آل كابون أو كابونى من أشهر رجال العصابات فى أمريكا فى النصف الاول من القرن العشرين، تقول السيرة الذاتيه...... انه ولد فى نهاية القرن التاسع عشر، أصبح رئيسا فى السنين الاولى من القرن العشرين لأخطر المنظمات الاجرامية فى مدينة " شيكاغو " و من خلال تلك المنظمة فرض سطوته على مدينة شيكاغو و تمدد فى مدن أخري.
مارس كل أنواع الأجرام .......تهريب للخمور التى كانت ممنوعه فى تلك الفترة، أندية القمار والدعارة، المخدرات، القتل البشع مع التمثيل بالجثث . فرض سيطرته على المدينه و كمم الأفواه من خلال شراء و رشوة أجهزة العداله ( القضاء-البوليس – النيابه )،تدجين الاعلام بشراء الصحف و ذرع الخوف فى النفوس بتصفية كل من يعارضه و يقف أمام طموحاته و مشاريعه المخالفه للقانون.
اضطرت السلطات الفيدرالية للتدخل عندما أصبح مشكلة للمجتمع الامريكى، ولكن لطرافة الأمرلم تجد تلك السلطات طريقة لمحاكمته و ايداعه السجن - رغم كل جرائمه - غير تهمة التهرب من دفع الضرائب.

تم الحكم عليه فى عام 1933 باحدى عشر عام ،أودع أحد السجون الاتحادية و مات فى سجنه فى أربعينات القرن الماضى لكن سيرته البشعة لم تفارق المجتمع الامريكى و ظهرت عشرات الكتب،الافلام و الحكاوى الشعبية التى تتناول حكاياته و عنفه المنفلت.
خطرت بذهنى حكاية " كابونى " و أنا اشاهد مجريات محاكمة السفاح البشير الذى يحاكم بتهمة الحيازة و التعامل بالنقد الأجنبى بصورة غير مشروعة و الثراء الحرام، دهشت للمقاربة و المفارقة فى آن واحد.

عمر البشير الذى قام بفتل 300 الف فى شخص فى دارفور ( وفق اعترافه فقد ذكر انه قتل عشر آلف فقط )!! و مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب،جرائم ضد الانسانية و " جونسايد "،قامت قواته باغتصاب النساء بشكل ممنهج فى مناطق الحروب لكسر الأرادة و تغيير العرق، اعدم الرجال و قتل الأطفال بدم بارد، قامت طائراته بفصف المدن و القري فى جبال النوبة و النيل الازرق مخلفة وراءها آلاف القتلى،و قامت قوات أمنه بقتل الطلاب فى معسكر العيلفون، كجبار و بورتسودان،و قام باكبر عملية ممارسة للفساد فى تاريخ الدولة السودانية و جعل مؤسساتها حكرا لقبيلته، أسرته،مريديه و حزبه الذى يدعى الاسلام منهجا.

عمر البشير الذى قام بانقلاب على الدولة الديمقراطية و عمل باصرار، وجهد وحقد دفين على تدمير كل قيم و أعراف المجتمع السودانى........ بالطبع تطول قائمة جرائمه و فساده لكن مع كل ذلك و بعض سقوط نظامه بثورة شعبية...... يحاكم على حيازته أموال خارج القنوات الرسمية و التعامل بالنقد الاجنبى بصورة غير مشروعة !! ....يا للسخرية .

تداعت بذهنى تفاصيل قصة آل كابونى الرابضة فى الذاكرة و دهشت للمقاربه التاريخية بين قاتل و زعيم للعصابات و رئيس لدولة سودانية لمدة ثلاثين عاماً ووجدت كثير من اوجه الشبه ،لكن ما يهمنى ذكره هنا فى هذا المقال هو شكل المحاسبة لما ارتكبه كلا المجرمين ووجدت هنالك ظلما فادحا حاق بالشعب السودانى.

آل كابون فى تلك الفترة التاريخية كان المطلوب ازحاته باى شكل من المشهد العام الذى تسيد عليه تماماً و ابعاده حتى و لو لفترة بسيطة حتى اعادة السيطرة على مسار العدالة فى مدينة شيكاغو.

أما السفاح عمر البشير فتتم محاسبته على ماارتكب من جرائم بعد ثورة شعبيه أطاحت بنظامه الديكتاتورى الدموى و جرائم ضحاياها و شهودها أحياء فكيف يقدم لمحاكمته بالنقد الاجنبى..لا شك ان ذلك خلل بائن فى ترتيب الأولويات !!

ان اقامة نظام جديد على انقاض نظام ديكتاتوري و تحقيق السلم فى أرجاء الوطن لا يستقيم دون تحقيق العدالة، فالثورة فى جوهرها تهدف الى اقامة العدل فى المجتمع بمفهومه العام و الخاص ، و اصلاح الخراب الذى تم على أيدى سفاحى الاسلام السياسى و يشمل ذلك الجبهات الاقتصادية،الاجتماعية و السياسية، اما على مستوى الخاص فهو الاصلاح القانونى وذلك يشمل المؤسسات المناط بها تحقيق، ضبط و تنفيذ العدالة ( القضاء ،النيابة،الشرطة ) و من ثم محاسبة من تم على يديهم هدم أسس القانون و العدالة.

فى تقديرى أن محاسبة من قتل، أذل و استباح دماء و كرامة الشعب السودانى، تعطى الجماهير الطمأنينه وتزيد الثقة فى السلطة الوليدة.الحديث عن المحاسبة لا يعنى الانتقام و لكنه يعنى التعويض المعنوى و المادى لضحايا النظام المقبور.
نعلم أن الثورة المضادة تعمل بجهد كي لا تصل الثورة لغاياتها، تضع العراقيل و المطبات فى طريقها،لكن وسط الجهد المبذول الذى تقوم به السلطة الآن يجب ترتيب و انفاذ أوليات مانادى به الثوار من شعارات و فى مقدمتها المحاسبة و العدل......ذلك لن يتم الا بارادة سياسية تستمد شرعيتها من نبض الثورة.

آل كابون الذين سطوا على الدولة السودانية طيلة ثلاثين عاماً يجب محاكمتهم على كل الجرائم التى ارتكبوها حتى نمنع مغامرين جدد من السطو على الدولة السودانية من جديد، كما يجب أن تضع السلطة المدنية نصب أعينها أن هنالك ضحايا ينتظرون أن ينصفوا من أجل نظام قدموا فى سبيل اقامته عدد لا يستهان به من الضحايا و الشهداء.


عدنان زاهر
25- 9 – 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.