أعيد نشر هذا المقال الذى قمت بنشره قبل عشرة سنوات بمناسبة مرور 119 عاما على معركة كررى، مع تعديلات بسيطة فى التواريخ و أحوال البلد تتدهور وتسير بخطى حسيسة نحو الخراب الشامل ( الدولة الفاشلة )!

 





حرب النهر...عنجهية المستعمر!
119عاما على معركة كرري

( وهكذا انتهت معركة أمدرمان أكبر اٍشارة لاٍنتصار العلم على البربرية، في زمن قدره خمسة ساعات تم القضاء على أكبر قوة وحشية تواجه قوة أوربية، وتم تشتيتها بدون صعوبة،مع مخاطرة صغيرة نسبيا وخسائر لا تذكر للمنتصرين )
تشرشل - حرب النهر


هنالك ثلاث أسباب دفعتني لاٍعادة قراءة هذا الكتاب ومن ثم اٍستعراضه والتعليق عليه بشكل مختصر في هذا الوقت بالتحديد.
السبب الأول: أن 2 سبتمبر 2017 يعلن عن مرور 119 عاما على معركة كرري (1898 -2017) والتي حصد فيها رصاص المستعمر في وحشية ، تحلل اٍنساني وعنجهية اٍنتقام دموي ومن الساعة السادسة صباحا حتى الحادي عشرة والنصف أي خلال خمسة ساعاات أرواح 10000 مقاتل سوداني وجرح أكثر من 160000 مقاتل. وقد كتب تشرشل معلقا عن تلك اللحظات بقوله (قفل سير كتشنر نظارته وعلق بأنه يعتقد أن العدو قد "تلقى تعفيرة جيدة" وأعطى أوامره للألوية لمواصلة مسيرتها لأمدرمان". ) تلك المجزرة البشعة التي قام بها الجيش الاٍنجليزي المصري الغازي قد تركت تأثيراتها اللاحقة على الوضع السياسي ، الاٍقتصادي والنسيج الاٍجتماعي في السودان. كما أنني أعتقد جازما أن اٍعادة قراءة تلك المعركة والتفكير بتأني في الأسباب التي أدت اٍلى الهزيمة يساعد كثيرا في تفهم الآني واٍمكانية الخروج من مأزقه .

السبب الثاني: الكتاب يستعرض حقبة غنية بالأحداث العالمية ويكشف – حتى دون قصد من المؤلف – طبيعة تمدد الرأسمالية، جوهرها الثعباني والشراسة التي يمكن أن تصل اٍليها "بكل أشكال تطورها" في الحفاظ على مصالحها ومكاسبها والنهم الدموي في البحث عن الموارد والأسواق وتوزيع خرطة العالم كغنائم، حتى ولو أدى ذلك لتدمير شعوب وفنائها.
(بصرف النظر عن العلاقة مع مصر فأن بريطانيا قد استولت على اٍقليم مترامي الأطراف ومن السهل المبالغة في تقدير قيمته ولكنه كان مطمعا لكل القوى الكبرى في أوربا. أن سياسة السيطرة على مصادر المياه الكبيرة التى سار عليها الساسة البريطانيون، بدون وعي أو عن اٍدراك عميق والتي تم تنفيذها خلال القرون الثلاث الماضية قد تقدمت طفرة اٍلى الأمام. بريطانيا سوف تستفيد تجاريا من وادي النيل، البضائع الاٍنجليزية يمكن أن تمر عن طريق النيل والوسيلة المكملة له، السكك الحديد، لتبادل منتجات البلاد الباردة مع منتجات أقاليم مدار السرطان، يمكنها أن تستقل الرياح الشمالية لتحمل الحضارة اٍلى الجنوب، وتمكن مياه النيل من حمل الثروة والتجارة اٍلى البحر.) حرب النهر – ص 328

