داومت على ممارسة هواية صيد الاسماك لفترة تمتد لخمس عقود أى منذ خمسينات القرن الماضى.موقع المنزل بقرب شاطئ النيل لعب دوراً مؤثراً فى ذلك،فقد تعلمت الهواية من اشقائى الكبار. تعرفت على كل أسماك النيل ، مواسم تكاثره و طرق صيده ،الطعم الذى يحبذه و يلتهمه بشراسة و حتى طريقة أكله للطعم داخل المياه و تلك فراسة و مهارة لا يتقنها و لا يعرفها الا من له علاقة طويلة بالبحر و الصيد .مررت تلك الخبرات بدوري بعد ذلك لابناء أخواتى الأصغر سناً و من ثم أصبحت هواية داخل الأسرة الممتدة تتوارث جيلا بعد جيل.

بدأت الحكاية عندما زارنى ابن أختى فى مهجرى البعيد،عند سؤالي عن الحال والأحوال .... سألته بالطبع عن " البحر " و اخبار الصيد و السمك.
رد علئ بجدية، حزن و مرارة تلمستها فى صوته رغم سخريته (سمك بقه مافى فى البحر يا خال، ِكمل )!........ قلت محدثاً نفسى دون أن أنظر اليه ( ناس الجبهة "الأخوان المسلمين " ديل نهبوا كل شئ فى السودان،كمان قبلوا على سمك الله ....... كملو )!
ذلك الرد برغم وقعه الأليم،ازدياد وتائر القلق فى نفسى، لكنه كان محفزاً لى عند زيارتى للسودان للتأكد من تلك المقولة......... ( السمك ِكمل )!
- كنت أخرج يوميا فى الصباح الباكرلممارسة هواية صيد السمك بالقرب من المنزل، فى موقع كان حتى القريب " مضرباً " مثالياً لصيد السمك.كنت أعود خالى الوفاض و فى أفضل الأحوال أقوم باصطياد سمكه أو سمكتين صغار من فصيلة " القراقير " أقوم باعادتهما الى الماء.
- عند عدم ذهابى للصيد استعيض عن ذلك بالذهاب الى " ملجة " السمك بالموردة، و هى مكان لشراء و بيع جميع أنواع الاسماك يأتى اليه الناس من مختلف الامكنه كما هى أيضاً مؤشر لقياس كمية السمك، انواعه و أسعاره فى كل المواسم.فى تلك الزيارات التفتيشية لم أشاهد فى جولاتى تلك، غير صغار السمك مع أختفاء بعض الأسماك كلية من السوق مثل الدبسه، البنى،القلباوي، التامبيره، البتكويه، دبيب البحر، النوق، رأس الحجر، الكدن، الخرشه حتى العجل، البياض و الشلبى أصبح وجودهم نادراً.شاهدت بعينى أسماك البلطى التى لا يتجاوز طولها أصبع اليد تنظف بطريقة محددة لتباع بعد تحميرها كسمك " فيليه ".
- كنت أيضا أقوم مع أحد الأصدقاء القدامى من رفاق الصيد- يمتلك زورق قديماً و مطعم صغير فى سوق الموردة تقدم به وجبة أسماك – برحل للصيد فى النيل مرة أو مرتين فى الأسبوع.كنا فى تلك الرحلات نجوب جميع أمكنة الصيد المعروفه على ضفاف النيل الأزرق و الأبيض بناءاً على المعلومات المتاحة التى يتبادلها هواة الصيد عن أماكن تواجد الاسماك .كانت تلك الرحلات تمتد لساعات طوال بين سته وعشرة ساعات ،مع كل الساعات الطوال و الجهد المبذول كنا نعود خالى الوفاض، و فى أحسن الاحوال سمكة أو سمكتين صغار الحجم.حصيلة هذا الصيد مقارنة بما كنا نصطاده فيما مضى، يجعل كل شخص مهتم باسماك النيل و ثروته منزعجاً و محبطاً!!
- أخبرنى صديقى بظاهرة جديدة فى دنيا الصيد، و هى ان الذين اقتحموا مجال صيد السمك للتجارة و الاستثمار،و لتلاشى الاسماك فى نطاق العاصمة و ضواحيها،أصبحوا يستأجرون الصيادين الهواة بعد توفير كل احتياجاتهم و من ثم ارسالهم لمناطق قرب مدينة " الجبلين " للصيد ب " البكارة "، و المرور عليهم يومياً لتجميع حصيلة الصيد !!
