الفساد فى السودان أصبح جزءا مكملا للدولة، و صِفة ملتصقة بها لا تستطيع منها فكاكا. فدولة المؤتمر الوطنى أصبحت تتصدر قوائم العجز و فقدان القدرة على ادارة الحكم،فالسودان فى قائمة المنظمات الدولية المهتمة بالشفافية، يحتل المركز 173 فى الدول الأكثر فسادا فى العالم بفارق ثلاث من الدول الأخيرة فى القائمة و هى افغانستان،كوريا الشمالية و الصومال. يحتل الموقع قبل الأخير فى الفساد بين الدول العربية التى تحتل فيه الصومال المركز الأخير.
الفساد فى السودان أصبح أشبه ب ( العلم القضائى )،لكن ما يثير حقا انتباه المراقب و دهشته نوعية الفساد الممارس و كثافته التى لم يشهدها السودان من قبل فى تاريخه الحديث،تأثيراته اللاحقة المتوقعة ليست على مسيرة الاقتصاد السودانى وحده و لكن الأهم على انسانه.
تلك المقدمة فى تقديرى مدخل مهم لمناقشة الخبر الذى نورده أدناه،فقد جاء فى الصحف بتاريخ 2 يناير 2013 و على لسان ممثل المعمل الجمركى بالبحر الأحمر،انه قد تم الكشف عن حاوية من اليابان دخلت السودان قبل الشهر و هى تحمل سماد " مشع " لمشروع حلفا الزراعى و قد تم ارجاعها بعد اكتشاف ذلك السماد !
ذكر المصدر ان الاشعاع الموجود فى الباخرة 30% و معدل الطبيعى للاشعاع 10% و اضاف ان الباخرة لا تحمل اى بيانات و نوه الى غياب وزارعة الزراعة و عدم مسئولية وقاية النباتات عن الشحنة التى لم تتحدث عنها نهائيا!
فى مارس من العام الماضى ضرب زلزال مدمر اليابان مما أدى الى انفجار مفاعل " فوكوشيما وايتشى " النووى و تسرب كثير من الاشعاع.انفجار مفاعل فوكوشيما وايتشى يعتبر الثانى فى العالم بعد الانفجار النووى فى شرونوبل فى الاتحاد السوفيتى سابقا من حيث نتائجه الكارثية و تأثيراته اللاحقة على الانسان،الكائنات الأخرى و المحاصيل الزراعية ...الخ
نتيجة للمخاطر المترتبة على الانفجار الذى حدث للمحطة النووية فى اليابان فقد حظرت كثير من الدول استيراد السلع من اليابان و حتى من تلك الدول المجاورة لها حماية لمواطنيها و البعض الآخر أكتفى بوضع ضوابط صارمة،كل ذلك حدث خوفا من احتمال احتواء المواد المستوردة من اليابان على مواد مشعة ضارة بصحة الانسان و النبات.
خبر الحاوية الحاملة لمواد مشعة  للسودان رغم أهميته الاستثنائية فقد جاء مبتورا ناقصا من حيث التسبيب و الحيثيات،فهو لم يذكر مثلا ما هى الجهة المستوردة؟ من هم الاشخاص أو الهيئات التى تف وراءها؟كيف تمت اجراءات الاستيراد؟ ماهو دور وزارعة الزراعة و مشروع حلفا الزراعى؟من هى الجهات المناط بها استيراد مثل تلك المواد؟ كيف تم اكتشافها؟هل هنلك حاويات أخرى يمكن ان تكون قد دخلت و لم يتم اكتشافها؟......الخ
نلقى تلك الاسئلة و فى ذهننا انه ليس من المنطق، و لا يمكن فى أى دولة محترمة أن تدخل ميناءها الرئيسى باخرة " توش كده " و هى تحمل مواد مهمة لمشروع زراعى كبير دون علم الجهات المناط بها العلم و تنظيم تلك الاشياء!
لكن يبدو انه لا احدا فى هذه السلطة اليوم يهتم بالمواطن أو صحته و لا توجد جهة حكومية رسمية تتحمل المسئولية،بالرغم من أن محكمة سودانية قد أدانت العام الماضى شركة لاستيردها تقاوى فاسدة  أدت لفشل موسم زراعى كامل فى مشروع الجزيرة و هى قضية شغلت الرأى العام لفترة طويلة. يتساءل المرء هل كان ذلك الحكم مرتبط بتصفيات داخل بيت السلطة الانقاذى؟!..أقول ذلك و فى ذهنى رد الوزير " المتعافى " على ذلك الحكم ووصفه بأنه غير سليم و حكم سياسى!!
ان استيراد المواد الفاسدة و عدم اهتمام السلطات بصحة الانسان السودانى و مستقبله قد أصبح من سياسات الدولة فنحن نقرأ خبر بتاريخ 20 اكتوبر من العام الماضى عن اصابت 92 تلميذة بحالات اسهال حادة و استفراغ بسبب رش مبيد حشرى منتهى الصلاحية بفصول مدرسة الأساس بمحلية ياسين بولاية شرق دارفور.
أو
يكشف البروفيسور عمر محمد صالح اخصائى انتاج الخضر و الفاكهة بمركز بحوث الأغذية بشمبات،  بأن معظم الثلاجات فى العاصمة المثلثة تقوم باستعمال حامض الكبرتيك " موية النار " لانضاج الفواكه وان أكل تلك الفواكه يتسبب فى الفشل الكلوى،السرطان و تليف الكبد.
أو
ان تؤكد دراسة حكومية فى سمنار رسمى بتاريخ 12 نوفمبر 2012 ان 75% من الأدوية منتهية الصلاحية و 63% من مخازن الأدوية فى البلاد لا توافق قواعد التخزين!
أو تسمع حديث لوزير رئاسة الوزراء احمد سعد عمر و هو يقول بنبرة أقرب للبكاء،ان السودان أصبح " مكب " للنفايات، و هو يقصد هنا الاغذية الرخيصة المستوردة من جميع دول العالم المجهول منها و المعروف و التى لا تتطابق و المواصفات المطلوبة،....اضاف ان ذلك تسبب فى كثير من حالات السرطان الذى تفشى بين المواطنين!
فى تقديرى ان الدولة و مؤسساتها الاعلامية من خلال اعلانها للفساد و بالشكل الذى تتناول به القضايا، تسعى على تطبيعه.يحضرنى هنا، ان أحد الصحف قد أجرت تحقيقا مع المواطنين بشكل عشوائى عن حوادث الطيران المتكررة و سقوط بعض الطائرات.سأل الصحفى أحد الشباب عن شعوره عندما يذهب الى المنزل و يجد طائرة قد سقطت عليه( الصحفى يشير بشكل خفى للطائرة التى سقطت على أحد المنازل بمدينة الثورة بامدرمان ).
رد الشاب ببساطة( عادى )!
هذه السلطة تريد تطبيع الاخطاء و استئناس الكوارث التى تقوم بصنعها،تريد أن تجعل من الفساد سلوك عادى لا يدهش المواطن و لا يكترث له،لكننا نقول ان الفساد الذى يمارس امام أعين الجميع ليس شيئا عاديا بل هى جرائم بشعة و مشينة فى حق الوطن و المواطنين و الاجيال القادمة.



Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]