عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

           

عندما صك الراحل د. جون قرنق دي مابيور، مُصطلح السودان الجديد الذي تلقفه تُجار السياسة المُفلسين (أحزاباً وأفراداً) بذات القدر الذي وجد فيه حُداة الإبل ورعاة الأغنام والماشية وزراع السهول والبوادي وعُمال اليومية والتراحيل وكافة المُهمشين، ترياقهم الشافي من علل التخلف وأملهم المنشود في لقمة عيش كريمة وحياة مغروسة في طين المساواة والعدل والمواطنة التي لا تعرف الإمتيازات العرقية والدينية والجهوية واللغوية. لم يكن قرنق يعني الأبعاد الجُغرافية وخطوط الطول والعرض (من نمولي إلى حلفا ومن سواكن إلى الجنينة) وإنما وكما هو معلوم كان يعني الاُسس والمبادئ الجديدة التي ينبغي أن يقوم عليها سودان الحداثة والمُعاصرة، بعد أن أكدت الحروب المتطاولة والمتناسلة أن السودان التقليدي القديم الموروث عن الإستعمارين التُركي والثُنائي قد إستنفد أغراضه وأصبح في ذُمة التاريخ.

من سُخريات الأقدار وسوئها أن رحل قرنق بعد أن أكد أن الحُلم النبيل في مُكنة الأيدي، ومن بعده تقاطعت الدروب وأدلهمت الخطوب كقطع الليل البهيم، وتحول الحلم الخاطف إلى نقيضه وأُفرغت الشعارات التي بشر بها من مضامينها، فأصبحت الوحدة الجاذبة "الكاذبة" تُقاس بكم دولار تم تحويلها من حساب الآبار النفطية التي تنفُث آثارها البيئية سُماً زعافاً على الحرث والنسل، وأصبحت المُشاركة في الُسلطة تُحسب بعدد المناصب الوزارية التي تقلدتها هذه القبيلة أو تلك، أما المُشاركة في الثروة (عروس أُم المعارك) فأمرها أعجب من الصيام في رجب، إذ أصبحت ترى القوم وكأنهم في الدقيقة الأخيرة من يوم خم الرماد، شعارهم وعلى عينك يا تاجر "دار أبوك كان خربت، شيل ليك منها شلاية".

ليس هذا المقال بمناحة أو مرثية لوطن تشرذم بعد أن تحول حُلم السودان الجديد إلى إنفصال بحُكم الأمر الواقع، وبعد أن تم تسويق التفتت بدهاء جعل الوحدة الجاذبة مُجرد طُعم يُعين على إبتلاع حنظل الإنفصال المُر، والآن وبعد أن تبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض أتوا إلينا وبراءة الأطفال في أعينهم ليحدثونا عن وحدة اُخرى أسموها تجمُلاً في مؤتمر جوبا الأخير "الكونفدرالية" وذلك بعد إكمال مراسم دفن وعزاء السودان الواحد (أي بعد يوم الهول الأعظم–الإستفتاء)، وهذا لعمري يسمونه "الجس بعد الذبح" أو "اللعب في الزمن الضايع" أو "البكاء على اللبن المسكوب".

السؤال المحوري هل سيكون إنفصال الجنوب وقيام دولته الجديدة، خاتمة الأحزان والحرب الأهلية في ذلك الجزء الجنوبي من الوطن؟؟، وهل سوف ينعم الشريكان بالإتفاق غير المكتوب "لكم يا أيها الجلابة شمالكم بصحاريه وقبابه وطوائفه وبيوتاته العريقة، ودعوا لنا جنوبنا بعُريه الأبنوسي وتخلفه ورطانته وثرواته التي سوف تبقى كغيرها مطمورة في وحل العجز والفساد".

واهم من ظن إمكانية تحقق سيناريو الإنفصال السلس، فالدولة الجديدة لن تكون جنوباً للسودان القديم (كما فتئ يُبشرنا ياسر عرمان)، وإنما دولة الإنفصال ستكون دولة قائمة بذاتها مثل أوغندا وكينيا، أما جنوب السودان الجديد (بعد الإنفصال أو التحرير، حسب موقعك من الإعراب) سيكون جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة وجنوب دارفور وجنوب القضارف، وسوف يشتعل حزام الموارد والخير وتصبح الدمازين سايجون وتصير جوبا هانوي الجديدة، وقد تعود كتائب المُجاهدين للترنم من جديد " كل القوة، الروصيرص جوه"، وسوف يجد السيد/ مالك عقار، نفسه وقد تحول (برغبته أو غصباً عنه) إلى قرنق جديد يؤازره عبد العزيز الحلو ومعهم خليل إبراهيم وعبد الواحد النور وربما آمنة ضرار، ومن ثم تتحول الحدود الجنوبية لسودان حمدي القادم إلى الرنك وحُفرة النحاس وكالوقي والمجلد وقلع النحل والشوك. خاصة وأن ما ورد في إتفاقية نيفاشا بشأن هذه المناطق (الجنوب الجديد)، وأعني "المشورة الشعبية"، لا يزال مُصطلحاً مُبهماً لا يعرف أحد كُنهه أو معناه، وسوف يتحول في نهاية المطاف إلى شئ شبيه بمصطلح "الوحدة الجاذبة"، الكُل يفسره على هواه.