الاسئلة الكثيرة التى تخطر بذهن المتابع المندهش.............. ماذا حدث ؟! كيف و أين أختفت أسمك النيل و تناقصت ؟!.......كيف تم ذلك ؟....من هو المسوؤل ؟هل توجد طريقة لتلافى الكارثة و شكل للمعالجة على المستوى الآنى و البعيد ؟
أحاول أن أقوم بالاجابة على تلك الاسئلة دون ترتيب، و ذلك من خلال الممارسة، التواجد اليومى،المشاهدة، الخبرة و من ثم أراء بعض خبراء الصيد الذين مارسوا مهنة الصيد طيلة حياتهم فى نواحى النيل المختلفة و لا زالوا متواجدين فى المجال.
الأسباب
- الصيد الجائر و العشوائي
وأعنى بذلك الصيد بشكل عشوائى دون مراعاة للنظم و الضوابط مع تجاهل،عدم الانتباه للحفاظ على الثروة السمكية و يشمل ذلك نوع السمك،الحجم و مراعاة موسم التكاثر، مما أدى الى القضاء على انواع كثيرة من الاسماك.
- نوع الشباك المستعمله فى الصيد
استخدام الشباك ضيقة " الفتحات " فى الصيد و الممنوع استخدامها قانونا لأنها تعمل على حجز السمك صغار الحجم، مما يؤدى لمنع التكاثر و النمو، و ذلك بالضرورة يفضي فى نهاية الامرعلى القضاء تدريجياً على الثروة السمكية.
- عدم تواجد السلطات المناط بها مراقبة و ضبط الصيد فى أماكن تواجد بيع السمك،أماكن الصيد و مراقبة أدوات الصيد و كذلك رخص الصيد .
- اهمال السلطات المختصة تطوير و تحديث موارد صيد السمك من خلال الخطط و الدراسات.
- بيع الاسماك صغيرة الحجم فى سوق الاسماك لاستخدامها فى المطاعم كسمك "فيليه "!!.....أو أن تجد سمكة عجل صغيرة الحجم تباع لتطهى ك " صير "...! مع العلم أن سمك العجل يكبر حتى يصل حجمه مائة و عشرين كيلو جرام ......ذلك بالطبع يتعارض مع المنطق و التفكير السليم.
- الأعتداء على النيل بتجريفه،انشاء مواقع للترفيه على امتداد النيل دون دراسة تعنى بتكاثر الثروة السمكية و الحفاظ عليها، أماكن توالدها، تجمعها فى مواسم تكاثرها، يضاف الى كل ذلك رمى مخلفات تلك المطاعم داخل النيل مما يعمل على القضاء على الاسماك.
- تلاشى واختفاء تقاليد الصيد " المعروفة " مثل ارجاع السمك صغير الحجم للماء مرة أخرى، و كذلك الصيد و الكمية حسب الحاجة.
- دخول انماط جديده من المستثمرين " الأثرياء الجدد " فى مجال السمك، لا هم لهم غير الربح السريع و باى طريقة كانت، دون مرعاة لقوانين الصيد أو أعرافه.
المعالجات المقترحة
هنا بعض المقترحات للمساهمة فى الحفاظ على الثروة السمكية استخلصت من خلال التجربة،كما ساهم فى اثراءها بعض الصيادين الحريصين على الحفاظ على ما تبقى من ثروة سمكية.
- الزام الجهات المناط بها ضبط الصيدعلى تطبيق تشريعات الصيد بصرامة كاملة و أنفاذها.
- تنظيم صيد الأسماك فى أشهر التكاثر و النمو و هى تلك الأشهر الممتدة من شهر نوفمبر حتى يونيو و ذلك بتحديد نوع،حجم الاسماك المسموح باصطياده، مع المنع الكامل باصطياد الأنواع الأخري من السمك.
- العمل على انشاء جمعيات للصيادين مع اقامة مزارع للاسماك لهم بشكل دائم لمساعدتهم فى موسم الندرة و منع الصيد.
- أعفاء الصيادين من الرسوم فى موسم الندرة و منع الصيد.
- تكوين جمعيات للأرشاد و توعية الصيادين، و امدادهم بالمعلومات الكافية لكيفية ترقية الصيد و الحفاظ عليه للأجيال القادمة.
هذه بعض المقترحات، بالطبع قابلة للاضافة و التعديل.....و فى ذهن الكاتب الخوف.... أن يأتى وقت - قريب جداً - تنعدم فيه أسماك النيل، يصبح نهر النيل ( للفسحة و الفرجة ) فقط، هذا اذا اُتيح و سُمح للمواطن الوصول الى شاطئيه، الذى أصبح حكراً لطفيليى الرأسمالية الاسلامية.....الأثرياء الجدد !!

عدنان زاهر
مايو 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////