من البديهى يمكن للمتابع لمجريات الاحداث السياسية فى السودان، قراءة الواقع السياسى تشابكاته و تقاطعاته ، من ثم التحليل الباطنى للسلطة و الاستقراء المستقبلى من خلال تلك الوقائع. مع كل ذلك هنالك بعض من الوقائع تعكس الواقع بشكل أعمق، وهى الاكثر تجسيدا و تفسيرا لمجريات الامور. من شاكلة تلك الاحداث واقعتين حدثتا متزامنتين فى الاسبوع المنصرم.
الاولى، تهديد أمن السلطة للاستاذ فاروق ابو عيسى المحامى ، رئيس اتحاد المحامين العرب لعدة دورات، نائب رئيس التجمع الديمقراطى و الناشط فى مجال حقوق الانسان ، و الحديث عن عمالته و عدائيه للسلطة و العمل على تصفيته. هذا التهديد أتى بعد أن أعلن الاستاذ فاروق عن عدم شرعية الحكومة و رئيسها بعد 9 يوليو لعدم الوفاء بالتزاماتها المحددة فى اتفاقية السلام، و ذلك وفقا لنصوص الدستور الانتقالى لسنة 2005 .
الحدث الثانى، اعتقال الصحفية لبنى احمد حسين و السعى الحثيث لتقديمها لمحكمة النظام العام الموصوفة دوما بمجافاتها للعدالة و الوجدان السليم ، ذلك بتهمة ارتداءها لملابس غير محتشمة!!! فى محاولة لجلدها، اهانتها، التشنيع بها و الطعن فى شخصيتها.
اختيارنا للحدثين ليس صدفة فاضافة لطبيعة الحدث فان من وقع عليهما الاختيار يمثلان شرائح مهمة فى المجتمع السودانى و تحديدا فى مجال الحريات بالاضافة الى ان احدهما، هو واحد من اقطاب المعارضة السياسية فى السودان وله تاريخ وطنى ناصع فى الدفاع عن الديمقراطية. الشرائح هى الصحافة ، المحاماة سويا مع المعارضة المدنية السياسية.
الصحافة تكشف باستمرار عورة السلطة و سوءتها و الاحزاب و منظمات العمل المدنى ينادون بالديمقراطية و الدفاع عن حقوق المضطهدين و الحريات العامة. السلطة تعمل بدأب" أرضة " على اسكاتهم لأن ما يقومون به " يهبش " سلطتها و مكتسباتها غير المشروعة، ذلك هو الهدف من الحملة الارهابية أو حملة الدفتردار الانتقامية.  
السلطة رغم نفخاتها و صراخها العالى و بعد عشرين عاما من الحكم المتواصل فهى محاصرة بالمشاكل فى جميع الجبهات، و هى فى ضجيجها تحاكى المثل الذى يقول " انفخ و لو وزنك ريشة ".
الاتفاقية التى أوقفت الحرب فى الجنوب ، تعمل السلطة على تعطيلها بكل الوسائل و ذلك ما جعلها محاصرة بالمشاكل السياسية. الازمة فى دارفور و تلكؤ السلطة فى حلها و مماطلتها يزيدها تعقيدا، و يسرع الخطى فى دفعها للانفصال كما هو حادث الآن فى الجنوب. " أبيى " رغم صدور الحكم فى نزاعها، و الترحيب به من الجانبين، الا أن التصريحات المتذاكية من السلطة حول بترول هجليج و الاستفتاء يمكن أن تقود الى تفجير الموقف من جديد. رئيس دولة مطلوب بواسطة العدالة الدولية "يتلبد " و هو فى زياراته الى خارج الوطن. الأزمة الاقتصادية العالمية تلقى بظلالها على دولة أصلا منهكة، أهملت قصدا كل مصادرها دخلها الآخرى معتمدة على بترول تتحكم فى دخله و اسعاره السياسة الدولية. الغلاء الفاحش يخنق المواطنين، تدهور فى الصحة و التعليم، ازمة مياه و كهرباء رغم السدود التى تتباهى بتشيدها...........الخ
لحسن حظ هذه السلطة فالمعارضة لها او ضدها غير متماسكة، تقود خطى بعضها فى كثير من الاحيان القراءة الخاطئة للواقع السياسى.
سلطة الانقاذ فى الخمس سنوات الماضية تحاول بمكر ارتداء ثياب الديمقراطية تمشيا مع التوجه العالمى العام، و حقبة حقوق الانسان و لكنها تعمل فى الخفاء بكل السبل لتعويق ذلك المسار. تعمل على سن القوانين المعادية للديمقراطية، ارهاب المعارضين و اسكات من يسهل اغراءهم بالمال. هى لا تريد فقدان حكمها و دخ الاموال المنهوبة فى البنوك النائية.......... بالرغم من أن كل ذلك لا يجدى وقت الحساب!
هنالك من المواطنين من يقول على الانقاذ و هم يشاهدون فجورها و عداوتها هذه الايام ، ومستعيرين للقصة التى درست لاجيال فى المدارس الاولية فى السودان، و اصبحت مثلا ، يقولون....... " حليمة رجعت لى قديمة ". هم يقصدون أن الانقاذ عادت لسياسات القمع التى كانت تمارسها تجاه المعارضين و المواطنين فى سنوات حكمها الاولى! لكنى أقول " أن حليمة لم تتغير أصلا " لأن فلسفة هذه السلطة- أى الانقاذ – تقوم و تعتمد فى الاساس على قمع الآخرين و نفيهم.
عدنان زاهر
  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.