عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

لا شك أن إتفاقية السلام الشامل (CPA) أحدثت تغييراً نوعياً هاماً في طبيعة ومفاهيم صراع المجتمعات السودانية بكافة مكونات هذا الصراع ( السياسي والعرقي والديني والثقافي والإقتصادي والإجتماعي) الهادئ حيناً والمتفجر حروباً أهلية ومواجهات قبلية دموية وثورات شعبية وإنقلابات عسكرية في معظم الأحيان. كما أن السودان لم يعُد ولن يعُد كما كان سابقاً بعد هذه الإتفاقية سواءً في الشمال أو الجنوب أو الغرب أو الشرق أو حتى العاصمة القومية ذاتها (التي أفردت لها الإتفاقية مفوضية خاصة). وقد يبدو الحديث عن إتفاقية السلام الشامل (CPA) الآن كاللعب في الزمن الضائع، خاصة بعد مُضي أكثر من 80% من الفترة الإنتقالية (2005-2011). لقد إنعقدت في الآونة الأخيرة العديد من المؤتمرات وورش العمل والسمنارات داخل وخارج السودان لتقييم إتفاقية السلام الشامل؛ وقد توصلت معظم هذه المنتديات إلى شبه إتفاق فحواه "إن الإتفاقية جيدة وتصلح نموذجاً لعلاج كافة النزاعات السودانية " وعندما تتساءل؛ أليست هذه هي ذات الإتفاقية التي تقودنا بخُطى متسارعة نحو الإستقطاب الحاد والمواجهات المستمرة، بل وتغُذ بنا السير حثيثاً إلى التشظي والتفتت؟؟ تكون الإجابة الجاهزة فوراً "إن العيب في التطبيق وليس في الإتفاقية"، وهذه معزوفة لإسطوانة مشروخة ما فتئ يرددها أنصار كل مذهب مُندثر أو إتفاق متعثر، والغريب أن هذا القول يرُدده بحذفاره الطرفان، "الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني"، ويحاول كلاً منهما تحميل الآخر وزر مآل الأمور، غير مُدركين أو آبهين لحقيقة أن مولودهما (إتفاقية السلام) له أب وأم وليس لقيطاً مجهول الأبوين. كما أنهما ليسا على إستعداد للإستماع إلى أي رأي أو نقد أو مسعى إصلاح، لا بسبب غياب الديمقراطية داخل تنظيميهما فقط (حركة تحرير مُسلح، وتنظيم عقائدي أصولي)، وإنما لأن الإتفاقية تحمل بين طياتها تناقضات تتُيح لكل جهة أن تُفسرها وفق هواها وبما يروق لها، إضافة إلى أن هنالك سوء فهم أو "فوضى" في فهم وتفسير المُصطلحات الأساسية التي تعتبر محاور (مداميك) إتفاقية السلام الشامل. ولئن أسهب المحللون السياسيون (المعارضون للإتفاقية في الشمال تحديداً، ومنهم حلفاء الأمس "واليوم" في التجمع الوطني الديمقراطي سابقاً وتحالف جوبا لاحقاً) في إبراز تناقضات الإتفاقية وذكروا منها، على سبيل المثال لا الحصر؛ إحتوائها على حق تقرير المصير الذي يتناقض مع الدعوة إلى الوحدة "لأنه لا يمكن أن تدعو للشئ ونقيضه في آن"؛ و ثُنائية الإتفاق مما جعله صفقة بين طرفين يستمدان شرعيتهما من فوهة بندقية إنقلابية وأُخرى تمردية (أو تحريرية إن شئت) وبالتالي فلا معنى لوصف الإتفاقية بالشمول في هذه الحالة (والأحرى أن تُسمى ثُنائية)، إما إن كان يقصد بكلمة "شامل" البُعد الجُغرافي فقد تم إبرامها والحرب تشتعل في دارفور، بل واشتد أوارها بعد الإتفاقية، وثمة حديث الآن عن وميض نار تحت رمال كُردفان وشجراً يتحرك في الجنوب الجديد (جبال النوبة والنيل الأزرق)، حتى ولو تغافلت عنه زرقاء اليمامة (أو صهينت !!).

