لمدينة امدرمان معزه خاصه لدى أهلها أو من يعيشون فيها بعض من الوقت،فهى مدينه مليئة بالحيوية،التنوع و الانبساط العفوى، لكن أكثر ما يميزها تفردها، بايقاع حنين لا تجده فى مدينة أخرى.أحاول فى هذا الحكى تناول جزء من حكاوى الطفوله التى تعكس واقع المدينه فى فترة من فترات مسيرتها،و هنا أقصد بالتحديد الفترة من منتصف خمسينات القرن الماضى و حتى نهايات الستينات من نفس القرن.
أهل امدرمان تجمعهم ثقافة مشتركة و تجانسا فريدا كان يسيردوما الى الامام بشكل هارمونى،و لكن برغم ذلك التجانس ،فالنشأة و الطفولة فى كل حى من أحياءها تختلف عن النشأة فى الاحياء الأخرى،ذلك يعود بشكل أساسى للتركيبه التاريخية لسكان " البقعه " عند اختيارها عاصمة للدولة المهدية،الوضع الاجتماعى الاقتصادى و من ثم موقع الحى فى المدينة. الاحياء التى تقع على ضفاف النيل تختلف النشأة فيها عن الأحياء المتاخمه للسوق الكبير او حى العرب أو تلك التى تقع فى الغرب كالعرضة، العباسية و أبوكدوك.كما أن هنالك بعض الاختلافات بين الاحياء التى تقع شمال امدرمان وتلك التى تقع فى جنوبها.
فى حى الموردة - فريق " ريد " و الاسم يرجع الى مفتش امدرمان فى فترة الاستعمار و يدعى مستر " ريد "، يقال أنه ساهم فى تخطيط الحى الذى أصبح يحمل أسمه.أيام الطفولة الباكرة لصبية الحى تأثرت بقرب موقع الحى من نهر النيل أو كما نطلق عليه " البحر "، لذى تجد صيد السمك،الطيور و أكل ثمار الشجر البرى و معرفة أنواعها متجذر فى ثقافة الحى.كما أن عبور النيل من الموردة الى جزيرة " توتى " مؤشراً لدخول الصبى طوراً جديداً هو طور الرجولة وذلك يعنى فى قانون " الشارع " أكتساب مزيداً من الحقوق !!.........و بالرغم من " الرمز " الذى يمثله النيل لصبية الحى و شبابهم فقد درج الاهل على منع الأطفال من الذهاب للنيل خوف الغرق و قد وقعت بالفعل عدة حوادث لا زالت عالقة بالذاكرة.
بالنسبة لنا نحن صبية الحى فقد كان لنا عالمان،عالم المنزل و هو يعنى الانضباط وفقا لمعايير الأسرة و المجتمع الأخلاقية و يشمل ذلك التخاطب،الأكل ،اللبس،احترام كبار السن، و كيفية التعامل مع الغير، خاصة الضيوف.
العالم الثانى هو عالم الشارع الذى يخضع لقوانين وضعت و شرعت بواسطة الصبيه أو توارثوها من صبية الحى اللذين سبقوهم،أهمها عدم افشاء اسرار الجماعة و المشاركة فى كل ما يقومون به من ألعاب و شقاوة.هذه القوانين لا يمكن تجاوزها أو عدم الالتزام بها لأن فعل ذلك يعرض الشخص لأشياء غير حميدة، أقلها المقاطعة من بقية الصبيه غير النعوت التى يمكن أن يوصف بها " مفارق الجماعة " و هذا ما يطلق عليه اليوم " بير – برشر ".

..
عالم الشارع كان مليئا بالالعاب البريئة المعبره عن الطفولة و فى احيان كثيرة باعثا للابداع و متعة المغامرة،لكن من الجانب الآخر كانت هنالك سلوكيات مستهجنه أو غير مقبولة تمارس بغرض كسر المألوف و التحدي. أقوم بذكر اثنين من تلك الممارسات التى كنا نقوم بها....... الأولى ( غزو المطاعم ) ثم الهروب، و الثانيه " الهنبته " على أصحاب تأجير العجلات.
الجزء الشمالى من سوق الموردة تقع فيه المطاعم،يحدها من الشرق شارع المورده المرصوف و الرئيسى، ومن الغرب شارع يفصل سوق الموردة من حى الموردة و ميدان ابوعنجه ،و هنالك شارع صغير" زقاق " شمال المطاعم يقع فى بدايته فندق " باعبود " و عدد من المنازل و هذا الشارع كان هو منفذنا عند الهروب من المطاعم.
كنا نصنف المطاعم وفقا لسرعة " جروسناتها " فى مطاردتنا و محاولات القبض علينا،فهنالك مطعم " الموتر " و مطعم الغزال و كنا لا نقربهما الا عند الضرورة القصوى لسرعة جروسناتها فى العدو و مطاردتهما الشرسة لنا.
مطعم الفيل و " التقل " فقد كانت هدفا متواصلا لغزواتنا و ذلك لكبرسن جرسوناتها، احجامهما الضخمة و عجزهم عن مطاردتنا.
غزوات المطاعم كانت تتم مرة او مرتين فى الشهر وتزداد وتيرتها فى ايام عطلات المدارس،كنا نأتى الى المطعم مجموعة تتكون من خمسه أو سبعه أشخاص.أكبر شخصين من المجموعة كانوا هم الرؤساء و يضعون تفاصيل الخطة وهى غاية فى البساطة.كنا ندخل المطعم و نطلب اصناف شهية من الطعام ك " الكبده "، " الشيه " و بالطبع الفول " المصلح ".كان لكل مطعم بابان شمالى و جنوبى و كان حوض الغسيل يقع عند الباب الشمالى الذى يفتح على الشارع الصغير اما صاحب المطعم فهو يجلس امام الباب الجنوبى لمحاسبة الزبائن.
عند اقتراب انتهاء الطعام يطلب منا الرؤساء الذهاب للغسيل ثم " الزوغان " فى ظلام الشارع الضيق،كان الجرسونات لا يرتابون كثيرا طالما الكبار لا زال يأكلون و سيقومون بدفع الحساب كما هو متعارف عليه فى المطاعم.ينتهز الكبار انشغال الجروسنات بامر ما، و ينهضون متظاهرين بالذهاب لغسل أيدهم ثم يهربون.عندما ينتبه الجروسنات و صاحب المطعم لهروبنا و ابتداء المطاردة نكون قد قطعنا مشواراً طويلاً فى أزقة الحى الغارقة فى الظلام و يصعب اللحاق بنا أو القبض علينا.


