ثمة تساؤل يثور ويمور في أذهان السودانيين وغيرهم من المُهتمين بالشأن السوداني عن أسباب تأخر الربيع السوداني؛ بالرغم من أن الأوضاع في السودان بلغت درجة من السوء والفساد والعجز والفشل المُتكرر، لم تبلغها تلك الأنظمة- كما أن الأنظمة العربية المُنتفض عليها- في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا- لم تُفرط في شبرٍ من أراضيها، بالإضافة إلى أن أوضاعها الإقتصادية أفضل كثيراً من السودان الذي توفرت له موارد طبيعية "البترول والذهب" كانت كفيلة بوضعه ضمن الدول الناهضة!! ولكن الفساد وعدم الكفاءة وغياب الديمقراطية (والكنكشة) جعلت البلاد تتصدر قائمة الدول الفاشلة.
وفي تقديرنا، أنه وبالإضافة إلى الأسباب الموضوعية التي أجهضت إنتفاضتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985؛ هُنالك عوامل جديدة تشكلت وتداخلت خلال الثلاثة عقود الماضية لتُسهم إسهاماً كبيراً في تأخُر الإنتفاضة السودانية، وهذه العوامل هي:-
أولاً: حدوث تحول نوعي في بنية المُجتمع السوداني وبروز طبقة وسطى جديدة من الحرفيين والصنايعية والعاملين بالقطاع غير الرسمي (Informal Sector) وتشمل هذه الطبقة قطاعاً عريضاً من المهن والأعمال والناشطين في مجال الأعمال التجارية الصغيرة، ويدخل في عدادها؛ أصحاب محلات الحلاقة وتصفيف الشعر، وبائعات الشاي والأطعمة على قارعة الطريق، أصحاب المخابز الصغيرة، تجار التجزئة في مراكز بيع الخُضر والفاكهة، سائقي وعُمال الحافلات، العاملين بمحطات توزيع الوقود والغاز، غاسلي السيارات، أصحاب ورش إصلاح السيارات، والمُدرسين الذين ينشطون في مجال الدروس الخاصة والصيفية، والسماسرة في أسواق بيع المحاصيل والسيارات والماشية والخضار والفاكهة،،،، إلخ وبإختصار كُل من يملك وسيلة إنتاجه ودخله غير محدود ( وإن يكُن غير مضمون أيضاً)، ويدخل ضمن هذه الطبقة كافة الشرائح التي تستهدفها سياسة ما يُسمى بالتمويل الأصغر.
هذه طبقة موجودة جغرافياً في المراكز الحضرية والمدن الريفية ولا يُمكن تصنيفها في عداد الطبقة الوسطى المُتعارف عليها تقليدياً إذ أنها تفتقد الشكل التنظيمي للطبقة العاملة أو طبقة الموظفين، كما أن عناصرها ليسوا أُجراء بل يمتلكون وسائل إنتاجهم (كما أسلفنا)، ومتوسط دخل أفرادها يتجاوز في غالب الأحيان دخل كبار موظفي الدولة الذين يُعرفون بالبرجوازية الصغيرة، فعلى سبيل المثال قد يفوق مُرتب الصبي الذي يغسل السيارات مُرتب الاستاذ الجامعي، كما قد يتجاوز دخل سائق أو كُمساري الحافلة مُرتب الطبيب أو المهندس حديث التخرُج،، وهكذا. ويبدو هذا الأمر جلياً في قُدرة أفراد هذه الطبقة الجديدة على الصرف الإستهلاكي الذي يصل حد الإسراف أحياناً، وقد أطلق بعض عًلماء الإجتماع السياسي (Political Sociology) على المقدرات المالية لهذه الطبقة صفة الثروة الهشة (Fragile Wealth) وهي مرحلة وسطى بين الفقر غير المُدقع والدخل المُرتفع، وتأتي صفة الهشاشة من التأرجح بين الثراء والفقر (ربما يُفسر هذا التصنيف ظاهرة الثراء المُفاجئ للبعض ثُم إفلاسهم بذات السُرعة والفُجائية). وبإختصار يُمكن تعريف أفرادها بأنهم؛ (أولئك الأشخاص الذين تتبقى بحوزتهم أموال فائضة – بعد الوفاء بإحتياجاتهم اليومية الأساسية- ويمتلكون خيار "حُرية" إنفاقها أو إدخارها أو التصرف فيها كيفما يشاءون).
