عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إهداء: هذا المقال تحية لشهيدي الفكر السوداني، عبد الخالق محجوب، ومحمود محمد طه بمناسبة انعقاد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي، والذكرى المئوية لميلاد الأستاذ/ محمود، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال تبني فكر أي منهما، وقد تعود الناس أن يقولوا في مثل هذه المناسبة "شرف لاندعيه وتهمة لا ننكرها" ولكني اُحور القول المأثور إلى "ليس الانتماء لهذين الفكرين تُهمة تنُفى، ولا شرفُ يُدعى"، وإنما لنا مذاهب أُخرى وإن التقينا حيناً وافترقنا أحياناً.
-------------------------------------------------------
أهداني أستاذي سابقاً وصديقي لاحقاً، دكتور/ كامل إبراهيم حسن (الأستاذ الباحث بكلية الزراعة، جامعة الخرطوم)، كتابه الساخر اللماح "الجامع المسبوك بين الساسة والديوك"، والذي أثبت فيه وجود تشابه يصل حد التطابق بين منفوشي الريش من الجانبين، ولكني لاحظت أن أستاذنا وصديقنا، نسي أن يذكر ديكاً هاماً، ألا وهو "ديك الكجانة"، والكجانة لمن لايدري، هي خميرة العيش التي تُصنع منها الخندريس البلدية، وعادة ما يأتي ديك المنزل ويرتشف أو يزدرد منها فـ "يكجن"، ومن ثم يعيث في الأرض فساداً ويرتكب من الجنايات والحماقات ما يستعصي على بصارة الراتق ويصدق عليه المثل الدارج "التسوي بأيدك يغلب أجاويدك"، ولعل "أبعاج أخوي"، كان أكثر ديوك الكجانة ارتكاباً للجنايات والموبقات وهو في تلك الحال من غيبة الوعي، ونحن لا نتجنى على الرجل حتى لا يتشدق مُتشدق ويقول "التور إن وقع، تكتر سكاكينو" (فلقد عارضناه ودخلنا سجونه ونحن زُغب الرياش بالمرحلة الثانوية)، أما عن غيبوبته تلك فقد وثقت لها صحفية مصرية وأكدت بالصوت والصورة أن النميري كان غائباً عن الوعي وهو على منصة القضاء المهزلة بمعسكر الشجرة لمحاكمة/ عبد الخالق محجوب (أحداث يوليو 1971)، ولعل ذكاء النميري لم يسعفه ليتأمل إجابة الشهيد عبد الخالق/ وهو يرد بثبات راكز على الاستفزاز المُبطن عندما سأله ماذا قدمت للشعب السوداني، فأجاب بهدؤ، وهو على البرزخ الفاصل بين الحياة والموت، " الوعي ما استطعت"، ولعل هذا الموقف يشبه في سرياليته وسخريته المُرة الصورة التي رسمها صنَاجة العرب وهو يمدح أحد خلفاء العباسيين:
وقفت وما في الموت شك لواقفٍ  *****   كأنك في جفن الردى وهو نائم
لقد كان نميري في غيبوبته تلك، لا يدري أن أمثال عبد الخالق لا تنجبهم الأمم كل يوم أو كل عام أو حتى كل عشرات الأعوام، وغفل عن أنه من الممكن بناء المصانع وشق الطُرق وتشييد الأبراج الأسمنتية، ولكن قد يمضي قرن كامل قبل أن يجود الزمان بمفكر من طراز عبد الخالق، الذي سبق عصره بعقود طويلة، وما إسهامه الباذخ المتنبئ في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي قبل اثنين وأربعين عاماً "الماركسية وقضايا الثورة السودانية"، إلا دليلاً ساطعاً على تفرده وثاقب فكره وبُعد نظره، وما بريستوريكا جورباتشوف إلا قطرة من فيض راشد، وقل لي بربك ماذا تختلف الاشتراكية الديمقراطية الجديدة في أمريكا اللاتينية "اشتراكية شافيز وموراليس وأضرابهم" عن رؤية عبد الخالق قبل أكثر من أربعة عقود!!!!.
وعلى ذكر المآثر الشخصية، فقد وقر في أذهان السودانيين (عامتهم وخاصتهم) أن الرفاق يمتازون دون غيرهم من ساسة السودان بنظافة اليد والثبات على المبدأ والترفع عن الدنايا والعطايا، وذلك على الرغم من الدعاية المغُرضة التي قادها الدجالون بإسم الدين عن إلحادهم وكفرهم، وقارن يارعاك الله بين قرار الحزب الشيوعي بقفل باب عضويته بعد نجاح إنقلاب مايو 69، حتى لا يندس إليه طُلاب المغانم والاستوزار من الإنتهازيين، وبين حملة الاستئلاف التي ولغت فيها الإنقاذ بعد تمكنها من دست الحُكم بعد يونيو 89، إغراءً للغاشي والماشي وكل كذاب مُنافق أشر.