السبب الثالث: أن كثير من الأحداث التي تطرق اٍليها الكتاب عن تاريخ تلك الحقبة، تساعد بشكل ماهل المتابع السياسي والتاريخي على فهم وتحليل كثير من الأحداث التي تلتها، تعقيداتها، تعرجاتها وسكونها المحايد المتآمر في بعض الأحيان .
يعد كتاب " حرب النهر " لسير ونستون تشرشل أحد الكتب الجديرة بالاٍطلاع، بالرغم مما يحتويه من آراء مستفزة بحق السودانيين - باعتباره يتناول، يلقي الضوء ويؤرخ لفترة مهمة في تاريخ السودان. بهذا الفهم فالكتاب لا غنى عنه للمهتمين بدراسة تاريخ السودان وتطوره السياسي والاٍجتماعي. وحسب علمي فقد احتل الكتاب مكانا مرموقا في أرفف مكتبات المثقفين في منتصف القرن الماضي. وبالطبع لم يكن هنالك كبير عناء في الاٍطلاع عليه واللغة الاٍنجليزية هي السائدة في معاهد التعليم المختلفة والتي كانت تدرس بها كل المواد حتى نهاية ستينات القرن الماضي.
أمامي نسخة مترجمة لهذا الكتاب صدرت من الهيئة العامة المصرية للكتاب -2002- سلسلة تاريخ المصريين!! بعنوان "حرب النهر" وقد قام بالترجمة الأستاذ عزالدين محمود وهو سوداني وحفيد الأمير ود أرباب أحد قادة الثورة المهدية كما جاء في مقدمة النسخة المترجمة. ولحسن الحظ فقد اطلعت على الكتاب بلغته الأم وذلك ساعدني كثيرا في هضم الكتاب ومن ثم القدرة على تقييم الترجمة. في رأيي أن الترجمة جيدة – وهذا رأي قارئ وليس متخصص – وقد بذل المترجم جهدا مقدرا حافظ فيه على مضمون الكتاب دون تعسف يضر بالمعنى ، كما راعى فيه نقل الصور الشاعرية التى زخر بها الكتاب وذلك بالضبط هو المطلوب .
لقد كتب تشرشل هذا الكتاب في العام 1899 وهو في الخامس والعشرين من عمره خلال تواجده مع فرقته العسكرية في الهند وقد استند في كتابته على المعلومات التي اٍستقاها من اللورد كرومر الحاكم الفعلي لمصر في تلك الفترة، قلم اٍستخبارات، المعلومات المستمدة من الآخرين ومن ثم مشاركته هو شخصيا في معركة كرري. الكتاب يؤرخ لأحداث جرت وقائعها في اٍنجلترا، مصر والسودان، ولكن الطرح يؤرخ بشكل أساسي للسودان ودولته الوطنية والفتية في ذلك الوقت – نشأتها، تطورها وزوالها – وهو بهذا الفهم يدخل ضمن تاريخ السودان .
في تقديري أن تقديم سيرة مختصرة لمؤلف الكتاب سوف تساعد القارئ على فهم بعض الآراء الموغلة في تطرفها والتي احتوتها دفتي الكتاب، كما أنها تقرب من جانب آخر فهم وجهة نظري .
مؤلف الكتاب هو اللورد ونستوت تشرشل، سياسي ومؤرخ تاريخي وكاتب سيره. اٍبن لأسرة اٍنجليزية محافظة ترجع أصولها لمئات السنين وكان والده اللورد راندولف سياسيا منتميا لحزب المحافظين. ولد تشرشل في العام 1874، تخرج من كلية سان هيرست وكان مستواه عاديا في دراسته بمعنى أنه لم يكن متفوقا. عمل ضابطا ومن ثم مراسلا صحفيا لبعض كبرى الصحف الاٍنجليزية في حرب البوير. اٍنتمى لحزب المحافظين لاحقا وتقلد كثيرا من المناصب المرموقة في الدولة، وأصبح رئيسا لوزراء بريطانيا. شارك في معركة كرري.قاد بلاده اٍبان الحرب العالمية الثانية في حربها ضد النازية ولعب دورا كبيرا ومقدرا في اٍنتصارها. حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1953، أصبج رئيسا للمعارضة في عام 1954. توفي في العام 1965 ويعد من أهم الشخصيات العالمية في القرن العشرين. له أكثر من 50 مؤلفا في التاريخ ، السياسية والسيرة .
هنالك شيئان يميزان مسيرة حياته: 1) أسفاره الكثيرة والمتعددة في أنحاء كثيرة من العالم ومشاركته الشخصية في الكثير من الأحداث العالمية. 2) مواقفه المتشددة والموغلة في التطرف والميل لاٍستخدام القوة، ويمكن ذكر أمثلة لبعض تلك المواقف المتشددة:
أ) كان من مناصري الحركة الصهيونية في فلسطين عام 1921.
ب) كان معاديا للتنظيمات العمالية وعمل على قمع الاٍضراب العمالي في جنوب ويلز باٍستخدام الجنود.
ج) كان من أكثر المعادين للاٍشتراكية .
د) وقف ضد اٍستقلال الهند من اٍنجلترا.
و) كان واحدا من مهندسي الحرب الباردة في القرن العشرين.
ي) كان من أشد المناصرين لصناعة القنبلة الهيدروجينية .
كتاب حرب النهر يتعرض في بدايته وفي خطوط عريضة لبداية الثورة المهدية، ثم يتحدث بعد ذلك عن مقتل غردون، لكن الكتاب في الأساس يؤرخ للحملة الاٍنجليزية المصرية لاٍعادة فتح أو غزو السودان واٍستعماره. الكتاب يغطي الفترة التاريخية من العام 1896 وحتى معركة كرري عام 1898 ومن ثم مقتل الخليفة عبدالله في أم دبيكرات عام 1899.