ظل تعريف الفئات/الطبقات الإجتماعية في إفريقيا مبنياً على المُصطلحات الثُنائية (Dichotomic Terms)  وبالتالي تقسيمها إلى فئتين، هُما: طبقة الأثرياء (الحُكام، الإقطاعيين، وكبار رجال الأعمال، كبار موظفي الدولة، وكلاء الشركات الأجنبية، زُعماء الإدارة الأهلية،،،، إلخ)، وطبقة الفُقراء (والتي تضُم أغلبية سواد الشعب)، ولذلك فإن مُصطلح "الثراء الهش" الذي توصف به الطبقة الوسطى الجديدة يُعد تعريفاً خارج نطاق التعريفات التبسيطية المألوفة، حيث أن هذه الطبقة تتميز بصفات وسمات شديدة التعقيد؛ نذكُر منها على سبيل المثال؛ صعوبة قياس إمتداد هذه الطبقة ومعرفة حجمها بدقة، كما أن مصادر دخلها متنوعة ومتباينة، ويأتي جُلها من القطاع غير الرسمي (Informal) حيث لا إحصائيات توضح الدخل أو الإستهلاك، ومن سمات هذه الطبقة الجديدة، غلبة النزعة الفردية على نمط تفكير وسلوك عناصرها، وتدني وعي أفرادها؛ وقد يكونوا في عُرف الإسلاميين شُذاذ آفاق (أو حشرات) كما وصفهم رئيس الجمهورية في واحدة من تجلياته العديدة، وللعلم فإنه في الأدب اليساري الكلاسيكي يُطلق على هذه الشرائح "الطبقة الرثة"، وفي تاريخنا اُطلق عليها قديماً تسمية "المُنبتين"، كما برزت مؤخراً في أطراف ولاية الخرطوم والأحياء العشوائية ظاهرة "عصابات النيقرز" التي تتكون من الشباب المُراهقين والذين يُطلقون على أنفُسهِم  "أولاد نيقي"، والظاهرة في جوهرها ليست أكثر من تعبير عن الرفض والإحتجاج غير الواعي على الإستغلال الإقتصادي والتهميش الإجتماعي والإستعلاء العرقي، كما أنها إفراز طبيعي ومتوقع للنزاعات والحروب الأهلية وتفشي الفقر والجهل وإستفحال التمايز الطبقي وما يترتب على ذلك من شرور وجرائم.
وعموماً فإن تحليل أسباب نشوء ودرجة تأثير هذه الطبقة الإجتماعية الجديدة (ذات السمات التي أشرنا إليها أعلاه) يحتاج إلى دراسات وأبحاث علمية رصينة، وهي مجال بِكر لطُلاب علم الإجتماع السياسي والباحثين في مجال التحليل الإقتصادي الإجتماعي (Socioeconomic Analysis).
ثانياً: أدت النزاعات المُسلحة والحروب الأهلية في السودان إلى نزوح أعداد هائلة من الريف إلى الحضر، مع ما تعنيه هذه الهجرة من تحول المُنتجين الحقيقيين (المُزارعين والرُعاة) إلى فئة مُستهلكة ذات أسهام هامشي محدود في الناتج القومي (GDP)، كما أدت هذه الهجرات الكثيفة إلى ظاهرة ترييف المدينة (Ruralization of the urban centers)، ومن جانب آخر فاقمت هجرة سُكان المُدن (جُلهم من الطبقة الوسطى القديمة) إلى خارج السودان، من ظاهرة إنخفاض وتدني الوعي السياسي. كما قد تُعزى ظاهرة ضمور الإبداع ونُدرة المُبدعين في كافة ضروب الفن والثقافة (الغناء والموسيقى والرياضة والشعر والفنون التشكيلية،،، إلخ) إلى تفكك الطبقة الوسطى التقليدية، ولعله من نافلة القول التذكير بأن الطبقة الوسطى هي من يحمل ويقود عملية التغيير، فكيف يحدث التغيير وجُل عناصر الطبقة المُستنيرة متواجدة خارج البلاد. وفي هذا الصدد تُشير التقديرات الإحصائية إلى أن عدد السودانيين المتواجدين خارج السودن يتراوح بين ثمانية (8) وعشرة (10) ملايين نسمة (أي 25%-30% من السُكان- ومعظمهم من المُعارضين لنظام الحُكم القائم في السودان، بل إنهم ضحاياه- ولكن تبلغ نسبة الذين صوتوا منهم في الإنتخابات الأخيرة حوالي 1% فقط- إذ شارك في التصويت حوالي 100 ألف مواطن من جُملة حوالي 10 مليون مُغترب ولاجئ. (المرجع: رابطة الإعلاميين الإستقصائيين السودانية- htpp://www.sudanair.org/?p=2521).  
