عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أكدنا في مقالنا السابق الأهمية النوعية لإتفاقية نيفاشا، ولكننا أشرنا إلى أنه لا بُد من تقييم موضوعي ومُراجعة هادئة لهذه الإتفاقية التي سُميت دون وجه حق بإتفاقية السلام الشامل،  إذ أنها ليست شاملة سواءً على المستوى السياسي أو الجغرافي، ودللنا على أنها ليست أكثر من صفقة ثُنائية بين طرفين لا يملكان سوى شرعية البندقية، كما أنها أُبرمت والحرب تشتعل في دارفور بل وأزداد أوارها إشتعالاُ بعد توقيع الإتفاقية المعنية، كذلك أوضحنا بإيجاز أن هُنالك سوء فهم للمصطلحات والمفاهيم الأساسية (المداميك) التي تقوم عليها الإتفاقية، وذكرنا منها: المُشاركة في السلطة والثروة، والوحدة الجاذبة، والمشورة الشعبية. وأخيراً استشهدنا على صحة تحليلنا بالممارسة السياسية التي تجعل كُل طرف يهتم بالجزء الذي يعنيه (وفق التفسير الذي يوافق هواه ومصلحته)، إذ نظرت الحركة الشعبية إلى الإتفاقية بإعتبارها آلية للإستفتاء وتقرير المصير الذي يعني بالنسبة لها "الإنفصال/الإستقلال"، بينما نظر المؤتمر الوطني إلي الإتفاقية بإعتبارها آلية لدوام إستمراره في السُلطة بل وإكسابه شرعية دستورية عبر تحول ديمقراطي شكلي.

لقد أثبتت أحداث الأسبوع الماضي في مسرح العبث البرلماني السوداني، أن الحركة الشعبية لا تتساهل ولا تتنازل (حتى ولو بفاصلة أو شولة) في موضوع تقرير المصير، أما المؤتمر الوطني فهو على إستعداد للتنازل أو الإنبطاح (حسب تعبير الطيب مصطفى) في كافة القوانين، إلا قانون الأمن الوطني أو بالأصح قانون التمكين وتقنين الحُكم الشمولي. ولهذا أتفق الطرفان فقط (لاحظ إنسحاب كافة القوى السياسية من قُبة البرلمان عند إجازة القانونين المعنيين) على إجهاض أهم مسألتين تأسست عليهما وهدفت إليهما الإتفاقية وهُما: الوحدة  والتحول الديمقراطي، فهل بعد هذا الذي حدث، من يُكابر بالقول أنها إتفاقية سلام ووحدة وتحول ديمقراطي ؟؟؟؟، ولا نريد أن نُضيف بالقول أن الأعمال تؤخذ بخواتيمها ونتائجها، وكلُكم رأى بعينيه وسمع بأذنيه نعي كبيرمُساعدي رئيس الجمهورية للوحدة وتباكيه على التحول الديمقراطي وسلام دارفور الذي أجهضه أيضاً نقض المواثيق والعهود.

ظلت إتفاقية نيفاشا منذ توقيعها مثل البقرة المُقدسة التي لايجرؤ أحد على الإقتراب منها، مهما حسُنت نواياه، وظل طرفي الإتفاقية يرضع كلاً منهما من الثدي الخاص به كما أسلفنا، ولقد إستطاع الراحل جون قرنق، بصفاته الشخصية الكاريزمية من مداراة ثغرات وتناقضات الإتفاقية وكان قادراً على لجم قيادات وقواعد الحركة الشعبية الإنفصالية باستناده على تأييد شعبي جارف تمثل في الإستقبال الأسطوري له في 08 يوليو 2005، مما يُثبت أن الجماهير تُدرك بحسها الفطري وتعرف مدى مصداقية من يقودها، ومدى إيمانه بما يُردد من شعارات ووعود.

لقد كان الغياب الفاجع لقرنق قاصمة الظهر لوحدة السودان التي ووريت الثرى يوم أن توسد حادي السودان الجديد تُراب ضريح مدينة جوبا. والمؤسي والمؤسف أن أتى هذا الغياب في لحظة تاريخية فارقة، وأقصد هُنا سقوط المشروع الحضاري الإسلامي (هرطقة الإمارة العربية الإسلامية الراشدة في بلاد المؤلفة قلوبهم)، ولذا كان من المؤمل أن يملأ مشروع السودان الجديد هذا الفراغ ، ولكن غاب قرنق فغاب معه مشروع السودان الجديد، ودخلت البلاد في متاهة "الغياب الفاجع والفراغ العريض" الذي لا يعرف أحد مداه أو كيفية الخروج منه.

كتب الدكتور/ الواثق كمير" وهو رجلُ خبز وعجن مشروع السودان الجديد ويؤمن به إيمان العشرة المُبشرين بالجنة" مقالاُ نابهاً الأسبوع الماضي بعنوان "الحركة الشعبية وضرورة العودة إلى منصة التأسيس"، ومع الإتفاق الكامل مع كُل ما جاء في المقال إلا أن أنني أرى أن الذي ينبغي أن يعود إلى منصة التأسيس ليست الحركة الشعبية وحدها وإنما "كافة قوى السودان الجديد"، فالحركة الشعبية أضيق من أن تستوعب هذه القوى كما أنها بحرصها الشديد على الإنفصال/الإستقلال لم تعد الوعاء التنظيمي الأمثل.

في حال تأسيس تنظيم جديد جامع لقوى السودان الجديد، بدعم ومساندة من الحركة الشعبية وخاصة قطاع الشمال والقوى الحديثة قاطبة دون تمييز، والتي عليها مُجتمعةً قيادة مثل هذا التنظيم، لا بأس من التحالف مع القوى التقليدية الديمقراطية (وأعني تحديداً الحزبين التقليديين) تحالفاً مرحلياً لإسقاط المؤتمر الوطني "حفاظاً على وحدة التُراب السوداني"، لأنه ربما لا يكون السودان مُهيأ الآن لحاكم علماني في هذه المرحلة (بعد الفراغ الذي خلفه قرنق)، الذي كما أسلفنا كان قادراً ومؤهلاً على كافة المستويات والأبعاد، لأن يكون أول رئيس جنوبي/علماني للسودان.

وأخيراً، مالا يدرك كُله لا يُترك كُله، ولنترك قليلاً سياسة القفز على المراحل.