استغل المؤتمر الوطني (الجبهة الإسلامية/الإنقاذ) هذا التناقض أو الإزدواج في بُنية أتفاقية السلام (Structural Defect)، فاهتم بالشق الذي مكنه ويُمكنه من الإستمرار في السُلطة (52%) سعياً وراء تثبيت شرعيته وزيادة حصته في الحكم عبر إنتخابات صورية. وقد وضح هذا جلياً من أول يوم لتطبيق الإتفاق عندما أصر على الإستحواذ على وزارة الطاقة والمالية وأجهزة الأمن والمخابرات، ولا يزال يرفض تعديل قانون الأمن ويراوغ بشأن الكف عن نهب أموال البترول، ليقينه بأن بقاءه في الحُكم مرهون بهذين العاملين (المال والأمن). وعلى الجانب الآخر فإن الحركة الشعبية اهتمت اهتماماً فائقاً بالشق الذي يُدعم ويثبت حُكمها في الجنوب، والعض بالنواجذ على حق تقرير المصير، ولذلك جاء الإهتمام بمسألة التحول الديمقراطي وقانون الأمن في ذيل قائمة إهتماماتها، ولذلك ليس مُستغرباً البتة أن يعود نوابها إلى مقاعد البرلمان فور موافقة المؤتمر الوطني على قانون إستفتاء جنوب السودان (الإنفصال) وقانون منطقة أبيي (الإنفصال أيضاً)، وقانون المشورة الشعبية إرضاء لخاطر (مالك عقار وعبد العزيز الحلو)، أما قوانين التحول الديمقراطي وقانون الأمن الوطني فلا بأس من إنتظارها وتكوين لجان إفلاطونية لدراستها حيث يدور الجدل البيزنطي لشهور وربما أعوام)، ولسان حال الحركة يقول لأحزاب تحالف جوبا "ليكم الله و عيشة السوق"، ومن أراد منكم أن ينجو من قبور نافع وشواهد قبوره "فعليه أن يُحارب قضيته ببندقيته أو مظاهرته". كما أدركت ذلك مؤخراً السيدة الدكتورة/ مريم الصادق!!!.

هذا في ما يتعلق بإحتواء الإتفاقية على الشئ ونقيضه، أما ما يتعلق بسوء فهم أو تأويل أو تفسير المُصطلحات فسوف نتناول أربعة مُصطلحات (مفاهيم) أساسية ما فتئ الشعب السوداني يرددها ليل نهار، بديلاً عن راتب الأنصار وبُراق الختمية (أعمى ومسكو عُكاز)، وهي:-

*- المُشاركة في السُلطة: وفبل أن استرسل في الحديث دعوني أحكي لكم هذه الطُرفة الحقيقية "التقيت في ردهات إحدى المؤتمرات الكثيرة التي تُعقد هذه الأيام عن السودان، بصديق من اللاجئين الجنوبيين الذين كان كغيره من الذين جار بهم الزمان من أبناء الشتات، وكان يرتدي حُلة أنيقة "بدلة وكرافتة آخر صيحة" فداعبته بما معناه ما هذا التبدل الهائل في الملبس "والمسلك أيضاً" فإذا به يرُد بكُل جدية "لقد حاربت لمدة 21 عاماً وحملت البندقية وأنا يافع لكي ألبس هذه البدلة والكرافتة". وأظن أن في قوله الصادق هذا بعضاً من حق وتلخيص لرؤية كثيرين لمفهوم قسمة السُلطة، فهي عندهم ليست سوى مناصب وزارية ومواقع دستورية ووظائف دبلوماسية ومدنية ورُتب عسكرية ورواتب مالية وأنصبة وفق نسب مُقدسة، أما ماهية وكُنه الرؤية التي يتضمنها مُصطلح المُشاركة في السُلطة فعلمه عند علام الغيوب، أو لعله رحل إلى دار الخلود مع من اشتقه وأكسبه شحماً ولحماً (جون قرنق)؛ والسؤال أو التساؤل هو؛ هل قسمة السُلطة تقف عند حد الإستوزار والتوظيف والبحث عن مراعي أكثر إخضراراً (خاصة لأولئك الذين التحقوا بالحركة الشعبية في الدقيقة 44 من الشوط االثاني)، أم أنها تذهب أبعد وأعمق لتعني كيفية مُشاركة جماهير الشعب في الحكم؟؟ وبالتالي كيف يُحكم السودان؟؟ وما هو النظام الأمثل لكي يحكم الشعب نفسه بنفسه؟؟، وكما هو معلوم فهذا غاية مُراد "الديمقراطية"، وليرحم الله الراحل/ جعفر بخيت، الذي اجتهد في وضع حجر أساس الحُكم الشعبي ولكن تنكب من جاءوا بعده الطريق فوضعوا العربة أمام الحصان، وأفرغوا مبدأ حُكم الشعب للشعب من محتواه، فتناسل "سفاحاً" الحكم الشعبي المحلي من ستة أقاليم إلى 26 ولاية (ولاية تنطح ولاية)، وتقلص وتقزم مبدأ المُشاركة في السُلطة إلى إرتداء بذلة وكارافتة يُزين بها صاحبنا طلعته البهية !!!.