ولتفسير أسباب هذا التدني المُريع في نسبة المُشاركة يُرجى الرجوع إلى المادة 22 (3) – الفصل الثالث من قانون الإنتخابات السوداني لعام 2008، والتي وضعت بهدف حرمان المُغتربين (واللاجئين خاصةً) من المُشاركة في الإنتخابات، إذ اشترطت أن يكون جواز سفر وإقامة المُغترب/المُهاجر/اللاجئ صالحة وسارية المفعول، ولم تشترط هذا الشرط التعجيزي على المواطن السوداني بالداخل، الذي يستطيع التصويت بدون أن يحوز جواز سفر أو شهادة ميلاد أو حتى بطاقة  إثبات جنسية، إذ تكفي شهادة أي عضو من اللجنة الشعبية بالحي لكي يُسمح له بممارسة حقه في الإنتخاب!!؛ وهنا، ينبغي أن لا نرمي باللوم على الحكومة وحدها، فأحزاب المُعارضة مُلامة على عدم إنتباهها لهذا الخطأ الفادح وعدم الإهتمام بالمُغتربين وحقوقهم، كما أن على مُنظمات المُغتربين (المدنية غير الحكومية) السعي لإنتزاع حقوقهم الأساسية.   
ثالثاً؛ القبضة الأمنية الشديدة وإتباع أساليب لم يألفها الشعب السوداني (بيوت الأشباح، الإغتصاب والتهديد به، التعذيب، الشتائم النابية،، إلخ)، فالأنباء المتواترة من السودان تؤكد أن أجهزة الأمن تُمارس عُنفاً مادياً وإرهاباً معنوياً غير مسبوق تجاه الشباب (وفئة النساء تحديداً) لردعهم/ن ومنعهم/ن من المُشاركة في المسيرات الإحتجاجية والتظاهرات العامة، مع الأخذ في الإعتبار مدى حساسية المجتمع السوداني تجاه مسألة الشرف ونظرته للإغتصاب. وبالإضافة إلى الإرهاب الأمني فقد عمد نظام الإنقاذ منذ الأسابيع الأولى بعد إستيلائه على السُلطة إلى تشريد وفصل كُل من يُشك (مُجرد شك) في مُعارضته للنظام، كما قام بتسييس الخدمة المدنية وأصبح جُل العاملين بالقطاع العام إما من الإسلاميين أو الإنتهازيين أو الذين يضعون مصالحهم الشخصية الضيقة فوق مصلحة الوطن غير مُدركين لحقيقة أن الإنهيار الإقتصادي عندما يحدث لا يُميز بين موالي أو سلبي أو معارض، وقريباً جداً عندما تعجز الدولة عن الوفاء بأبسط إلتزاماتها، سوف يخرج هؤلاء إلى الشارع مُرددين مقولة الكرار علي بن أبي طالب "عجبت لمن يبيت على الطوى ولا يخرج على الناس شاهراً سيفه"، وإذا أضفنا إلى ما تقدم (أي تسييس الخدمة المدنية) تحطيم نقابات العُمال والموظفين، لاستوعبنا وأدركنا أسباب إحجام قطاع الموظفين والعُمال عن المُشاركة في الإحتجاجات الأخيرة (بالرغم من أنهم أكثر الفئات تضرُراً وإكتواءً بنار الغلاء)، ولهذه الأسباب مُجتمعة يبدو أن العصيان المدني (أو الإضراب السياسي)- السلاح الناجع والمُجرب مرتين في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية-  أمراً عسير المنال، وإن لم يكُن مُستحيلاً.
