدى المواطن- التى دأبت على تأجيجها طيلة سنين حكمها- باعتبار أن الحركة تعمل على تمكين جماعات عرقية بعينها على باقى الجماعات الاثنية الأخرى فى السودان.
هذا السلوك الانتهازى غير العابئ بوحدة الوطن، المتجاهل عمدا لمدى خطورة مثل هذا الطرح فى بلد لا زال يبحث عن هويته، يدفع الى الواجهة  سؤالين مهمين، الاجابة عليهما ترتبط بشكل مباشر بتطور السودان مستقبلا:
أ- هل حكومة المؤتمر الوطنى ( الاخوان المسلمين سابقا ) و الجماعات الأسلامية المتحالفة معها، يمثلون الوطن و يتماهون معه كما يدعون ؟!
ب- هل الحركات المسلحة الممتدة بارجاء الوطن و هى تحارب السلطة، تدعو الى سيادة جماعة عرقية بعينها على باقى الجماعات الموجودة داخل السودان؟!
فى تقديرى ان الاجابة على السؤالين ضروريه لأن السلطة تعمل بمكر و خبث على خلط المفاهيم و المواقف، لتغبيش الرؤى لدى المواطن بغية جذبه لمواقعها أو تحييده.
ابتداءا نقول ان الديكتاتوريات فى العالم سابقا و حاليا بما فيها افريقيا و السودان انتبهت مبكرا الى ان الجماهير تنفعل و تتضامن مع خطاب الدفاع عن الوطن " الام "، خاصة اذا كان الأمر يتعلق بوحدته الجغرافية و الثقافية. تساوى فى ذلك هتلر النازى و الجنرال السفاح نميرى عندما وصم معظم الحركات التى تسعى لاسقاطه بالعنصرية !......بل ذهب به الأمر أكثر عندما وصف دخول الأنصار العاصمة عام 1976 ( بأن الخرطوم تغزوها جماعات من المرتزفة السود )! كأنما نميرى و جموع الشعب السودانى ينتمون الى الجنس الآرى و " تميزه " العرقى و اللونى كما كان يدعى هتلر !.....السلطة الحاكمة اليوم تَوصم الحركات المسلحة فى دارفور،جبال النوبة و النيل الأزرق التى تحارب ديكتاتوريتها بانها تحارب الوطن.
الوطن كما نعرفه و يَعرفه البعض هوحيز الأرض التى تجمع أعراق مختلفة و ثقافات ولغات متعددة و توحدهم حق المواطنة المنصوص عليه دستوريا دون تفرقة . تلك الاعراق و المجموعات تمثلها حكومة جاءت عن طريقها و بشكل ديمقراطى لتشرف على تنفيذ المصالح المشتركة و بالحد الأدنى.

بهذا المفهوم للوطن فالسلطة الحاكمة اليوم التى جاءت على ظهر الدبابات و فوهات البنادق محاولة التماهى مع الوطن لا تمثل السودان لا شكلا و لا مضمونا. اضافة الى كل هذا، فالسلطة بفسادها،تدميرها للاقتصاد،افقارها للمواطن و مصادرتها للحريات.....الخ قائمة الفشل لا تمثل الا نفسها و الجماعات ذات المصالح المشتركة معها و المؤيدة لها  ( االرأسمالية الطفيلية الاسلامية ).
المسألة المهمة الثانية فيما يخص مسألة الانتماء للوطن الذى تحاول السلطة تجريده عن الآخرين و احتكاره لنفسها - برغم ايماننا بأن العمل السلمى الدؤوب هو الطريق للتغير- الا أن الاشخاص الذين يحملون السلاح اليوم هم مواطنين سودانين لجأوا لحمل السلاح بعد ان اغلقت امامهم كل الطرق بل حملوا السلاح عندما شنت عليهم السلطة حربا لا تستهدف فقط ثقافتهم بل تسعى الى ابادتهم و مسخهم.فالحرب التى أشعلتها السلطة فى دارفور بالتضامن و الانفراد مع مليشاتها " الجنجويد " قتلت أكثر من 400 الف شخص من سكانها خلال عشر سنوات من الحرب المتواصلة ، نزوح الملايين الى معسكرات اللجوء أدى الى تفكك نسيجها الاجتماعى و أصبحت تسودها القبائل المتناحرة.
سكان جبال النوبة يعيشون داخل كهوف الجبال " كراكير " خوف الموت من قنابل طائرات " الانتنوف " الحكومية المنهمرة طوال اليوم على رؤوسهم.يموت الاطفال و كبار السن بالجوع بعد أن منعت حكومة المؤتمر الوطنى وصول الاغاثة اليهم. أما سكان النيل الأزرق فهم يهيمون على وجوههم بين معسكرات اللجوء و الحدود الدولية بعد هجمات جنود السلطة.تلك الحروب التى أشعلتها السلطة ذات طبيعة سياسية و لا تحسم بالسلاح كما فعلت السلطة و تفعل اليوم ولكن بالحوار و حل المطالب .
الحركات التى تحاول السلطة نزع الوطنية فى وصفها لهم، هم أكثر حرصا على وحدة الوطن و ترابه و سيادة الديمقراطية على أرضه.
الأسلوب الثانى الذى تلجأ اليه السلطة هو اثارة النعرات القبلية و العرقية باعتبار ان الحركات التى تحمل السلاح تدفعها و توجه مسارها دوافع عرقية.السلطة تعمل ذلك بمكر شديد و هى تعلم ان تجارب الماضى العرقية و تشوهاته لا زالت ماثلة فى الاذهان . فى اعتقادى ان ماتطرحه السلطة فى خطابها العرقى بالاضافة الى انه غير سليم فهو يعمل على تعميق و احياء الرواسب العنصرية القديمة و يمكن دحض هذا الافتراء بالآتى:
1- ان الحركات المسلحة ترفع شعار المشاركة فى السلطة و الثروة التى استبعدت عنهما تاريخيا و من ثم سيادة الديمقراطية.
2- ان اعضاء هذه الحركات سودانيين من جميع الجهات و هم يرفعون شعارات رفعتها القوى المعارضة قى انحاء السودان المختلفة، فلماذا لا تصف السلطة معارضى الوسط النيلى و الشمال بالعنصرية؟! ......ذلك يعنى ان السلطة هى التى تأخذ منحى عنصريا فى تقيمها للاشياء.
3- السلوك المنضبط الذى ظهرت به هذه الحركات طيلة الفترات الماضية خاصة فى مدينة ام روابة، ذلك ما شهد به مواطنيها قبل الآخرين.
السلطة تحاول استنفار و تجيش الشعب فى ظروف اكتشفت فيه الجماهير خداعها و متاجرتها بالدين خاصة بعد خروج عرابها الترابى  و كشفه فى الصراع المتبادل بينهما الكثير من الخفايا و الأسرار. السلطة يجب أن تعلم  ان الزمن و الظروف قد تغيرت و هى لا تستطيع حشد الجماهير خلفها بالابتزاز  كما كانت تفعل فى الماضى . يجب ان تعلم أن التاريخ لا يمكن اعادته و أن خطاب العرق و الوطن يصنف فى خانة المزايدة و الخداع الذى دأبت على بثه بين المواطنين.



Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]