عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(1)

 

قيل لى أن التلفون يرن باصرار و بلا انقطاع، كنت قد تركته للحظات على المائدة لقضاء بعض الحوائج. توجس قلبى خيفة. استمعت الى الرسالة التى كان يطغى عليها صوت الاحتفال، جاء صوت أخى أمير ثقيلا و حزينا وهو يبلغنى نبأ وفاة سيد على طه. أحسست بحزن مهول و فراغ يملأ نفسى. فى لحظات تحولت كل اغانى ذلك الاحتفال الى مناحات، طبول الايقاع الى " دق قرع " رتيب و حزين.

 

.....سيد كان واحد من قلائل وددت مقابلتهم و أنا اخطط للعودة الى السودان العام المقبل. طغت تفاصيله على مخيلتى، النظارة الطبية متعلقة بحذر فى الوجه المرهق المستطيل، ضحكته الصافية المجلجة الخارجة من الاعماق و الهدوء و الاستماع للغير باهتمام. قررت أن اغادر الحفل للبحث عن شخص نعرفه معا لاحكى له حد الفجيعة.

 

( 2 )

 

كان أول لقائى به فى منتصف سبيعينات القرن الماضى و انا حديث التخرج من الجامعة، حديث العهد بالمعتقلات. المكان سجن كوبر. سيد مع آخرين عملوا على اعطائنا  جرعات من المعرفة و التجربة بالحياة فى المعتقلات. كان سيد مميزا بهدوئه و عمق تفكيره و اريحيته. استعرنا منه كل حاجاته ثم امتلكناها بوضع اليد أو التقادم المكسب للملكية. طول البال، احترام الآخرين، الاستماع للرأى الآخر و الفكر المغاير بلا تشنج ثم بعد ذلك الثبات على المبدأ و التضحية فى سبيله. كان ذلك هو سيد.

 

( 3 )

 

تزاملنا بعد ذلك فى مهنة المحاماة، وجدت سيد " ياهو " سيد الذى عاصرته فيما مضى، بل اكتشفت  صفات أخرى من شخصيته خافية، اشبه بالدرر. القدرة على تعليم و التعلم من الآخرين، القدرة على خلق صداقات مع اجيال مختلفة من المحامين، الحجة الرصينة، احترام الزمالة و المهنية العالية. أشتهر وسط ذلك الجمع بالعم الاستاذ سيد طه.

 

ازدادت صداقتى به و توثقت، لظروف لم نكن نلتقى بانتظام ، لكن عندما يحدث اللقاء نحس باننا لم نكن نتفارق.

 

كانت لسيد طريقة فريدة للتعليم و توصيل اشياءه للآخرين. اعتقد بانها كانت مفيدة. تقابلث يوما معه امام منزل اصدقائى على و عقيد و كنت فى زيارة خاطفة لهم و لم يمضى على زواجى الشهر. ذكر لى فى ود انه كان ينوى زيارتى. قلت له بين الجد و الهزل ( على الطلاق تمشى معاى هسع اضبح ليك خروف )! كنت حديث العهد بالزواج و معجب بمسألة الحليفة بالطلاق!

 

قال بجد ( مافى مشكلة نمشى طوالى ). اسقط فى يدى، كان جادا و مصمما و لم يكن لدى خيار آخر. اتجهت نحو زريبة المواشى و هو يجلس بجانبى  فى العربة. كانت تتقاذف فى ذهنى أسئلة كثيرة لا تجد الاجابة.من سيقوم بتجهيز الخروف؟ ماذا أقول لزوجتى و انا أحمل اليها خروفا فى التاسعة مساءا؟من سيقوم بالمساعدة و انا اسكن مكان نائيا؟.......الخ

 

عندما وصلت للزريبة و محاولتى النزول من العربة لشراء الخروف، طلب منى التوقف ثم اضاف بهدوء ان أقوم بتوصيله الى منزله مع وعد بزيارتى فى مرة أخرى. كان سيد يعلم ورطتى. عندما توقفت امام منزله، نزل من العربة و قال لى يجب أن لا احلف مرة اخرى بالطلاق " كجلابة السوق ". لم ترد مرة اخرى تلك الكلمة على لسانى. كان درسا عمليا بليغا. أوفى بوعده.

 

( 4 )

 

سيد كان شعلة من النشاط، المسئولية و التضحية، نذر نفسه لقضايا الشعب السودانى و تطوره. أعطى بلا حدود من وقته ووقت أسرته، من ماله و من جهده الشخصى. كان من ذلك النوع الذى " لا يريد جزاءا و لا شكورا "، معف عند المغنم. قضى سنوات من عمره فى المعتقلات و لم يهن فى الوقوف مع قضايا الشعب السودانى.

 

( 5 )

 كان ذلك الرحيل المفاجئ و البسيط يتسق معه تماما، ترك الباب " متاكا " من خلفه و غادر فى هدوء. لم يطمح فى طابور عسكرى أو  نعى بارد فى نشرة الساعة الثامتة مساء يعدد مأثره. ما فعله سيد يعيش وسط البسطاء. التضحية، التسامح، المودة و الحب و العمل من اجل سودان ديمقراطى يسود فيه العدل و المساوة. اجزم بانه قد خطى خطوات واسعة.