اذا كان اسم امدرمان يعود الى "درمان" أو "الأمان" فهى لم تعد كما كانت، بالطبع التغيير الذى ألم بها هو منطق التاريخ و الجدل و لكننا نقول كان لامدرمان دوما اسلوبها و منطقها الخاص فى الحراك.
تدلف اليها عابرا جسرها العتيق على النيل الأبيض، يعترض تدرج بصرك المتهادى أبنية عالية متجهمة الطلعة لا تتناسب و شكل هندستها القديمة الضاربة جذورها فى الأرض، المكتسبة خاصيتها من الأجتماع، البيئة، العادات و الدين. أمدرمان بحسب تصنيف و تخطيط المدن يعتبر معظم أحيائها من الدرجة الثالثة ما عدا حى أو حيين فى الدرجة الثانية، لذلك منظر تلك القلاع الهائلة شوه وجه المدينة و هتك خصوصية الأسر. منظر المدينة أضحى كالمدن الخارجة لتوها من الحرب، بعد قصف جوى مكثف بالقنابل!
الشوارع أصبحت ضيقة و متعرجة ك "المسارات" غير الآمنة بعد الأعتداء عليها بواسطة ساكنيها، الكل أحذ جزءا من الشوارع التى هى أصلا ضيقة ليشيد عليها أو ليزرع فيها شجرا. كناتين الحى أبت أن يفوتها ذلك التسامح المجانى فاقتلعت جزءا أيضا من الشارع لتبنى أقفاصا من الحديد لوضع "قدرة" الفول لتصبح لاحقا  مكانا للنوم ومتكئا "للونسة" فى أيام القيلولة الحارة. بالطبع لا أحد يسأل فالدولة هى المعتدى الأكبر على أراضى المدينة، فقد أستولت على ميادين الرياضة، المنتزهات العامة و المساحات التى كانت متنفسا لتبنى عليها قصورا أو مؤسسات استثمارية لمريديها.
عربات تملأ و تجوب شوارع المدينة فى فوضى لا حد لها، مسببة لعشرات الحوادث. عربات من كل الأشكال و الموديلات، عربات أجرة تحمل أسماء عجيبة، "أمجاد" تنزلق فى الشوارع كالضفادع، "الركشات" كالعناكب تنشر سمومها ملوثة جو المدينة المزدحمة رغم أنف المدافعين عن البيئة، تاكسى متهالك يصارع للبقاء وسط الحداثة المزيفة و المصطنعة. يضيف الى ذلك الكم الهائل من الفوضى بصات "الوالى" الضخمة – التى قيل أنها قد خدمت كثيرا قبل المجئ بها للسودان – لتضفى على  المشهد مسحة درامية.
النيل هو جوهرة العاصمة و "أم در" خاصة و كان المتنفس لأسر المدينة فى العصارى و الأمسيات الخانقة، قد أصبح الوصول الى شاطئيه عسيرا أو منعدما، فقد تم قفله بالصالات الخاصة التى تفرض رسوما للدخول اليها. اذا تمكنت من الوصول الى شاطئيه يعكر جلوسك بعض المتجولين فى اللباس المدنى أو العسكرى الذين يحصون عليك الحركة و النفس، هذا اذا لم يتطوع أحدهم بمنعك من الجلوس و المكوث هناك بدعوى أن المكان غير مسموح التواجد به!  لا تجد أحدا يمكنك الاحتجاج اليه أو الاستماع لشكواك.
المدينة تحولت الى سوق كبير، الكل عارضا لبضائعه و سلعه من شتى الأنواع، السؤال العفوى يأتى الى الذهن مباشرة دون دعوة، من هو المشترى؟!.. و المواطن تعصره الظروف الأقتصادية الفاتكة و الجرى و البحث عن رزق للأسر التى تعيش على حافة الفقر.
بائعو الفاكهة يصطفون فى الشمس الحارقة على مدى شاطئ النيل و الشوارع الرئيسية، تحت مظلات مهترئة من القماش تعمل على تركيز الشمس أكثر من أن تحجبها. الفاكهة الباهتة بفعل الحرارة، المتراصة فى العربات المتهالكة تستجدى الراجلين المسرعين الخطى أمامها .
ستات الشاى اللاتى أجبرتهن ظروف العيش على الخروج يبيعن مشروباتهن فى كل مكان يمكن أن يكون ظليلا، كراسى البلاستيك أو "البنابر" فى وضع نصف دائرى يجلس عليها زبون أو اثنين و هم يبحلقون بعيدا متفكرين بما يأتى به الغد!
سوق امدرمان الكبير تحول الى (كوشة الجبل). أكياس النايلون، زجاج المشروبات الفارغة المستجلبة من أى مكان فى العالم، بواقى الفواكه العطنة، فضلات الحمير و احصنة "الكارو" تغطى الشوارع الملتوية و الضيقة بفعل "الفارشيين" لكل شئ على أرضها.
بائعو الماء البارد، اصحاب الأطعمة المتجولة يقفون بعرباتهم يبيعون الفول، الطعمية و الزلابية  بيد و يهشون بالأخرى جيوش الذباب الطامعه فى نصيب من ذلك الطعام.
نادى الخريجين أحد رموز الاستقلال أصبح هيكلا متواريا، المقاهى  التى كانت أماكن للتلاقى و الثقافة اندثرت و اصبحت محلات لبيع الأدوات الكهربائية و أجهزة الموبايل!
دور السينما (أمدرمان، الوطنية) التى كانت تعرض أرقى ما توصل اليها الأنتاج العالمى من الأفلام أقفلت أبوبها و آلت مبانيها للسقوط، تنتظر دورها لتصبح أيضا مبانى و استثمارات للأثرياء الأسلاميون الجدد الذين  (يتحسسون مسدساتهم)  عند سماع كلمة الثقافة.
شوارع المدينة التى كانت مضاءة فى خمسينات القرن الماضى تعيش فى ظلام دامس، تشاهد النساء و الفتيات المتشحات بالسواد يذرعن شوارع الأحياء على نور موبيالاتهن خوف الوقوع فى المطبات و الحفر المليئة بالمياه الآسنة أو خشية الاصطدام بالكلاب الضالة.
المعاشيون، المحالين الى الصالح العام بأمر السلطة يجلسون أمام منازلهم فى الأمسيات يتبادلون زكريات الزمن الجميل الذى مضى، اما الشباب خريجى الجامعات العاطلين عن العمل، فيجلسون فى مداخل شوارع الأحياء يندبون حظهم الذى أوجدهم فى هذا الوطن و يحلمون بفرصة لمغادرته.
مواطنى امدرمان الذين عملت الظروف القاسية على سحقهم، يقاتلون بضراوة للاحتفاظ بأعرافهم، قيمهم و ثقافتهم. لا زالوا يحتفظون بكرمهم و اريحيتهم، يؤمنون أن غد جميل لا بد آت.
أتيت للمدينة لأراها قبل أن تفقد آخر ملامحها الماضية، كنت أنظر اليها كحبيبة أجبرت على أن تشيخ مبكرا، عندما غادرتها متباطئ الخطى كنت أقول لنفسي المدن العامرة بالفرح و الحياة تبقى فى الذاكرة فقط !!

Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]