مهدي إسماعيل مهدي (بريتوريا: 05/05/2009)

تابعت، مثل كثيرين غيري من السودانيين، باهتمام بالغ الحوار الذي أجرته قناة الجزيرة الفضائية، عبر برنامحها "حوار مفتوح" بإشراف الإعلامي/ غسان بن جدو، مع فخامة رئيس جمهورية السودان، المشير/ عمر البشير، بتاريخ 19 و 26 /04/2009، والذي شارك فيه بعض الإعلاميين والسياسيين العرب، وقد كان حواراً مُثيراً للإحباط، ويدل على أن ليل السودان طويل (كأن نجومه بكل مُغار الفتل شُدت بيذبل)، وأود أن أدلي بالتعليق التالي:-
للأسف الشديد، فقد كان ذاك الحوار مع الرئيس البشير، تكراراً ممجوجاً لما درج عليه الإعلام السوداني والعربي من المُناجاة مع الذات، ففي كثير من الأحيان لم نعرف من هو السائل ومن هو المُجيب، وتم تغييب الرأي الآخر تماماً مع أن شعار قناة الجزيرة "الرأي والرأي الآخر".
تم إهدار الحلقة الأولى بالكامل في الحديث عن القضية الفلسطينية، وبدا الأمر وكأن اللقاء مُخصص للحوار عن فلسطين والعراق وأفغانستان، وساد الإيحاء بأن السودان مُستهدف بسبب انتمائه العربي والإسلامي فقط؛ وليس لأسباب تتعلق بسياسات النظام القائم وتوجهاته، ولعل المتحاورين لا يرون بأن السودان يستحق أو يرقى إلى أن يُستهدف لذاته؛ وهذا نهجُ دأب على ترسيخه الإعلام المصري الذي لا ينظر إلى السودان إلا باعتباره حديقة خلفية لمصر، ويسمون ذلك تأدباً أو فهلوة بـ "العُمق الاستراتيجي لمصر"، علماً بأن إسرائيل تتعامل مع إسرائيل من خلال سفاراتها التي ترفرف أعلامها في قاهرة المعز وعاصمة الهاشميين وغيرهما، وينساب إليها الغاز المصري رغم أنف أحكام القضاء والشعب المصري الصابر، وبالتالي فلا حاجة لإسرائيل أن تأتي مصر عبر نوبتِها (أو بوابيها) جنوباً.
ألا تشي وتدل الطريقة التي فجر بها الرئيس/ البشير، مزاعم اغتيال الزعيم/ ياسر عرفات، على العقلية التي تُدار بها قضايا السودان، وتكشف عن نمط التبسيط المُخل وسيادة نظرية المؤامرة، وشخصنة القضايا العامة؟.
لا يزال الساسة والإعلاميون العرب ينظرون إلى السودان وقضاياه من منظار عُنصري محض، وبدون أي بُعد إنساني أو اعتبار مُنصف للمطالب المشروعة لشعوب جنوب السودان ودارفور، ويُحز في النفس عدم التعاطف العربي مع أهلنا في دارفور (الذين لم يشفع لهم حُسن إسلامهم، ونُصرتهم للقضايا العربية) لا بسبب عدم عدالة قضاياهم، وإنما لأن لون بشرتهم أسود، وللأسف لم تخرج مظاهرة واحدة في العالم العربي كله مؤيدة لقضية دارفور أو جنوب السودان، ولعل  قضية دارفور هي القضية الوحيدة التي اتفق حولها كل بني يعرب، ومع ذلك يتساءلون لماذا تسلل الدارفوريون "وعبروا السلك" إلى إسرائيل!!!؟؟.
السودان ليس دولة عربية متجانسة عرقياً (كاليمن أو المملكة العربية السعودية)، والعنصر الإفريقي/الزنجي/الأسود، ليس أقلية (كالأكراد في العراق)، وإنما زنوج السودان (حتى وإن  تكلموا وأنشدوا العربية، نثراً وشعراً، بفصاحة) فهُم أغلبية مُهمشة تسعى لنيل حقوقها، ولهذا فإن السودان غير مؤهل ولن يكون رائداً للقومية العربية، حتى وإن كان جُل أهله من المُسلمين ويتوهمون  إنحدارهم من صُلب العباس والأرومة النبوية.
تدل محاولة نظام الإنقاذ ركوب موجة القومية العربية، وفي ذات الوقت تزعم حركة الإسلام السياسي، على إنتهازية ساذجة لن يكتب لها النجاح، فما بين القوميين العرب والإسلاميين، دماء وشروخ وفتوق أعيت حيلة الراتق. وإذا ظن البشير أنه يمكن أن يكون حليفاً للرئيس مبارك (المرغوب في مداجاته في حالة الشدة) وفي ذات الوقت مُناصراً أولاً للشيخ/ حسن نصر الله وحزب الله والقاعدة، فسوف يكون كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، ولعل الأزمة الراهنة مع مصر خير دليل على ذلك. 
ألا توجد أي أسباب داخلية لنزاعات السودان؟ ألم يرتكب النظام أي أخطاء استراتيجية في مُعالجة مشاكل الدولة أو الأُمة السودانية التي لا تزال في مخاض التشكُل والتشكيل؟، ومن الذي جند ودرب وسلَح مليشيات الجنجوبد؟ أولم تصبح الدولة طرفاً في الصراع الدائر بين القبائل الرعوية والزراعية، وانحازت إلى من تظن أنهم أبناء عمومتها؟.
هل ترك أهل دارفور قراهم المحروقة وذهبوا إلى المعسكرات حُباً في التخييم؟، أم هربوا إلى تشاد وإفريقيا الوسطى حُباً في السياحة؟.
يدعي الإعلام السودني أن النازحين ذهبوا إلى حيث توجد الحكومة واحتموا بها، مما يعني أنهم يثقون في الحكومة ويحبونها حُباً جماً، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يبادلهم فخامة الرئيس المُشير حُباً بحب ويزورهم في معسكراتهم، ولو لمرة واحدة؟!!
لقد تحاشى سيادة الرئيس، الإجابة على السؤال الموضوعي الوحيد الذي وجه إليه؛ وهو: ما هي خطتكم "بعد أن يساعدكم هذا الشعب الطيب في الدوس بحذائكم الغليظ على قرار المحكمة الجنانئية الدولية وكل من يؤيدها"،  لتحقيق العدالة النزيهة في دارفور؟
ملحوظة هامة:
أرجو الإنتباه إلى أن هذا المقال كُتب ونُشر بتاريخ 05/05/2009 (أي قبل أربعة أعوام ونصف!!!)
___________
بريتوريا:مهدي إسماعيل مهدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.