*- المُشاركة في الثروة: أما مسألة تشارك الثروة فلم تكن أحسن حظاً من رفيقتها، إذ حصرها القوم في توزيع غنيمة النفط فقط وصار جُل همهم "عودي كم وعودك كم !!"، متجاهلين أن السؤال الأول الذي ينبغي أن يُثار هو كيفية إيجاد هذه الثروة قبل توزيعها، وهذا يستدعي بالضرورة وجود إستراتيجية شاملة للتنمية الإقتصادية الإجتماعية تضع أفضلية للمناطق الأكثر فقراً وتخلفاً، ثم الأهم من ذلك إعادة صياغة علاقات الإنتاج وقوانين الضرائب والمكوس، وتنظيم عوامل الإنتاج (من أرض ورأسمال وقوى بشرية،،، إلخ)، إضافة إلى تبني خُطة واضحة لإعادة الاستثمار في الريف مع الوضع في الإعتبار الإنحياز القصدي والتمييز الإيجابي لصغار المُنتجين من مُزارعين ورُعاة وحرفيين، وبذلك يتسنى إزالة التهميش وما ينتج عنه من غبن وتمرد، وتتحقق شعارات السودان الجديد المتمثلة في المساواة والعدالة والديمقراطية والمشاركة في السُلطة والثروة.

*- الوحدة الجاذبة: وقد أسميناها في مقال سابق الوحدة الكاذبة، ونحمد الله أن قد خفت الحديث عنها وأصبحت في ذمة التاريخ، إذ لم أسمع في حياتي بمصطلح أكثر غموضاً وضبابيةً وهُلاميةً منه، فإن كان من اشتقه يقصد به أن الوحدة تكون جاذبة ببناء الطُرق والمدارس والمشافي وغيرها من العمائر المادية، فنقول له "كضباً كاضب"، فها هي جنوب إفريقيا وقد بلغت ما بلغت من العمران والتقدم لدرجة إمتلاكها للقنبلة النووية منذ أمد بعيد، ولكن رغم ذلك لم يكن شعبها موحداً أو متحداً، ولم تتحقق وحدة دولة قوس قُزح (كِناية عن التنوع) إلا بعد أن قيض الله لها قيادة تاريخية تمكنت من تحقيق المساواة والعدالة والديمقراطية. فالوحدة إذن مبدأ وإيمان ذاتي وليست طوباً وأسمنتاً، في مركز يُحيط به الهامش إحاطة السوار بالمعصم.

*- المشورة الشعبية؛ أخيراً وبعد لأي شديد وجُهد جهيد، تمخض الجبل فولد فأراً، وأدركنا أن المشورة الشعبية تعني وفقاً للمادة 3 من قانون المشورة الشعبية المودع أخيراً لدى البرلمان "يُقصد بها حقاً ديمقراطياً وآلية لتأكيد وجهة نظر شعبي ولايتي جنوب كُردفان والنيل الأزرق (كلاً على حدة) بشأن إتفاقية السلام الشامل". كما نصت المادة 15 من ذات القانون على" خيارات وإجراءات ممارسة المشورة الشعبية؛ 1- عند ممارسة حقهم الشرعي في المشورة الشعبية، تكون خيارات شعبي ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق عبر المفوضية المعنية كالآتي:- (أ) الموافقة وإعتماد إتفاقية السلام الشامل واعتبارها حسماً للنزاع السياسي في الولاية المعنية؛ أو (ب) إعتبار أن الإتفاقية لم تُحقق تطلعات شعب تلك الولاية".    

ولئن اعتبرنا أن هذا القانون "قانون المشورة الشعبية" قد أزال الغموض الذي كان يكتنف مُصطلح المشورة الشعبية، إلا أنه من الواضح أنه يعني ببساطة شديدة إعادة التفاوض حول إتفاقية السلام الشامل (إضافة أو حذفاً أو تعديلاً) في ما يختص بالولايتين المعنيتين، خاصةً إذا إختار شعبيهما أو أحدهما الفقرة (ب) بالمادة 15 أعلاه. وطالما أن هنالك إمكانية لإعادة النظر في الإتفاقية، فلماذا لا تتم مُراجعة إتفاقية السلام بمناسبة مرور خمسة سنوات أبانت نقاط ضعفها وأوجه قصورها (شأنها كشأن أي جهد بشري)، ومن ثم توسيعها وتنقيحها لتتضمن علاج مُشكلة دارفور وبقية الأقاليم والشعوب المُتذمرة الاُخرى، وبالتالي تكون شاملة قولاً وفعلاً؟؟؟!!!. 

 

سوف أتناول في المقال القادم الفراغ العريض الناتج عن سقوط المشروع الحضاري وترنُح مشروع السودان الجديد، وبالتالي غياب مشروع وطني جامع، على غرار العقد الإجتماعي (الثورة الفرنسية) أو ميثاق الحُرية (Freedom Charter) في جنوب إفريقيا.