(نظام الحُكم الحالي في السودان: نظام تمييز خُماسي مُركب- ديني وعنصري وجهوي وجندري وسياسي)

أعلن معهد الدراسات الأمنية في جنوب إفريقيا (ISS) عن مُحاضرة بتاريخ 21/06/2013، تتناول العلاقة بين شمال وجنوب السودان على ضوء قرار إغلاق أنبوب النفط، وذكر المعهد في بطاقة الدعوة أن المتحدث الرئيس في الفعالية المُزمعة هو وزير رئاسة الجمهورية - رئيس وفد الحكومة السودانية للمفاوضات بين السودانين/ إدريس محمد عبد القادر، ولكن عند التئام شمل الحضور من أعضاء السلك الدبلوماسي وبعض الأكاديميين والمُهتمين بالشأن السوداني، فوجئ الجمع بغياب المُتحدث الرئيس (الوزير إدريس) وإعتلاء د. سيد الخطيب للمنصة، وتم تبرير التغيير بأن إدريس أُصيب بنزلة بردٍ فُجائية الزمته سرير الفندق. وقد أعادت هذه الحادثة إلى الأذهان ما حدث قبل عدة شهور وفي ذات المكان، عندما أعلن ذات المعهد عن ندوة يتحدث فيها مُساعد الرئيس السوداني/ د. نافع علي نافع، ولكن فوجئ الحضور بسيد الخطيب يعتلي المنصة بديلاً لنافع!!، فهل يا تُرى للأمر علاقة بالإعاقة اللغوية التي تعاني منها الخارجية السودانية وبعثاتها الدبلوماسية والنخبة الإنقاذية، أم ماذا يا هذا!.
خطب الخطيب كما كان يخطُب في الميدان الشرقي بجامعة الخرطوم في عقد السبعينيات، دونما أدنى تقدير لاختلاف المكان والزمان والحضور، ومما استرعى الإنتباه أن المُفكر الإستراتيجي لم يتطرق إلى قضية منطقة أبيي بكلمة واحدة رغم أنه كان يتحدث عن العلاقات بين الشمال والجنوب!! كما لم يفتح الله عليه بالحديث عن المحكمة الجنائية الدولية رغم حديثه "الملولو" عن القرار 2046 والعلاقة مع أمريكا والمُجتمع الدولي والإقليمي!! ولقد أسهب الخطيب في الحديث الممجوج عن ديمقراطية نظام الإنقاذ وجنوحه للسُلم وإعتماده الحوار بالحُسنى سبيلاً لعلاج أزمات السودان (كأنما الذي أعلن الجهاد وعسكر المُجتمع المدني نظاماً آخراً من واق الواق)، ثُم عرج على إتفاقية السلام الشامل، وذكَر الحاضرين بتبرع حكومة البشير بحق تقرير المصير لأهل الجنوب ثُم المَن عليهم بالإعتراف بدولتهم الوليدة، بل والمُشاركة في الإحتفال بإعلان ميلادها!!- ولسوء حظ الخطيب فقد تزامن حديثه مع خُزعبلات نائب الرئيس/ الحاج ساطور، عن "الرجالة وحُمرة العين". وعموماً فهؤلاء قوم يلبسون لكُل حالة لبوسها، فسيد الخطيب لا يستطيع ترداد الكلام الذي قاله في بريتوريا عن الديمقراطية والوحدة،في عقر دار مركزه بالخرطوم - خاصةً إن كان محمد عطا، على يمينه والطيب مُصطفى على يساره!!، ولقد أحزنني أن المُفكر الإستراتيجي إنحدر إلى درك المُطبلاتية والمبرراتية والمُطيباتية والهتيفة على شاكلة غازي سليمان والحاج آدم وبدرية وشقيقتها في الرضاعة من ثدي الشمولية تابيتا بنت بُطرس.
لقد تعودنا هذا التدليس والدعاية السياسية الفجة (بروباجندا الصحَاف) وتكسير الثلج (بلُغة شباب اليوم) من حارقي بخور الإنقاذ عندما يخاطبون حشود العامة في المويلح وود النعيم وحجر الطير. أما أن يأتي هذا التهريج ممن يسمون أنفسهم بالخُبراء والمفكرين الإستراتيجيين- وفي مؤسسة مرموقة كمعهد الدراسات الأمنية في جنوب إفريقيا- فهذا إنما يدُل على الغفلة وأن القوم خارج الشبكة ولا يعلمون أن العالم أصبح قرية صغيرة وأن حبل الكذب أقصر من حبل الوريد، فما يعلمه خُبراء معهد الدراسات الأمنية والمتخصصين في الشأن السوداني بجنوب إفريقيا يفوق كثيراً ما يعرفه د. الخطيب عن السودان بالرغم من توهطه على رأس وكر الأمن المُسمى زوراً بمركز الدراسات الإستراتيجية في قلب الخرطوم!!.