" العجلاتيه "
فى سوق الموردة كانت هنالك محلات تقوم بتأجير ، اصلاح و صيانة العجلات معظم زبائنها من الأطفال و الشباب،أشهر العجلاتيه كان مدنى محمد طه،حسن حسين و الكودة.قيمة اجار العجلة لنصف ساعة كانت قرشين و هى تعادل المسافة ذهابا و ايابا من سوق الموردة وحتى مُشرع " ابورف " قرب شجر " اللبخ " و كان ذلك مشوارنا المفضل.كنا فى كثير من الحالات لا نقوم بارجاع العجلات فى زمنها المحدد و لذلك لكثرة التجول فى احياء امدرمان. لاننا لا نملك قيمة التأخير فى هذه الحالات كنا نسوق العجلة بسرعة فائقة تجاه الدكان ثم نقفز منها و هى متحركة بطريقة " اكروباتيه " و نلوذ بالفرار.كان من يقع فى يد المعلم متأخرا و يعجز عن الدفع يقوم المعلم بجلده ب " وصلة " منفاخ العجلات خمسة جلدات عن كل نصف ساعة، و كان ذلك عقابا مخيفا حسب تجارب الآخرين.
كنا فى العادة نقوم بتاجير العجلات من " مدنى محمد طه " فهو غير انه – طيب - فدكانه يقع فى مواجهة حديقة الموردة و من بعدها البحر فيسهل الهروب عند التأخير، اما دكان الآخرين فيقعان فى منتصف سوق الموردة و يمكن القبض على الشخص الهارب بسهولة.فى احدى المرات أجبرتنا الظروف أنا و صديقى على تأجير العجلات من دكان حسن حسين و قد تأخرنا بعد حوامة طويلة شملت " كوشة " الجبل و أمبده وكانت حله صغيره فى بدايتها.اتينا متلصصين لنترك العجلات و نهرب و لسوء حظنا كان المعلم يجلس فى مكان بقرب دكانه فشاهدنا و قبض علينا قبل الهروب.بما أننا كنا لا نملك قيمة تأخير العجلات و كان مبلغا ضخما فقد قرر جلد كل منا عشره جلدات.لم يكن هنالك منفذ للهروب فالباب واحد و نحن داخل الدكان فاستسلمنا لمصيرنا و الرعب يتملكنا.فى تلك اللحظات دخل الدكان أحد مشاهير الموردة و جارنا فى الحى الرجل المهاب على جوهر المشهور ب " شامبى " و كان صديقا لحسن حسين،سأله عن الحاصل فأخبره اننا قد تأخرنا ساعة كامله.
أخذ " شامبى " المعلم على جانب و تحدث معه هامسا،بعدها أتى المعلم الينا و أخبرنا بصوت رهيب انه قد قرر العفو عنا هذه المرة و لكن اذا تكرر منا هذا الفعل فسوق يقوم بجلدنا خمسين جلدة.لم اذهب قط لدكان حسن حسين مرة أخرى كما لم أقم بعد ذلك بتأخير أى عجلة !
شيئا واحدا تأكدت منه عند تقدم العمر و السن، و هوأن اصحاب المطاعم و مالكى محلات العجلات لم يكن قصدهم الانتقام أو العقوبه فى حد ذاتها،فقد كانوا يطعمون من لا نقود له بالاضافة الى انهم يعلمون أننا من ابناء الحى. كان الهدف أن نتعلم أن لانحتال او نأخذ " نختف " حق الناس بالباطل.استوعبنا الدرس لاحقا.


عدنان زاهر

جرسون: نادل
موتر: موتر سايكل
التقل:نوع من القرود ضخم الجثة
مُشرع ابوروف:موقع قرب النيل فى حى ابوروف للمعدية، لعبور النيل الى شمبات و ذلك قبل انشاء كبرى شمبات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.