من خلال معاشيتى لنظام حكم الجبهة القومية السودانية ( بمختلف فروعها و مسمياتها ) و من خلال متابعتى لمناهج ادارتهم للحكم الذى أفرز فساداً سرطانياً لم يعهده السودان من قبل فى تاريخه،أرتكاب جرائم تخالف المالوف و تنتهك ما تعارف عليه الناس،حروب و تصفيات عرقية فى أجزاء من الوطن، الأعتداء على المال العام و الخاص بالآخرين،و يتزامن مع كل ما ذكرته سلوك شخصى يتصف بالعنجهية،التعالى، النفاق،الكذب و احتقار الاخرين..........كل ذلك جعلنى ارتاب كثيراً فى الأسلام " الشكلانى أو الكيزانى " المتمثل فى علامة سوداء فى الجبين،دقن مسترسلة و " سبح " مزوقه باشكال و أحجام مختلفة تحملها الأيادى.

يدخل فى تلك الحواجز التى بنيت بينى و الأسلام " الشكلانى " تلك التعابير التى أصبحت ممجوجة من كثرة تكراروزيف استخدامها، مثل يا " شيخنا "، و " جزاك الله كل خير " بالأضافة الى كل ذلك و امعاناُ و تفننا فى الزيف و تأصيلا له، استخدام مواعيد الصلوات بدلاً من الساعة !........عندما تدفعنى الظروف للتعامل مع عينة من هؤلاء البشر أحافظ على الدوام علي ترك مساحة ماهلة بينى و بينهم، تكفى بادارة ظهري اليهم مبكراً عند أول محاولة للاحتيال.ذلك التقييم و التنميط كان قاصراً فى مخيلتى على أخوان السودان حتى مررت بالتجربة التى سوف أقوم بحكيها.
خطرت بذهنى كل تلك الأفكار و هو يجلس فى مواجهتى تكسو جبهته علامة سوداء كبيرة و دقن تستوعب جزاءاً كبيراً من وجهه و تبدو على سيمائه الهدوء و الوقار.كان يعمل معى فى نفس المكان و عندما علم أنى مسلم و من السودان، صار يكثر من التودد الى و محاولاً التقرب الى بشتى الطرق.قبل الاسترسال فى الحكى جدير بالاشارة هنا ان مدينة تورنتو بكندا و التى أسكن بها مدينة مفتوحة ،أساسها و فلسفتها التنوع و احترام الآخرين.
لست معتاداً على خلق علاقات مع الآخرين استناداً على الدين،العرق،اللون أو الوضع الأقتصادى الاجتماعي.العلاقات وفقا لمفهومى تبنى و تنشأ على أسس انسانية، الفهم المتبادل للاشياء و المواقف الثابته المبنية على المبادئ فى الحياة.
ظروف العمل فرضت علئَ اقامة شكل من أشكال العلاقة مع ذلك الشخص و لعل الفكرة فى استمرار التعامل معه، انني كنت عن قريب سأترك العمل فى ذلك المكان الى موقع جديد و منهياً لهذه العلاقة التى فرضت على فرضاً.
هو مسلم من الهند مدينة " حيدر أباد "،ذكر لى و هو يعرفنى بنفسه انه من أسرة يرجع اسلامها لمئات السنين كما أن نسبه يمتد و يرتبط مباشرة بفاطمة الزهراء !.......لم أندهش لتعريفه المفخم و قد لاحظ هو ذلك و أنا اقول لنفسى (يعنى شنو!..... فهو لا يعلم ان نصف الشعب السودانى يرجع نسبهم مباشرة الى العباس عم النبى )!!
من خلال وجودى معه كان فى أوقات فراغه يستمع الى ترتيل القرآن بشكل منتظم من " موبايل " يحمله معه طيلة الوقت.كنا أحياناً نتبادل النقاش فى شئون الدين،المذاهب الأسلامية،الحديث،الفقه،تاريخ الأسلام.....ألخ عندما أحس بمعرفتى للاسلام صار يعاملنى باحترام بالغ مع تقديم كلمة " شيخنا " فى مقدمة الخطاب و ذاكراً فى احد المرات ( انت بتعرف دين كويس )!
رددت عليه دون أن أكون مخططاً لذلك ( كل السودانيين بفهموا و بعرفوا دين كويس الا الناس الحاكمننا ديل )....فقر فاه مندهشاً و من جانبى لم أعره انتباهة.
سألنى مرة عن كيفية تعليم الدين فى السودان،فذكرت له فى الماضى كان يرسُل معظم الأطفال الى الخلاوى لتجويد القرآن و تعلم اللغة العربية تمهيداً للالتحاق بالمدارس المنتظمة،لذلك نادراً أن تجد أحد من ذلك الجيل لا يحفظ شيئاً من القرآن كما أنهم يتمييزون بالايمان الفطرى و الحقيقى الذى لا يتخذ من الدين وسيلة للكسب،الدجل و خداع الآخرين كان يستمع الى أقوالى و يهز رأسه موافقة.
فى ذلك اليوم كنا نجلس فى المكتب فى احدى فترات الراحة،استأذننى فى انه يريد سماع بعض القرآن دون وضع السماعه فى اذنه،اذنت له خاصة أن لا أحد كان يجلس معنا فى المكتب.قام بفتح " الموبايل " بصوت منخفض و هو ينظر الى شاشة الكمبيوتر التى أمامه.كان المقرئ يرتل القرآن بشكل مؤثر،عذب الصوت،واضح المخارج متمكناً من التجويد.سألته عن أسمه فذكره مضيفاً انه سعودى الجنسية،فقيه،عالم و مرتل مجيد.
لاحظت أن كل السور المختارة و التى يقوم بسماعها ترجع للفترة المكية،تناقشنا فى الفرق بين الآيات المكية و المدنية تلك التى تنص على الأحكام فى مجتمع المدينة الناهض.كان حينما يستمر النقاش لفترة من الزمن يقوم بايقاف الصوت حتى ننتهى من نقاشنا.
جاءت احدى الصور و كان المقرئ يرتل بصوت شجى و منفعلاً حتى خنقته العبرات و تهدج صوته كالحالات التى تنتاب المتصوفة.كان صديقى يرتل من خلفه و يبدى استحسانه بكلمات مؤثرة و هوينظر الى شاشة الكمبيوتر،حتى انتابته فى لحظات نفس حالات الجذب الصوفى.
تأثرت بالموقف الذى يجرى أمامى تأثراً كبيراً،ثم قررت فجأة و فى تلك اللحظات أن أشاهد المقرئ و هو يتلو،نهضت ووقفت خلف صديقى دون أن ينتبه لتحركى المباغت،وجدته لدهشتى يشاهد فى مبارة لكرة القدم فى الدورى الأنجليزى.كان ذلك صباح السبت و هو الوقت الذى اعتاد أن ينقل فيه التلفزيون الكندى مباريات الدورى الأنجليزى !!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.