ترافعت أمام محاكم العدالة الناجزة عندما استن السفاح نميرى قوانين سبتمر 1983 بمساندة الجبهة القومية الاسلامية المتحالفة معه فى ذلك الوقت و تحت هندسة الثلاثى عوض الجيد، بدرية سليمان و أبوقرون المتعاون بعض منهم مع سلطة الانقاذ فى هذا الزمن.
قضاة الظلام، المكاشفى طه الكباشى، حاج نور و المهلاوى و من خلال محاكم العدالة الناجزة و تطبيق قوانين سبتمبر فعلوا كل ما فى وسعهم اذلال الشعب السودانى و كبت حريته. أنتهى ذلك المشهد المروع فى تاريخ الشعب السودان الملئ بالمآسى، باغتيال الأستاذ محمود محمد طه و من ثم بعدها قيام انتفاضة مارس أبريل و القضاء على نظام النميرى الديكتاتورى.
عملت أيضا أمام محاكم الأنقاذ فى بداية عهدها و عشت تجربة استباحة السودان بشرا و مواردا من قبل السلطة، شاهدت الرجال و النساء يجلدون و لكنى لم اشاهد من قبل منظرا أصابنى بالحزن و الفجيعة كما شاهدت الفيديو التى قامت صحيفة الراكوبة الألكترونية بعرضه فى موقعها. الفيديو يعرض شريط لفتاة يتبارى فى جلدها رجلين من الشرطة و جماهير تشاهد بلا مبالاة ما يقع أمامها. لمن لم يشاهد الفيديو نعرض الوقائع باختصار.
المكان: حوش أو فسحة فى احدى المحاكم التى يذل فيها أفراد من الشعب السودانى يوميا.
الزمان: صباحا او ظهرا.
الوقائع: امرأة مسحوقة تدور حول نفسها مرعوبة و مستجدية، قاضى يقف تحت ظل شجرة منتفحا يأمر المرأة أن تجلس لتنفيذ العقوبة عليها (اجلسى خلينا نمشى و لا دايره تخشى السجن)!
بعد ذلك يبدأ عسكرى شرطة بجلد المرأة بصوت عنج يشابه الثعبان ضربا مبرحا، المرأة تصرح و تولول (واى يا أمى واى)، الصوت ينهمر على جسدها فى ضربات متتالية قوية، ظهرها ، كتفيها ، فخذيها. تجرى للاحتماء بعربة تقف داخل الحوش يلاحقها الشرطى بصوته كما يفعل الذئب بفريسته. رجل شرطة آخر يضحك فى بلاهة منتشيا بالمشهد ثم يتدخل لمساعدة الشرطى الآخر بصوت يحمله فى يده يضرب به المرأة فى عنف و قسوة. جماهير متفرقة تشاهد ما يجرى أمامها فى صمت.
الفيديو يعكس القسوة و البجاحة التى وصلت اليها سلطة الأنقاذ كما يعكس من جانب آحر السعى الحثيث منها لتكسير القيم التى يؤمن بها المجتمع المتمثل فى احترام النساء و التصدى فى الدفاع عنهن. تفعل ذلك السلطة و اجهزتها القمعية و هى تقصد أن تصل أصداء ذلك الفعل الى أكبر قطاع من المجتمع.
كنت معتقلا فى سجن كوبر فى بداية عهد الأنقاذ، كنت مستلقيا جوار صديقى المهندس و كان هو ضمن أول مجموعة تم تعذيبها فى بيوت الأشباح - فى ذلك الزمن كانت بيوت الأشباح تحت ادارة رئيس جهاز الأمن نافع على نافع رئيس المؤتمر الوطنى و مساعد رئيس الجمهورية الحالى- سألت صديقى ألا يخشى النظام ذيوع ما يجرى فى بيوت الأشباح؟!
رد قائلا أن هؤلاء القوم يريدون أن يصل و يذاع كل ما يقمون بفعله و بالتفصيل، ذلك  لأخافة و ارهاب الشعب السودانى و قد كان قوله صائبا رغم انكار الأنقاذ لتعذيب المعارضين لها لاحقا. تجربة نشر الفظائع لاخافة الآخرين مستمد من التاريخ و ما كان يقوم بفعله هولاكو التترى للشعوب التى يقوم بغزوها.
عندما سن نميرى قوانين سبتمر عام 1983 وظفها لقمع الشعب السودانى و أذلاله. الصادق المهدى بعد الأنتفاضة فى مارس و ابريل و هو يمارس الحكم كأول رئيس لحكومة ديمقراطية بعد ديكتاتورية نميرى رفض الغاء تلك القوانين و هو ما ظل يقول (هذه القوانين لا تساوى ثمن الحبر الذى كتبت به)!
القوانين التى تستخدمها الانقاذ الآن بخبث و انتقائية لارهاب و اذلال المعارضين لها و الحط من كرامتهم هى نفس قوانين سبتمبر التى قام عراب النظام الترابى فى بداية حكمها باعادة حياكتها لتناسب نظام الانقاذ.
الفيديو  يعكس ايضا النظرة الدونية التى يتعامل معها النظام تجاه المرأة و التى تشى بها أفعاله و ما يردد فى جهاز اعلامه، ما ذلك الموقف السلبى للجماهير وهى تشاهد ذلك الشرطي يمارس ساديته الا انعكاس لذلك التأثير الأعلامى.
الفيديو رغم بشاعته، لكنه يمثل صرخة مدوية لتنبيه الشعب السودانى  لما يحاك ضده، الرسالة تقول ليس هنالك من أحد بمنأى عما وقع على تلك المرأة، لا حتى "جحا" فى قصته الشعبية الشهيرة التى تؤسس للذاتية و البعد عن التضامن مع الآخرين.
ان حكومة الأنقاذ تستخدم أخطبوط القوانين غطاء لفشلها و عجزها فى الحكم كما تستخدمها سندا لاستمرارحكمها ولاستغلال موارد السودان و ثروته، يتم ذلك بمصادرة الرأى الآخر و القمع. ان السودان لا يمكنه التطور أو السير للأمام الا بازالة و اسقاط هذه السلطة، ذلك هو الطريق الوحيد. انهم  يكبرون و يتمددون على حطام الآخرين كما فعلوا مع هذه المرأة المغلوبة على أمرها.

(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)