بعد فراغ الخطيب من خُطبته العرجاء، تم فتح باب النقاش فابتدرت حديثي بإبداء ملاحظة وتوجيه تساؤل إلى المسئولين عن إدارة معهد العلاقات الدولية قائلاً "إن معهد الدراسات الأمنية، مؤسسة بحثية مرموقة ومُستقلة ومُحايدة، ولذا فإنه من الأفضل والأجدى والأفيد للمعهد ولجمهور المُستمعين عند مناقشة مثل هذه القضايا الخلافية إشراك طرفي النزاع، إذ لا جدوى ولا فائدة من الإستماع لوجهة نظر طرف واحد، خاصةً وأن مواقف الحكومة السودانية معلومة ومنشورة ومبثوثة على الأثير المرأي والمسموع والمقروء، وأن المعهد إستضاف في الشهور القليلة الماضية: بشير نيام، إبراهيم غندور، نافع، محمد الحسن مُختار، دون أن يُتيح ذات الفُرص لمن يحملون رؤى مُغايرة!!".ولدهشتي التامة فقد إنبرى د. الخطيب ومعه سفير السودان بجنوب إفريقيا (د. علي يوسف)، للرد والتبرير والإجابة على سؤالٍلم يوجه إليهما !!، وذلك على الرغم من أن مُدير الجلسة (الباحث بالمعهد ومنسق برنامج النزاعات/ د. سايمون) حاول نفي تُهمة التحيز التي لم توجه له أصلاً!!، ولكن يقول مثل أهلنا في شمال الوادي "اللي على رأسه بطحة بيحسس عليها" – واللبيب بالإشارة يفهمُ!. 
حاول الخطيب التمويه والإيحاء بأن مُقاتلي الجبهة الثورية والحركة الشعبية قطاع الشمال (الفرقتين التاسعة والعاشرة سابقاً- كما أسماهم) يتبعون للجيش الشعبي بجنوب السودان وبالتالي فإنهم غير سودانيين، ويشنون هجماتهم من أراضي دولة أُخرى "جنوب السودان"، مُستخدماً فرية الدعم والإيواء (Support and harboring)،لذلك اتبعت مُلاحظتي الأولى بالتأكيد على أن مُقاتلي الجبهة الثورية مواطنون سودانيون بالأصالة (رغم أنف نافع والزبير بشير طه والطيب مُصطفى وإبن أخته) وأنهم يحاربون من داخل الحدود السودانية، وأن ثورة دارفور المُسلحة اندلعت قبل أن توجد دولة إسمها جنوب السودان، وأن أبناء جبال النوبة حملوا السلاح ووقعوا إتفاقيات مع الحكومة السودانية وبرعاية أُممية مُسلحة قبل إبرام إتفاقية نيفاشا 2005!!.
أما ثالثة ملاحظاتي، التي أغضبت الخطيب وجعلته يُرغي ويزبد بعد المحاضرة، فهي تشبيهي للوضع في السودان والنظام الحاكم حالياً في الخرطوم بأنه أشبه بنظام التمييز العُنصري (الأبارتايد) في جنوب إفريقيا قُبيل عام 1990 (عام إطلاق سراح نلسون مانديلا،العظيم حياً والخالد ميتاً).وماثورة الخطيب الغضنفرية إلا لأنه يُدرك تماماً "أن اللي في بطنو حُرقُص براهو بيرقص" وأن "الشينة منكورة"، ولعلمه أن كعب أخيل ومقتل النظام -الذي يُنافح ويُدافع عنه بالباطل- يكمُن في تمييزه بين السودانيين على أساس العرق واللون والدين والجهة والجنس والإنتماء السياسي، وإليكم الأدلة على ما نزعم:-
1.    التمييز الديني: "أي التمييز بين المواطنين على أساس الدين"، وهذا تشهد عليه حروب الجهاد وقوافل سيف العبور وأعراس الشهيد، فالجهاد يا سيد "سيد" معروف ومُعرَف لُغةً وشرعاً، فهو حربُ دينية لقتال الكُفار، وقد ورد في قاموس المُنجد (الجهاد: القتال مُحاماة عن الدين) ومنه "جاهدوا في سبيل الله حق جهاده"، ولسُخرية الأقدار فإن وقود محرقة جيش المُسلمين الإنقاذي الجهادي هُم ذات المُهمشين، وبينهم من لا ينطق بالشهادة !!- عجبي من سودان الجن.
