كثير من النساء فى السودان يستحقن الكتابة  و الاحتفاء بهن، واحدة من تلك النساء التى يمكن أن تمثل تلك الشريحة هى "حبوبة مريم". أمرأة وسيمة فى ثقافتها، كبرياءها، نضالها و "مداقشتها الدنيا" دون وجل أو رهبة. حبوبة مريم  تؤمن بأن المرأة يجب أن تساوى بالرجل و عملت فى سبيل ذلك الهدف دون ضجيج، دون اٍعلان ودون ملل أو ضجر.
توفى زوجها و هى فى السابعة و العشرين من عمرها، كان ذلك فى بداية خمسينات القرن الماضى تاركا لها ثلاث صبية و ثلاث بنات. كانت ظروف أسرتها من والدها المتوفى غاية من الصعوبة، ليس لديها القدرة على المساعدة أو تقديم الدعم المطلوب. لم يكن امام الأرملة الشابة غير شق الطريق الصعب، طريق العمل. فى ذلك الزمن كان خروج المرأة للعمل فكرة مستهجنة من قبل فئات عريضة من المجتمع باعتبار مكان المرأة الطبيعي وفقا لثقافة ذلك الزمن الذكورى هو المنزل ، ولا مكان للحريم فى خارطة تطور المجتمع. كان يزيد الأمر تعقيدا و قتامة ان الفكر السائد حينها ، يفترض أن العمل يجب أن تقوم به فئات بعينها محددة فى المجتمع!!
اختارت العمل فى التمريض و حتى مهنة التمريض فى ذلك الوقت كان ينظر اليها  بدونية و يفترض أن لا تمارسها جميع النساء، هى مهنة للمسحقوين و المضطهدين طبقيا و عرقيا! عملت بجد، مثابرة و اخلاص، ترقت الى "قابلة" وواصلت تدرجها المهنى المتصاعد حتى وصلت الى وظيفة "باش- داية". الحاجه مريم كان تؤمن بأن المرأة يجب أى تساوى بالرجل فى كل المجالات، لذلك عملت على الحاق بناتها بالمدارس أسوة باولادها رغما عن قساوة ظروفها. كانت رؤاها فى سبيل تحرير و تطوير المرأة متقدمة حتى بمعايير اليوم.
عندما قامت حكومة "عبود" بتخصيص مدينة الثورة لذووى الدخل المحدود، استحقت حبوبة مريم قطعة أرض. عند استلامها قامت بتشييد غرفة تسعها هى و ابناءها، سكنت فيها ثم شرعت فى بناء باقى المنزل (عود عود...و طوبة طوبة). بعد خمسة أعوام وقف المنزل شامخا عنوانا لقدرة المرأة العاملة على الانجاز و دحضا لفكرة أن النجاح حكرا على الرجال. كان المنزل الشامخ دعوة لملاك الأراضى من حولها للشروع فى بناء أراضيهم القفر.. و قد كان، فبعد عدة اعوام صار هنالك مربوع كامل من حول منزلها، عامر بالحياة، البٍشر و التفاءل.
كنت اندهش لوعى الحاجة مريم عندما أتناقش معها ونحن نرتشف قهوة المساء التى تجيد صنعها، ما كان يدهشنى حقا هو انحيازها لقضايا التقدم بشكل واضح و دون مساومة. كنت أتساءل دوما من اين أتت بذلك الوعى و الرؤية الثاقبة و القدرة على اختيار المواقف دون هيبة؟!
شاركت ابان ثورة اكتوبر1964 فى المظاهرات بحماس، تضامنت مع ثورة مارس – ابريل 1985 و ساندت شعاراتها بصدق.
حبوبة مريم كانت من أول المؤيدين للزعيم جون قرنق ، تأيدها "حًير" الأسرة. كان بعض من أفراد اسرتها يقول لها مكايدة (يا حاجة، انت ما جنوبية، مالك مؤيدة جون قرنق!.. انت لازم تكونى طابور خامس)! كانت تضحك بعمق كأنها تضحك عليهم.
كنت أستمع لحوار حبوبة مريم فى التلفون قبل عدة أيام مع ابنتى، اكتشفت ان حبوبة مريم رغم تقدمها فى العمر "ياها زاتا"، الوضوح، قوة العزيمة والقدرة على المصادمة و عدم المجاملة فى أعتقاد ما تراه صواباً.
سألت:
قالوا الجنوبين صوتوا للانفصال؟ -
نعم يا حبوبة. -
أحسن ليهم، فى زٌول يعيش فى بلد ما عندوا وضعية و كمان مضطهد! -
..................................... -
كمان سمعت كلام أنو في جنوبين قالوا دايرين يرجعوا تانى الشمال علشان يسكنوا فى بيوت؟! -
ما سمعت كلام زى ده يا حبوبة امكن تكون اشاعات! -
  -غايتو لو طلع الكلام ده صاح يكون ما كويس، زول أدوهو بلد ما يقعد فى قطية و يبني بلدو، كمان يقول داير يرجع تانى عشان يسكن فى بيت، دى مسخرة!
..................... -
انقطاع الخط كان سببا فى انتهاء الحوار.
حبوبة مريم أمرأة عادية ككل نساء السودان، تبلغ الآن الرابع و الثمانين من عمرها، جدة أم بناتى، لا زال عقلها يفور بالحكمة و عيونها تشع ذكاءا و معرفة.  تقدم العمر، تغير الأحوال لم تغير من مواقفها المؤيدة لقضية تحرير المرأة ، نصرة قضايا مساواتها و انعتاقها. فى هذا العيد و فى رمزها أحي كل الأمهات اللاتى ناضلن لتربية بناتهن و ابناءهن، و هن يشقن طريقهن فى مجتمع قاس ووعر لاستمرار تدفق الحياة. أحي المرأة العاملة، أحي ستات الشاى، بائعات الكسرة، ستات العشاء و كل النساء اللآتى  يخرجن الآن الى الشارع من أجل مناصرة قضايا المرأة.
الله يديك العافية حبوبة مريم عبد المجيد.


Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]