كان "لوال" بسيطا واسع الأفق، رومانسى و حكاى من الدرجة الاولى. أقول له مازحا فى احيان كثيرة (لوال انت دينكاوى "تيوانى" ساى حتى مع الشلوخ الفى جبهتك دى، الدينكا طوال كاشجار التيك )!

يرد مرحا و مبتسما (أنا كلام محامين ده و لا بفهموا)

أصمت مرغما رغم تيقنى أنه يعرف ما أقصد، فهو يمتاز بمكر بريء. لوال متوسط الطول، رهيف البنيان، وسيم الطلعة حينما يبتسم تبيض الدنيا من أسنانه المصطفة بدقة كسرب من طيور الأوز.

قال لى ذات مرة (انت بتعرف يا أستاذ الخطوط دى اتعملت كيف)؟ مشيرا الى الشلوخ التى تملأ جبهته.

قرأت لفرانسس دينق، نيلسون مانديلا و هم يتحدثون عن الطقوس التى تمارسها بعض القبائل الافريقية لاطفالهم وهم يتخطون مرحلة الطفولة لمرحلة الرجولة، لكنى أعشق الطريقة التى يحكى بها لوال.

أجبت (لاأعرف).

سأل مرة آخرى بطريقة تؤكد جهلى و تعلى من معارفه (انت يا استاذ بالله ما عارف)؟!

أجبت هذه المرة بهز رأسى مؤيدا للنفى.

قال لوال، جلسنا مصطفين على أمشاط أرجلنا فى نصف دائرة، عددنا كان يبلغ الخمسة عشرشخصا. أعمارنا كانت بين الخامسة و الثانية عشر. العجوز الذى سوف يجرى الخطوط على الجبهة ينظر الينا بعينى صقر، كأنه يقرأ دواخلنا. أمر واحد من الصبية بالحضور و الجلوس امامه. أخرج مدية صغيرة ثم بدأ بفصد جبهتة من بدايتها حتى نهايتها فى الجانب الآخر. ذلك العمل الذى يقوم به هذا العجوز كان يتطلب معرفة أكاديمية بعلم التشريح، خبرة طويلة حتى لا يقطع العروق المتناثرة على طول الوجه. نظرنا بخوف الى السكين و هى تنزلق على الجبهة و الدم ينهمر من الجرح. تسمرنا فى اماكننا من الجزع، كنا نعرف أن هروب أياً منا يعنى العار وسط القبيلة و الأسرة و حرمان من الحظى باعجاب الصبايا، اضافة الى كل ذلك فقد كانت نظرات الحضورتشدنا الى الأرض.

 جاء دورى، جلست أمام العجوز محاولا التماسك  متجاهلا المدية المشرعة امام أعينى. غرز العجوز المدية فى جبهتى ثم تركها معلقة فى مكانها و أنا أنظر اليه مرعوبا مندهشا. أخرج "حقة" صعود صغيرة ثم بدأ بتكوير "سفه" كبيرة وضعها ببطء تحت شفته العليا. كان ذلك امتحانا صعبا لم أمر به بعد ذلك طيلة حياتى. شرع من جديد فى تخطيط جبهتى. اجتزت امتحان الرجولة. تحسس لوال جبهته و هو ينظر الي بفخر.

سرحت مفكرا و أنا استرجع ذكريات الطفولة فى حيّنا الصغير على شاطئ النيل. الحي يقع فى الضفة الغربية للشاطئ  و لا يبعد عنه كثيرا. ارتبطت حياة الناس فى ذلك "الفريق" بالنيل بالرغم من أن الاغلبية تمارس مهناَ لا علاقة لها بالنيل. بحكم التعليم فقد كان أهل الحي افندية، ضباط جيش و شرطة و بعضهم يعمل فى سوق الله أكبر، لكن هنالك أقلية امتهنت حرفة الصيد. الأهالى يقضون معظم اوقات فراغهم على الشاطئ يتسامرون و يسبحون،بما فيهم عجائز النساء و صغيرات السن كن ايضا يسبحن فى الليالى المقمرة. هواية صيد السمك كانت أحد الهوايات المحببة للجميع.

لا أدرى كيف و متى حدث ذلك و لكن صار هنالك اعتقادا و مفهوما أن الأطفال أبان تحولهم لمرحلة الرجولة لا بد لهم أن يعبروا نهر النيل. كان ذلك ضرورة للاعتراف بهم كشباب للحى. كان حاجز الكفاءة صعب المنال، لكن تخطيه يعطى وضعا مميزا وسط الحى وشبابه الذين تجاوزا ذلك الحد، ومن ثم اعترافا مبكرا بالرجولة.

الحديث عن النيل يعنى عبور النيل الأبيض و الأزرق، النيل الابيض بانبساطه و تمدده و الازرق ب"شيماته" التى يعنى الوقوع فى مطبها الغرق المبين. هنالك سمك "البَرَدْ" الحامل لشحنة الكهرباء و المتربص للسابحين، ضربته تعنى الشلل و الموت. عبور النهر يبدأ من الضفة الغربية للنيل و ينتهى فى جزيرة توتى فى الضفة الشرقية. فى تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر كان مسموحا باصطحاب اطار داخلى "لستك" لعربة ملئ بالهواء وهو بمثابة طوق نجاة للسابح عند التعب، كنت ايضا مندهشا من سن ذلك القانون؟!

 كانت هنالك تقنيات لابد من تعلمها، يجب على السابح فى النيل الابيض أن لا يبذل مجهودا و أن يترك مياه النيل تجرفه و أن يوفر مجهوده للنيل الأزرق ذو التيار المندفع. يجب أن يحذر السابحون أن لا يجرفهم تيار الأزرق المندفع بقوة الى نهاية جزيرة توتى فى الجزء الغربى المواجه لكبرى شمبات لأن فى تلك المنطقة تنتشر "صرايم" الصيد و التعلق بأحد سنارتها هو الغرق.

لا زالت مشاهد ذلك اليوم عالقة بذهنى. رفض كل فرد من افراد مجموعتنا العابرة للنيل الامساك ب "اللستك"، التيار يدفعنا بقوة الى مصيدة الصرايم فى نهاية الجزيرة. اندفعنا نسبح بقوة و نحن نشاهد  من خلفنا اللستك العالق بالصرايم. وجدنا انفسنا فجأة نسبح على الرمال فقد تجاوزنا بالخوف حدود المياه. برغم ذلك فقد تحصلنا فى ذلك اليوم على وسام "الرجالة".

أرجعنى صوت لوال للواقع (أستاذ أنت وين سارح)؟!

أجبت بصوت عالي مخاطبا نفسى أكثر مما هو رداً  على سؤال لوال المتعجب، ماسحاً بفخر النيل الذى يبدو من خلال نافذة مكتبى كخيط ملتو (يا لوال كل زول راجل بطريقتو)!

رد لوال بمكره المعهود (انا كلام ده و لا بفهموا).

 

Adnan Elsadati [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]