مجموعة من السودانيين فى داخل العاصمة السودانية تدفعهم العنصرية المتمددة و النامية هذه الايام و المتزاوجة مع التطرف الدينى تقوم بحرق كنيسة فى الجريف غرب و تنهب محتوياتها و هى تردد شعارات عنصرية ضد الجنوبيين و شعارات ضد الديانة المسيحية و تقوم بنهب المحتويات الموجودة. الاشخاص المتواجدين داخل الكنيسة يهربون خوف الموت حرقا أو قتلا، تم كل ذلك تحت سمع و نظر الشرطة المتواجدة وقت وقوع الحدث و تراخى عربات اطفاء الحريق من الحضور ثم الصمت المتواطئ من السلطات التى كانت تعلم بامكانية وقوع ذلك!
الزمن النصف الاخير من القرن التاسع عشر و النصف الاول من القرن العشرين، جماعة من " الكوكلس كلان " العنصرية فى الجنوب الامريكى تقوم بحرق منازل السود و تقوم بشنق و حرق من يقع من قاطينيها فى ايدهم و هم يحملون الصليب المشتعل الرمز الساطع لعنصريتهم تحت حماية و تغطية السلطات المحلية، الفرق الوحيد بين ما حدث فى الجريف و ما كان يحدث فى ذلك الجزء من الجنوب الامريكى ان جماعات " الكوكلس كلان " كانت تقوم بفعل ذلك و هم ملثمو الوجوه أم العنصريون الجدد الرافعين لشعار الدين فقد كانوا مكشوفى الوجوه يتباهون بفعلهم!
السؤال الذى يفرض نفسه مباشرة، هل ما تم فى الجريف حدث عابر و ليد اللحظة؟ و اذا كان الجواب نفيا فلماذا تم ذلك ؟!
ما حدث فى الجريف نتيجة منطقية و نهاية متسقة لما سبقها من سياسات كانت تمارس لفترة طويلة من الوقت تم التغاضى عنها و تشجيعها من قبل السلطة و التهوين من مردودها من قبل الآخرين. بعض من الأسباب و ليست كلها
- استدعاء الانقاذ للقبيلة فى صراعاتها السياسية ضد القوى  الأخرى و ذلك اما للاتكاء عليها و استخدامها لبث الفرقة بين القوى  أو للابتزاز و تخويف المواطن. ما يحدث فى دارفور لعدة سنوات مثال مجسم لما نقول، تحوير الصراع السياسى حول الثروة و السلطة و الصراع على الموارد الى صراع بين القبائل، صراع بين زرقة و عرب ( مستعربة )، ترتكب المجازر والانتهاكات الانسانية التى من الصعب نسيانها و التى تقود الى فرقة بائنة. نفس السناريو يطبق الآن بحذافيره فى كردفان و النيل الازرق.
- الخطاب العنصرى غير المنضبط و المقصود الذى يقود الى الكراهية ( الحشرات،استخدام العصا)، التعامل و التعين فى وظائف اجهزة الدولة المختلفة على اساس القبيلة و الجهة .
- تشجيع أو غض الطرف عن الاتجاهات العنصرية التى تنتهجها بعض الجهات بل تشجعها كما يحدث مع منبر السلام العادل و جريدة " الانتباهة ". السلطة تلوذ بالصمت عندما يذبح صاحب الانتباهة ثورا أسودا تعبيرا عن فرحه و سعادته بفصل الجنوب!
- قمع الآخرين بسلاح الدين و تكفيرهم و مصادرة الحريات و رفض الرأى الآخر باعتباره مخالف للدين و هو فى حقيقة الأمر مخالف لسياسات الانقاذ الدنيوية. الاعتداء حتى على الطرق الدينية الآخرى كما حدث لأضرحة الصوفية!
- الابتزاز السياسى باسم الوطنية و العرق للمواطن كما حدث فى حرب هجليج التى لا نعتقد انها سوف تكون الحرب الاخيرة مع سياسات الانقاذ تجاه  دولة جنوب السودان . السلطة كالعادة تحاول الهروب من مشاكلها بافتعال مشاكل و حروب طالت جهات الوطن المتعددة.
ظل الحادبون على مصلحة الوطن يكررون دون ملل الحقيقة التى يمكن امساكها باليد، أن السودان يتكون من مجموعات عرقية مختلفة متباينة الثقافة و أن النسيج الاجتماعى لازال هشا، أن قضايا العرقية لم تخاطب بموضوعية و تم تجاهلها تماما لاعتبارات مختلفة اغلبها زائف مما ساعد على كمونها الخفى و العلنى احيانا فى الثقافة و السلوك الجمعى.
ان الاصطفاف العرقى فى السودان ولاسباب تاريخية ارتبط باللون و الجهة، ذلك يعنى فى بلد ترتفع فيه نسب الجهل و الامية و الفكر المتخلف، العداء لقوميات بعينها و ذلك ما يشاهد الآن مما يشكل خطرا لأمة لا زالت فى مرحلة التكوين.
ان حادث الجريف هو مؤشر لانتقال الاحتقان العرقى لمستويات متقدمة ظل خلالها لفترات طويلة بعيدا عن المركز الذى ظل يتجاهل وقوع مثل تلك الممارسات أو يغض عنها الطرف و هى تمارس فى جهات مختلفة فى السودان. ان التجاهل و الازدراء يقود الى ممارسات عنصرية لا يمكن ضبطها أو التحكم فيها فى المستقبل كما يقود بالضرورة الى العنصرية المضادة. التاريخ المشاهد و المعايش فى عصرنا القريب يقول ان العنصرية  لا تمنعها حتى المعرفة و الدرجات العلمية دون الالتفات اليها و محاربتها و نحن نشاهد اساتذة الجامعات من الهوتو فى رواندا يحملون المدى الطويلة و يصفون التوتسى ب ( الصراصير ) و يحرضون الاخرين على ذبحهم!
فى اعتقادى الجازم ان مشاكل السودان و قضاياه المعقدة و المتشابكة التى صنعتها السلطة الآن أو قامت باشعالها، لا يمكن أن تحل فى ظل وجود هذا النظام أو المساومة معه.  قضايا السودان تحل فقط بازالة هذا النظام، غير ذلك سوف ينحدر السودان نحو التشرذم، التفكك و الحروب المستمرة،ذلك يعنى بكلمات أكثر وضوحا، عدم الاستفادة من دروس الماضى، ضياع الحاضر و التيه فى دروب المسقبل.



Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]