من خلال سرده تعرض الكاتب لبداية التحضير لغزو السودان والتجهيزات التي تمت للحملة، ثم تعرض للمعارك الأساسية التي خاضها الجيش الغازي ضد قوات المهدية في فركة، دنقلة، معارك نهرعطبرة وأمدرمان. الكاتب حكى باٍسهاب عن كيفية مد خط السكة الحديد الذي كان متزامنا مع سير الحملة والجهد الذي بذل في مده وانسيابه والدور الذي لعبه الخط في الدعم اللوجستي للحملة. في سرده تعرض لبعض أحوال وسير القبائل في السودان، بعض أسرار حكم الخليفة والصراعات التي كانت تدور في ذلك الوقت. لمس بشكل أو بآخر بعض الجوانب الاٍجتماعية في المجتمع السوداني، تعرض بتفصيل لمعركة كرري بجوانبها العسكرية والسياسية.
لا بد لنا هنا أن نذكر أن الكاتب كان أمينا عندما أشاد بشجاعة الجندي السوداني وقدرته على التضحية والدفاع عن وطنه. كما حوي الكتاب على نص اٍتفاقية السودان 19 يناير 1898 واٍعلان مارس سنة 1899. قبل التعرض لبعض القضايا التي انبثقت في ذهني وأنا أعيد قراءة هذا الكتاب حول عجز الفكر الشمولي وفقره ، التنوع والوحدة الوطنية وأخيرا السياسة الخارجية التي يشكلها موقع السودان الاٍستثنائي ودورها في اٍستقرار الحكم ، لدي بعض الملاحظات على هذا الكتاب :
1 - الكتاب ملئ بالتفاصيل المملة، وبالرغم من أهمية ذكر تلك التفاصيل أحيانا عند الكتابة اٍلا أنها في أحيانا كثيرة تثقل على القارئ وتقود اٍلى توهانه وفقدان اٍهتمامه بما يقرأ. التفاصيل الكثيرة التي ملئت دفتي هذا الكتاب جعلته أشبه بالبلاغات العسكرية، وهنا يظهر جليا طغيان المهنة العسكرية على الكاتب .
2 - الكاتب ملئ حتى النخاع بالعنصرية والروح الاٍستعمارية والنظرة الدونية للآخرين ونورد نماذج على تلك النزعة المستبطنة التي تفضحها كتاباته: ( سكان البلاد الأصليين ينتمون للعنصر الزنجي الأسود كسواد الفحم، أقوياء عقولهم بسيطة، شرسون، يعيشون عيشة اٍنسان ما قبل التاريخ على الصيد والقتال. يتزوجون ويموتون وأقصى طموح لديهم هو اٍشباع رغباتهم الجسدية )!!!
( الجندي الأسود رئتاه حساستان ، أرجله ضعيفة، تكوينه الجسماني غير متناسق. الجندي الأسود سريع الاٍنفعال وغير مطيع يحتاج دائما للنظام الحازم، كان يكره التدريب ويحب زوجاته، شخصية مرحة "سامبو" التي تعادل "توني"، كسول، شرس، طفل غير محترم....الخ )!!
3- الكاتب وقادته الممثلين للرأسمالية في تطورها الاٍمبريالي وقادته الغازين للسودان، اعتبروا وادي حلفا هو الحد الفاصل بين المدنية والهمجية حتى حائط أمدرمان العظيم .
4- الكاتب رغم اِشادته بشجاعة السودانيين اٍلى أنه يكيل السباب المقزع والوصف المسئ لقادة جيوش المهدية دون موضوعية وفي أحيان كثيرة في تناقض واضح، أورد هنا بعض النماذج لتأييد هذا الرأي، قال وهو يصف أحد قادة المهدية في فترة حكم الخليفة عبدالله (ذلك الشاب الفاسق الذي يداوم على شرب الخمر )!! وفي وصف لقائد آخر يقول (كان لتراخى وكسل هذا العربي الفاجر السبب ......)!!
أما الخليفة عبدالله فقد نال قسطا وافرا من حقده وغضبه الدفين (الظالم الجبار، سبة السودان، المتكبر المكروه ، رمز الشر....)!!
5- يحاول الكاتب في تباهي تفخيم الآلة العسكرية الاٍستعمارية مع تقليل وتبخيس لمنجزات الجيوش المهدية ووقفتهم الصخرية في وجه الجيش الغازي. بل وصل به الحد اٍلى وصفهم بالتراخي والاٍستهتار وعدم الاٍستعداد لمواجهة الجيش الغازي وهذا رأيا فيه كثيرا من عدم الدقة،التبسيط و التحيز. ذكر (ظل الدراويش في ربكة يشاهدون ببلادة وتراخي وبلا اٍهتمام كل ما يجري من اٍستعدادت لاٍبادتهم ).
6- يظهر من خلال الكتاب محاولة الكاتب اٍرضاء الشعور الاٍنجليزي – في صالونات لندن في ذلك الوقت- المصاب بالاٍحباط وخيبة الأمل، بعد مقتل غردون بواسطة قوات المهدية. وذلك بتضخيم قوة الجيش الغازي والتقليل والتهكم وحتى الشماتة من قوات المهدية الذين اٍستطاعوا اٍذلال الاٍمبراطورية البريطانية .
7- الكاتب بالرغم من اٍدعاءه الموضوعية اٍلا أنه غض الطرف عن ما جرى بعد انتهاء المعركة و اٍستباحة الغازي لمدينة أمدرمان، ارتكبت فيها قواته كثيرا من الفظائع التي تتناقض واٍدعاءاته " التحضر والاٍنسانية التي يتصف بها المستعمر الغازى " .
بعد تعرضنا المختصر لبعض ما احتواه كتاب حرب النهر والوقوف في بعض من محطاته، نريد أن نقول – وبصرف النظر عما كتبه تشرشل – فأن تلك المعركة الحزينة التي دارت رحاها على ضفة النهر الغربي لمدينة أمدرمان ورغما عن بسالة وتضحية الجندي السوداني كانت هزيمة واضحة للدولة السودانية الفتية كما هي هزيمة لمنهج الحكم والتفكير. ودون الدخول في تجربة اٍعطاء دروس وعبر مدرسية أو اٍدعاء الأتيان بحقائق جازمة لا تقبل الجدل والمناقشة فأن تلك الحقبة من التاريخ السياسي قد أفرزت مؤشرات تستدعي تحليلها وتفكيكها منعا لتكرارها، وطمعا في استقرار الوطن .