وعن مناقب الرفاق تذكُرني هنا رواية قصها على مسامعي في عاصمة الضباب عام 1980، المرحوم/ الشيخ رحمة الله؛ المحامي، طيب الله ثراه وكنت حينها طالب ماجستير في جامعة لندن نهاراً، وعامل مطعم في الـ K F C  (كنتاكي فرايد جكن) بمحطة "جلوستر روود" ليلاً، إذ قال الشيخ، أن والدته أتت إليه ذات يوم وهي عابسةً تحمل كل هموم الدنيا، وقالت له دامعة "يا الشيخ ياود بطني، سمعت إنك شيوعي والشيوعيين ديل قالوا بيعرسوا أخواتهم، الكلام ده كيف!!!"، فرد عليها "يا أُمي، خليكي من كلام الناس، أنا الشيخ ولدك البتعرفي كويس، ممكن أعرس أُختي؟"، فانتفضت وردت سريعاً، حاشاك حاشاك، ياجمل الشيل.
ولأن الشئ يُظهرُ حُسنه الضد، فبعد عقدين من حكم المُتأسلمين وخاصة بعد ما يُسمى بالمُفاصلة ونشر الغسيل القذر، اتضح أن الشيوعيين هم قديسو السياسة السودانية (كما نوه لذلك د. عبد الوهاب الأفندي في مقال له مؤخراً بصحيفة سودانايل، وأثبته د. التيجاني عبد القادر في كتابه "نزاع الإسلاميين في السودان")، فالحق ما شهدت به الأعداء.  
إعدام عبد الخالق كان الجناية الأولى لـ "ديك الكجانة" أو "ديك العدة الأول"، أما جنايته الثانية فقد ارتكبها بعد أربعة عشر عاماً عجافاً، ولكنه كان في غيبوبة أُخرى هذه المرة، غيبوبة خمر السُلطة وأفيون الشعوب، خاصة عندما يعجز الحاكم عن التعامل مع فتنة المنصب "الذي لم يكن يحلم به واغتصبه في غفلة من الزمان"، ويسقط في فخ المُنافقين الدجالين المُتاجرين بإسم الدين.
إن يوم اغتيال محمود، كان يوماً أسوداً في صفحة شعبنا البيضاء، وبالرغم من أن الكثير من غمار الناس (وأنا منهم) يصعب عليهم فهم الفكر الجمهوري إلا بعد لأي ومشقة، إلا أن ما كان يشُد الناس إلى حلقات نقاش الجمهوريين؛ امتيازهم بالهدوء الواثق، والموعظة الحسنة والحوار الذكي، رغم رعونة خصومهم، الذين كان سلاحهم العصي والسيخ حتى لُقبوا به. ولعل مُقارنة بسيطة بين حوارات أحمد المصطفى دالي وعبد الله نعيم، الراقية، وبين هذيان اسحق فضل الله ومهاترات الطيب مصطفى كوبر وتشنج الزومة، توضح الفرق مظهراً ومخبراً، وكل إناءٍ بما فيه ينضح.
خلاصة وزبد الفكر الجمهوري، أن لا ثبات للأحكام في أحوال متغيرة، وأن الحاضر لا يمكن أن ُيحشر حشراً لُيلائم الماضي، لأن العكس هو الأصوب (تطويع الموروث وتكييفه مع الحاضر) أما المستقبل فـ "الآتون هُم الأجمل والأروع" ولا يجوز لمُفسر أو فقيه أو منُظر أن يصادر حق الأجيال الحاضرة والقادمة في ما ترتأيه، وأعتقد أن أروع إرث للإمام المهدي قوله قبل قبل أكثر من قرن من الزمان "إنهم رجال ونحن رجال"، ثم أو لم يقل الرسول الكريم، أنتم أدرى بشئون دنياكم !!!؛ إذ لا يُعقل أن تحكمنا ونحن في مطلع الألفية الثالثة فتاوى حديث الذبابة وزواج المسيار وإرضاع زميل العمل والدراسة لإباحة الخلوة!!!!.
في هذا الفهم السليم لحقائق العصر، النابع من الإدراك واستيعاب حقائق ومكونات المجتمع المحلي، يلتقي الشهيدان (عبد الخالق ومحمود) رغم ما قد يبدو من بون شاسع في منطلقاتهم الفكرية، ولربما لهذا السبب كان ختام مسيرتهما المادية متشابهاً، وهزوءهما بالمنية والجلاد متطابقاً، وحتى ابتساماتيهما وهما يخطوان خطواتهم الأخيرة في هذه الفانية.
ذهب عبد الخالق ومحمود وتركا لنا فكراً، نختلف ونتفق حوله، وسيرة عطرة لم تتلوث بحب الملذات "سلطة كانت أو مالاً أو نساءً"، أما في الآخرة فهما بين يدي ربهم وهو وحده العالم بالحق والباطل.
 "اللهم إنهما بين يديك، فإن أساءا فأغفر لهما وأرحمهما، وإن أصابا فمثواهم جنان خُلدك، فقد اجتهدا ولهما أجر المجتهد".