علماء الاجتماع و الجريمة يقولون ان إحصائيات الجريمة فى اى مجتمع (نوعها، عددها، دوافعها ) تلعب دورا مهما فى قياس توازن المجتمع، بما فى ذلك الرفاه الاقتصادى الذى يعيشه و تماسكه الاجتماعى، لذلك يعكف الباحثون و العلماء فى معظم الدول على تحليل ظواهر الجريمة للوصول الى جذور مسبباتها توطئة لعلاجها أو الحد منها فى سبيل استقرار المجتمع.
بالطبع المجتمع السودانى مثله و مثل سائر المجتمعات الانسانية عاش ظاهرة الجريمة و تنوعها عقب حقب مختلفة من تطور تاريخه السياسى، الاقتصادى و الاجتماعى لكن كانت هنالك انواع من الجرائم لم يألفها المجتمع أو بكلمات أخرى كانت نادرة الحدوث، كما كانت نوعية الجرائم المرتكبة يؤطرها نمط الحياة السائد فى كل منطقة و تُحل فى اطار العرف المتبع ما عدا الجرائم الكبيرة التى يصفها القانون بالخطورة.
يمكن القول ان الاستقرار الاقتصادى و التماسك الاجتماعى النسبى الذى كان سائدا، مجموعة القيم الاجتماعية المستقرة و المتبعة فى المجتمع السودانى كانت تقوم بدور وازع اخلاقى و كابح ضد ارتكاب الجريمة. كانت الجرائم المرتكبة التى تُمس تلك المنظومة من القيم و الثوابت المنتشرة و المستقرة بشكل واسع  تظل مسار حديث و استهجان الناس لفترات طويلة كما تظل راسخة فى الذاكرة الجمعية، بل و تصبح سوابق قضائية تدرس فى كليات القانون و يستشهد بها فى المحاكم .
لافت لانتباه المراقب بشكل صادم ازدياد عددية الجرائم المرتكبة فى المجتمع و نوعها، العنف الذى تتصف به و الفئات التى تقوم بارتكابها كما يلاحظ ايضا عدم المبالاة او التراخى من قبل الأجهزة المحتصة فى علاج الظاهرة. فى محاولة لفهم الظاهرة و تحليلها قمت برصد بعض الجرائم المرتكبة خلال الأربع أشهر الماضية رصدتها من بعض الصحف اليومية، فى تلك المحاولة اتبعت عدة خطوات.
اولا
أ- قمت باستبعاد الجرائم الواقعة ضد المال و هى جرائم قضايا الاحتيال و خيانة الامانة  لكثرتها و لانها أصبحت تقع يوميا و السجون مليئة بمتهمى و مسجونى قضايا الاحتيال و خيانة الأمانة ب- لم أضمن الجرائم ضد المال العام الذى اصبح "حلالا" استباحته و التى تُضمن فى تقرير المراجع العام السنوى و قد قمت من قبل بتناوله فى مقال سابق.
ثانيا: يجب الانتباه الا أن كثير من الجرائم المرتكبة لا تجد طريقها للنشر كما أن هنالك نسبة معتبرة من الجرائم لا تصل لمراكز الشرطة لاسباب متعددة لا نرى لها مجالا فى هذا المقال الصغير. يلاحظ ايضا ان كل الجرائم الواردة هنا وقعت فى ولاية الخرطوم.
الجرائم التى قمت برصدها و نشرت فى الصحف اليومية هى:
1- طفلة تبلغ من العمر اثنى عشر عاما تحاول قتل والدها بحقنة انسولين مخلوط بصبغة شعر كما دست له السم فى القهوة و ذلك لخلاف والدها مع والدتها.
2- تأييد عقوبة الأعدام على رجل  قام بكسر رأس أحد أقاربه بالشاكوش.
3- رجل يقوم بقتل زوجته امام طفلها بالجريف لرفضها الموافقة على بيع قطعة ارض تمتلكها.
4- بعض عمال النفايات ببحرى يعثرون على جثة شاب موثقة بحبال و قد ادخلت فى جوال من الخيش.
5- الاعدام شنقا على قاتل صهره و طاعن زوجته بعد وقوع خلاف معها و ذهابها لمنزل اسرتها.
6- متهم يقوم بقتل رجل لزواجه من الفتاة التى يحبها
7- محاكمة صيدلانية و رجل قاما بربط سيدة على عمود كهرباء و ضرباها حتى أجهضت و ذلك لاتهام السيدة للصيدلانية بأن لها علاقة بزوجها.