المؤشر الأول: أنه لا يمكن حكم هذا الوطن متسع الأرجاء ومتعدد الثقافات والأديان بفكر شمولي واحد والاٍصرار على عزل الآخرين من المشاركة في اٍتخاذ القرار وشئون الحكم. ودون الوقوع في فخ الاٍسقاط الميكانيكي للماضي على الحاضر، فالدولة المهدية الفتية بالرغم من حصولها في بداية الثورة على تأييد شبه قومي اٍلى أنها لم تستطع اٍستصحاب ذلك الزخم حتى النهاية. كان لاٍنفرادها المطلق بالحكم ونفي الآخرين، والاٍستهانة بالرأي الآخر وعدم القراءة الصحيحة للواقع السبب المباشر للهزيمة في المستقبل .

المؤشر الثاني: اٍن استخدام العنف المنفلت والاٍستبداد بالرأي منهجا – مهما كانت مبرراته – سوف يفضي في النهاية للعزلة والهزيمة. التاريخ يقول أن عنف الخليفة عبدالله قد طال كل القبائل وأن قبضته الحديدة كانت سببا في اٍبتعاد الكثيرين والنفور ثم العداء للدولة. من جانب آخر كان لذلك الشكل الديكتاتوري وعدم سماع الرأي الآخر وقمعه، سببا في اٍنتشار الفساد الذي نخر عظم الدولة. كانت الدولة مهترئة، متفككة الأرجاء وعاجزة عند دخول المستعمر. تلك الدولة التي حظيت بالتأييد شبه الشامل في بداية حكمها كانت تقف وحيدة عند دخول المستعمر .
المؤشر الثالث والأخير: يقول أن الوضع الجغرافي للسودان يفرض عليه واقعا اٍستثنائيا يشكله اٍلى حد كبير الحدود المترامية الأطراف، وأنظمة حكم متباينة متعددة الأطماع. ذلك الواقع بالضرورة كان يفترض على الدولة ممارسة سياسة خارجية متوازنة دون الوقوع في مصيدة عداء الآخر. تجربة الدولة المهدية الفتية كانت فقيرة في ذلك الجانب ،تسبب ذلك الوضع لاحقا في اٍنهاك الدولة وعزلتها.

أخيرا نقول أن الدول العظيمة والمتطورة السائرة قدما اٍلى الأمام ، تقرأ تاريخها بعمق وتمعن، تتفرس فيه بحدة وموضوعية – سلبياته وايجابياته – ثم تقوم بتشريحه وأخذ ما يساعد في مسيرة تطورها، ذلك هو سرعظمة تلك الدول. هل من الصعب أن نقوم نحن بذلك؟!

عدنان زاهر
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.