بعد مضى ثلاثين عاما على سقوط نظام الخمير الحمر فى كمبوديا، ظل الناجون من مذابح الابادة الجماعية و ضحايا التعذيب ينتظرون فى قلق و ترقب انصاف العدالة لهم، تعالت انفاسهم و هم يشاهدون "كاينج غويك اف"  الملقب ب "دوش" ماثلا فى خنوع امام المحكمة الخاصة التى كونت لمرتكبى الفظائع فى ذلك القطر الآسيوى الصغير.نظام الخمير الحمر هو نظام ديكتاتورى متسلط استولى على الحكم فى كمبوديا بانقلاب فى العام 1975، اطلقوا على نظامهم الجديد اسم جمهورية كمبوديا الديمقراطية و تبوأ رئاستها الديكتاتور "بول بوت" الذى ظل مطاردا من قبل العدالة حتى وفاته عام 1998. أعلنوا أنهم بصدد بناء مجتمع خالى من الاستغلال، متبنين لتحقيق ذلك الهدف أفكار الزعيم الصينى "ماتسوتونج" أو ما يسمى فى الفكر السياسى ب "الماوية" . أرغم سكان المدن للخروج الى الريف للعمل فى المزارع الجماعية، وصم كل من عارضهم بالثورة المضادة، قاموا بأكبر مجزرة تجاه شعبهم كان ضحاياها، المثقفين، الاقليات العرقية و الرهبان البوذيين. قتلوا خلال أربع سنوات ربع سكان القطر (1.7) فى بلد يبلغ تعدادها السبع مليون شخص، سميت أماكن دفن الضحايا ب "حقول الموت". يقول كاتب صحفى يدعى "وليم شوكروس" واصفا لأحد المدافن فى تلك الحقول (فى سنة 1985 زرت كمبوديا، و أخذت الى قبر جماعى خارج العاصمة فنوم بنه، حيث دفن ضحايا ارهاب الخمير الحمر. اتضح أن هولاء الناس ضربوا بالهراوات حتى الموت، أيديهم لا تزال موثقة، و جماجمهم محطمة، و العظم به لحم عفن). نظام الخمير الحمر سقط على ايدى القوات الفيتنامية.المحكمة التى تقوم بمحاكمة "الدوش"، كونت فى العام 2006 بناء على طلب من الحكومة الكمبودية قدم للامم المتحدة، وهى خليط من نظام القضاء الكمبودى و القانون الدولى. تتكون من أعضاء محليون و دوليين، تشرف على تمويلها الامم المتحدة و 35 دولة أخرى. المحكمة تجربة حديثة تتداخل بين مبدأ الاختصاص الأقليمى و مبدأ الاختصاص القضائى العالمى، وهى تجربة جديرة بالدراسة و خطوة متقدمة فى تحقبق العدالة الدولية.كاينج غويك اف الملقب بالدوش كان استاذا للرياضيات ثم أصبح مديرا و مسئولا عن انتزاع المعلومات من المتهمين فى سجن يدعى "تيول سلينغ"، هذا السجن سيدخل التاريخ للفظائع التى كانت تمارس فيه، و هو يتماثل تماما و سجون الهلكوست فى المانيا النازية "باخنفالد" و "اشوفيتز". قتل فى سجن تيول سلينغ ستة عشر ألف شخص على مدار اربعة أعوام. بعد سقوط النظام ظل  الدوش متخفيا و منتحلا لأسم و شخصية أخرى فى الريف الكمبودى ، حتى تم اكتشافه بالصدفة و القاء القبض عليه. فى بداية المحاكمة قدم الدوش اعترافا، اعتذارا و ندما لما قام بارتكابه من جرائم فى ذلك السجن المخيف.من المهم هنا و نحن نتحدث عن"كاينج" أن نذكر بعض الوسائل التى كان يمارسها  لانتزاع المعلومات من ضحاياه حتى موتهم،  هذه الوسائل أو بعض منها تمارسها أجهزة الأمن فى كل الانظمة الديكتاتورية تجاه المعارضين لحكمها. تتمثل تلك الوسائل فى الآتى: - الضرب و الصعق بالكهرباء.- منع الضحايا من التنفس بوضع كيس من النايلون على وجوههم.-  تصفية الدماء من الضحايا بطرق طبية حتى الموت.- نزع الاطفال  من حضن امهاتهم و القذف بهم من الطوابق العليا لاجبار الضحايا على الاعتراف.سلوك الدوش و اعترافه يقودنى مباشرة الى مفهوم الاعتذار كثقافه و ممارسة حديثة ، بعده القانونى و الاخلاقى خاصة و أن هنالك اتجاها متناميا لدي كثير من الدول  تضمينه فى منظومة قوانينها. فحوى قانون الاعتذار – اذا جاز استخدام هذه التسمية – تتلخص فى أن للمتهم حق  الاعتذار عن الجرم الذى ارتكبه، دون أن يترتب على ذلك أى أثر قانونى على المستوى الجنائى أو المدنى. تلك الوجهة فى التشريع  هى اخلاقية بحته تؤسس على أن كثيرا من المتهمين ينون الاعتذار عما ارتكبوا من جرائم و لكن الخوف من الادانة يدفعهم الى الاحجام . ذلك فى تقديرى شئ طبيعى لأن المتهم لديه دوما من الاسباب ما يعتقد انها قد تخفف جرمه. من الاسباب المهمة أيضا  أن اعتذار المتهمين له تأثير معنوى على أسر الضحايا. هنالك أيضا فى الممارسة الدولية اتجاه يأخذ ذات المنحنى يعرف او يسمى ب " الحقبقة و المصالحة " و هو مستمد من تجربة جنوب أفريقيا السياسية. الحقيقة و المصالحة تمارس للخروج من المطبات السياسية باهظة الثمن، و قد تبنته كثير من الدول فى أفريقيا و دول أمريكا اللاتينية لانسياب الحياة السياسية. التجربة تثير كثير من الجدل، وفى اعتقادى أنها تجربة تحتاج الى كثير من التمحيص و الدراسة لتفادى اسقاط تجارب الآخرين على واقع مختلف.بعد ذلك نأتى مباشرة الى اعتذار السفاح "كاينج"  أمام المحكمة، قبل الادلاء برأى فى هذا الاعتذار، نقول لا أثرمن ذلك الاعتذار على العقوبة المتوقعة و هو السجن مدى الحياة، لأن دولة كمبوديا قد ألغت عقوبة الاعدام من قوانينها العقابية.فى اعتقادى أن اعتذار كاينج صعب الهضم ، ذلك لأن الجرائم المرتكبة بشعة وهى انعكاسا لسلوك غير سوى، لأنها ارتكبت على مدى اعوام طوال و بشكل منظم، لأن الضحايا قتلوا لاختلاف الرأى و لأن المتهم ظل لفترة طويلة متخفيا و لولا اكتشافه بالصدفة، لظل متواريا من العدالة.لا نريد أن نفتح ضميرالمتهم لنرى ما بداخله، و هل ذلك الاعتذار حقيقى أو استدرارللعطف  حتى لا نقع فى مستنقع محاكمة الضمائر كما كان يفعل هو مع الآخرين، و لكننى أرى انه من ناحية اخلاقية و نفسية ذلك الاعتذارصعب القبول!عدنان زاهر عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.