2.    التمييز العُنصري: "أي التمييز على أساس العرق والقبيلة"، فتشهد عليه حروب دارفور وجبال النوبة وتسليح الجنجويد وقبائل المراحيل، وجرائم التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية التي تُلاحق رأس نظام التمييز العُنصري وزمرته المطلوبين للعدالة الدولية. وثمة سؤال غير برئ نوجهه للخطيب ونطلب منه أن يوضح لنا االمعيار الذي ميًز بمُقتضاه كبير مُساعدي رئيس الجمهورية/ د. نافع، بين السودانيين الأُصلاء والسودانيين الدُخلاء!؟.
3.    أما جهوية النظام فنذكرك بأن الذي اشتق و"نجر" مًصطلح مُثلث حمدي ودعا إلى تمييز قاطني هذا المُثلث ورفده بالخدمات التنموية لأسباب إنتخابية زميلك في الحركة الإسلامية، السياسي/الإقتصادي الإستراتيجي، وزير المالية الأسبق/ عبدالرحيم حمدي، وقد عمِل النظام بنصيحة حمدي بحذفارها، ولعل نظرة خاطفة إلى المُجلد وأبيي والخط الناقل للنفط تجعلنا نُردد "العير في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول"، ولا نريد أن نسترسل في هذا الأمر المؤلم حتى لا نصُب الزيت على النار المُشتعلة سلفاً، فالكتاب الأسود أوفى وكفى.
4.    وعن التمييز الجندري، نفُيدك بأن حكومة جنوب إفريقيا التي تخطبون ودها، تتولى فيها المرأة منصب الوزير في أهم الوزارات: الدفاع، الخارجية، الداخلية، الطاقة، الخدمة العامة، التربية والتعليم، الزراعة،،، إلخ وبنسبة إستوزار تبلغ  40 % في مجلس الوزراء، ومثلها في البرلمان القومي، وتتبوأ المرأة منصب حاكم الإقليم في خمسة ولايات من جُملة ولايات جنوب إفريقيا التسعة (أي بنسبة 55%)، وأزيدك من الشعر بيتاً فإن منصب مُدير عام الشُرطة تتولاه إمرأة غير مختونة، وكذلك منصب مُحافظ البنك المركزي!! وأود أن ألفت نظر الباحث النحرير إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2106 الصادر بالإجماع قبل يومين فقط (الثُلاثاء 25/06/2013) بناءً على التقرير الذي صنًف "السودان سابع أسوأ دولة في العالم من حيث العُنف الجنسي ضد المرأة". ولعلنا لسنا في حاجة لتذكيرك بقانون النظام العام (وبنطال لُبنى وحلاقة شعَر سُمية هندوسة وسوط قدوقدو) ومقولات زميلك في الحزب حسب الله دفع الرسول الذي تُشاركه قناعته بأن المرأة ناقصة عقلٍ ودين.
5.    أما خامسة أثافي السودان فهي التمييز بين المواطنين وسلبهم حقوقهم الدستورية الأساسية بسبب إنتماءاتهم السياسية، إذ يقف التشريد والإحالة للصالح العام وقطع الأرزاق من جانب، والتمكين والإستئلاف وتوزيع الغنائم والفيءعلى الهتيفة و"المُطيباتية- إستراتيجيين وغير إستراتيجيين" من جانب آخر، شاهداً على ما نقول.

حكاية دبابة التفكير:
حدثني من لا أشك في صدقه، أن وفداً سودانياً رفيعاً بقيادة د. غازي صلاح الدين (قبل أن يُصبح من زُمرة المغضوب عليهم والضالين والسائحين) ذهب قبل حوالي عامين في زيارة إلى أمريكا، وكان في معيته خُبراء وسُفراء وضُباط كبار من جهاز الأمن، وعند عودة الوفد سأل أحد الصُحفيين "الشمشارين" أحد ضُباط الأمن عن نشاط الوفد والجهات التي التقى بها في أمريكا، فقال "لقد قابلنا زيد وعبيد في البيت الأبيض والبنتاجون والكابيتال هول، وتحاورنا مع دبابات التفكير!! يقصد الـــ (Think Tanks)!!!. ولقد صدق صاحبنا حيث أخطأ (كما يؤثر عن العلامة الراحل/ عبد الله طيب، حين قال لحليلته/ جيرزالدا – لقد أصبت حين أخطأت يا إبنة السكسون) - فإنهم فعلاً دبابات تفكير!!!.  
بريتورياالحزينة: 27/06/2013
مهدي إسماعيل مهدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.