وقد يقول قائل لا تتشاءموا (أو تفاءلوا بالخير تجدوه) وأن مؤتمر جوبا أكد على خيار "الوحدة الجاذبة/الكاذبة"، فهذا ليس سوى ذرُ للرماد في العيون، فليس هنالك ما يُغري أي جنوبي عادي بتكبيل نفسه مُجدداً بقيود الدونية والتمييز، بعد أن دفع غالياً مهر التحرر، وليس هُنالك ما يجذب إلى وحدة مع من ظلوا ينقضون العهود والمواثيق، ويمارسون السياسة بعقلية الجلابي الفهلوي، وإلا فقُل لي بربك بماذا تصف من يُصر على أن الإنفصال لن يكون مقبولاً إلا بشرط مشاركة 75% من كُل الجنوبيين في الإستفتاء!!، وأن يصوت 90% منهم لصالح الإنفصال!!. هل سمعتم بمثل هذه الشروط من قبل؟؟؟. لقد أشرفت الأمم المتحدة على كثير من إستفتاءات تقرير المصير، فهل جاء في أي واحد منها مثل هذه الشروط التي يزعمها دهاقنة المؤتمر الوطني، وهم أعلم الناس بإستحالة قبولها؟؟ ولكنهم يُخادعون أنفسهم لإيهام الآخرين بأنهم حريصين على الوحدة، وأنهم أبرياء من خطيئة تمزيق الوطن الواحد. لقد أصبح الإنفصال (الجنين الشرعي لإتفاقية السلام الشامل) كإبن السفاح، الكُل في الشمال يتهرب من نسبته إليه (ألم تروا موسم هجرة الصادق والترابي ومعهم نُقُد إلى الجنوب؟).

لن يُضير الحركة الشعبية شيئاً الصبر بضعة أشهرٍ على مزايدات المؤتمر الوطني، وإجراء الإستفتاء بأي كيفية يراها الجلابي الفهلوي، ففي نهاية المطاف فإن "كل الصيد في جوف الفرا"، إذ يستطيع سلفاكير أو باقان أموم في رمشة عين التحول إلى بطل رفع العلم (كما فعل إسماعيل الأزهري-أغسطس 1955) بإعلان الإستقلال من داخل البرلمان، ولعلكم تُلاحظون إرتفاع نسبة المُطالبين بهذا المطلب بين الجنوبيين. كما تملك حكومة الجنوب خيار إعلان رفضها لنتيجة الإستفتاء (إن هندسه المؤتمر الوطني على هواه، أو قام بتزويره)، وفي جميع الأحوال فإن الإنفصال قادم وواقع لا محالة. لذا فالأفضل لمؤسساتنا الإستراتيجية "بدلاً عن الإنشغال بتكوين الشركات الإستثمارية في الداخل، ومتابعة وتفتيت الجاليات بالخارج" بحث كيفية منع تحول الجنوب الجديد لسودان حمدي إلى مسرح للحرب القادمة، والتي تُرى بالعين المُجردة، ولن يكون تفادي الحرب مُمكناً بتطبيق الحلول القديمة من جهاد وجنجويد (وإعادة إنتاج الأزمة)، وإنما لسخرية الأقدار لا يكون الحل إلا "بتطبيق مبادئ السودان الجديد".

 

خُلاصة القول ولحمته وسُداه:

- هل تأملتم في تصريح السيد/ مالك عقار "إن 60% من قوات الحركة الشعبية من جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة"؟.

- هل لفت إنتباهكم تصريح وزير التعاون الإقليمي بحكومة جنوب السودان، الكوماندو/ أوياي دينق أجاك، في ولاية تبراسكا الأمريكية "إذا قامت الحرب مرة أُخرى لن تكون في الجنوب، ونحن جاهزون لها، ولن نحاربهم من الجنوب"؟. وقوله بأن حكومة المؤتمر الوطني تحتفظ بأكثر من ثلاثين ألف جندي في جبال النوبة وعشرين ألف بالنيل الأزرق، وأنها مُستمرة في تجنيد قوات الدفاع الشعبي؟.

- هل الوحدة جاذبة في جبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب كردفان وجنوب دارفور؟؟.

- ألا ترون أن حكومة الإنقاذ لا تزال سادرة في ضلالها وتنفذ إستراتيجيتها الإنتخابية وفقاً لسيئ الذكر "مثلث حمدي"؟.

 

 

ألا هل بلغت اللهم فأشهد