8- رجل يقتاد طفلة تبلغ من العمر خمس سنوات من امام منزل ذويها، يقوم باغتصابها و من ثم قتلها.
9- السجن 11 عاما على رجل أدين بالتحرش بطفلته.
10- سيدة تطلب من المحكمة ارجاء النطق بالحكم بطلاقها الى حين استشارة "الفكى" الذى تعاوده.
11- اتهام شاب و سيدة بالتعدى على قبر ميت و محاولة دفن سحر بداخله وفقا لنصيحة "الفكى" الذى تستشيره فى أمور حياتها لكى تلحق الضرر بزوجها الذى قام بالتزوج بأمراة أخرى عليها.
12- سيدة ترفع دعوى على جارتها و تتهمها بتسليط الجن عليها عن طريق البخور الذى تطلقه مع صلاة المغرب.
13- شقيقان يتهمان والدهما المتوفى بالزنا و اختهما لابيهما بانها سفاح حتى لا تقاسمهم الارث.
14- مغترب يتفاجأ بزوجته فى عصمة رجل أخر بعد اغترابه من الوطن لفترة طويلة.
15- انقلاب قطار ببحرى بسبب سرقة القضبان.
هنالك ملاحظات أولية تلفت انتباه القارئ لهذه الجرائم المرتكبة و هو يسارع ببصره متنقلا فى عنوانينها:
أ- العدد المرتفع من جرائم القتل المرتكبة أو محاولات القتل الفاشلة فى هذه الفترة الوجيزة
ب- ارتفاع الجرائم المرتكبة تجاه المرأة و الطفل.
ج- العنف المفرط و المنفلت المستخدم و ظاهرة الانتقام و التشفى فى ارتكاب الجرائم.
د- انتشار قضايا الدجل و الشعوذة.
ه- الجرائم المرتبطة بالميراث و قضايا الطلاق.
السؤال الذى يفرض نفسه مباشرة ماهو سبب ارتفاع الجرائم؟ تنوعها؟ تطور الاساليب المتبعة فى تنفيذها؟
فى تقديرى ان الاسباب متعددة، متشابكة و معقدة لذلك يبقى من التعسف ادخالها فى جلباب واحد، تلك الاسباب تشمل الاقتصادى، الاجتماعى و النفسى مما يتطلب احيانا استخدام المعايير مجتمعة.
1- الوضع الاقتصادى المتردى و الضائقة المعيشية دفع المواطن لبحث عن المال بأى ثمن و بكل وسيلة تؤدى للحصول عليه بما فى ذلك الطرق الملتوية المتصادمة مع القانون.
2- سيادة النهج الاستهلاكى فى الحياة و المظهرية المتناقضة مع مصادر الدخول التى اصبحت سائدة فى معظم المماسات اليومية.
3- التفكك و الترهل الذى أصاب كثير من الأسر اما نتيجة للوضع الاقتصادى المتدهور او لفقدان مورد الرزق مع زوال الحماية الاجتماعية التى كان يوفرها المجتمع فيما مضى مما خلق فجوة فى تبادل التجارب و المعارف.
4-  استخدام الدين وفقا للمصالح و الخطاب الدينى المزدوج و المتناقض بين التنظير و السلوك و الفساد فى كل أجهزة الدولة و المحسوبية أدى الى تراجع الوازع الدينى و الاخلاقى و اضعف دوره ككابح و مانع.
5- سيادة عقلية الجهل و التجهيل فى الخطاب الاعلامى و انزواء الفكر المتفتح تحت مطرقة الارهاب الفكرى الذى تمارسه الدولة و المؤسسات التابعة لها أعطى مجالا لازدهار الخرافة و اللجوء اليها لقضاء الحوائج.
كيف لا نجد عذرا للناس و نحن نشاهد الدولة تعقد مؤتمرا للاستفادة من الجن فى حل المسائل الاقتصادية!
أو نشاهد دجالا فى القنوات الفضائية يدعى استقراء المستقبل و يفتى ببقاء البشير حاكما لفترة واحد و ثلاثين عاما!
6- العنف العلنى و المستتر الذى تنتهجه الدولة أدى الى تبنى الكثيرون لنفس المنهج فى الحياة اليومية.
7- الحروب،المجاعات و النزوح.
فى رأى ان هذه بعض من الاسباب التى قادت و سوف تقود الى مزيد من الجرائم مستقبلا، و هى لن تزول فى ظل بقاء هذا النظام الفاسد الذى يُفرخ الجرائم !



Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]