رابعا: لا يحتاج المتفحص البصير إلى كبير عناء لإدراك أن قيادات الأحزاب السودانية وبدون أي إستثناء-  إبتداءً بالحزب الشيوعي يساراً وإنتهاءً بالمؤتمر الشعبي يميناً، مروراً بحزبي الأُمة والإتحادي- لا تُعاني فقط من شيخوخة وٍسُرمدية القيادات، وإنما الأهم والأخطر أن مصالح هذه القيادات تتناقض مع مصالح قواعدها، فقيادة حزب الأمة والإتحادي على سبيل المثال ليس من مصلحتها إطلاقاً شيوع الوعي في مناطق نفوذها أو حدوث ثورة وتغيير حقيقي في بُنية المُجتمع الريفي ووسائل وعلاقات إنتاجه، وقد أسلفنا بأن الوعي الشعبي هو المُحدد الرئيس لحدوث الثورة (التغيير الحقيقي) وضامن إستمراريتها، كما أن القوى التقليدية ونتيجة لمُتغيرات عديدة (بروز التنظيمات الجهوية والحركات المُسلحة وإرتفاع نسبة المُتعلمين) تُدرك أن ما تستطيع الحصول عليه عبر المساومات (والتراضي) أكبر مما يُمكن أن تحصل عليه عبر صناديق الإقتراع، وهذا يُفسر تذبذب مواقفها. ولهذا فإن القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، تمُر حالياً بمرحلة "المخاض العسير للثورة المزدوجة ضد الحُكم والمُعارضة معا"ً (لمزيد من الضوء حول هذا الموضوع يُرجى الرجوع إلى مقالنا المنشور قبل أكثر من عامين بهذا العنوان في صحيفتي سودانايل والراكوبة) – كما يُرجى التأمل والتمعن في شعارات الإحتجاجات الأخيرة "الشعب يُريد إسقاط النظام" وشعار "لن نتراجع ولن نطاطئ ، نحن كرهنا الصوت الواطي"!!.   
خامساً: ثارت الشعوب العربية (فيما عُرف بثورات الربيع العربي) على أنظمة توصف زوراً بأنها علمانية وهي في واقع الأمر ليست كذلك، وإنما هي مُجرد عصابات مُنظمة تسعى للبقاء في السُلطة بأي ثمن وتحت أي شعار، ولعلنا لا ننسى تمسُح صدام حسين والنميري بالإسلام في أيامهما الأخيرة، وتقريب السادات للإسلاميين مستقوياً بهم على التيار الناصري، وخطرفات القذافي الدينية وإقامته مركزاً في قلب طرابلس لمُحاربة الشيوعية والعلمانية!!، ولكن على الشعب السوداني الثورة ضد نظام يدعي أنه يُمثل الإسلام السياسي في أبهى صوره، كما يقوم خطابه السياسي على مزاعم الدفاع عن العروبة التي يتهددها الزنج، وبذلك إستطاع أن يكسب تعاطُف قطاع عريض من المُسلمين (إيران وتركيا مثالاً) والعروبيين (دول الخليج) بالرغم من تخليه علناً عن مشروعه الحضاري ومعاداته الفاجرة للإسلاميين الذين أتوا به إلى سُدة الحُكم. وهذا موضوع يحتاج إلى مزيد من تسليط الضوء لخطورته على نظرة الشعب السوداني لمسألة إنتمائه العربي وتشككه في حقيقة الإخوة الإسلامية؛ كما نعتقد بأن هذا الموقف يشكل عُنصر تهديد وتخريب للعلاقات العربية الإفريقية، إذا ظلت الدول العربية تتخذ مواقفها من الشأن السوداني منطلقة من فرضية عروبة وإسلامية النظام دون أدنى إعتبار لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية (الموقف من حروب دارفور كُردفان والنيل الأزرق، ومن المحكمة الجنائية الدولية،، على سبيل المثال).
سادساً وأخيراً: إنحسار الدور الطليعي لقوى اليسار السوداني نتيجة لتشرذمها والضربات الموجعة التي تلقتها وإنهيار النُظُم الإشتراكية التي كانت تدعمها، ومن ثم تحول دورها  القيادي فكرياً وعملياً كرأس (قاطرة) تقود قطار التغيير إلى مُجرد مقطورة (ترلة) في منظومة تحالفات القوى التقليدية التي لا تختلف عن نظام الإنقاذ الحاكم إلا من حيث المقدار وليس النوع. وفي تبرير غير مُقنع يقول بعض قادة الحزب الشيوعي الذين حاورتهم "إنهم يتحالفون مع قواعد الأحزاب التقليدية وليس مع قياداتها – فالجماهير لا تخون وإن خانت قياداتها- ثُم إنهم يهدفون إلى جذب الأحزاب التقليدية إلى مشروع الثورة والتغيير- حسب زعمهم!!". وكان ردي "إن الذي أراه أن مغناطيس الصادق أقوى من مغناطيس الخطيب، فالشاهد أن حزب الاُمة على سبيل المثال إستطاع إلحاق التحالف الوطني  بمواقفه المُتخاذلة وليس العكس، فالحل في أن تتركوا شباب هذه الأحزاب يقومون بتقويمها دونما تآمر من جانبكم، والأجدى تحقيق وحدة القوى الثورية الديمقراطية أولاً ثُم النظر في أمر المؤلفة قلوبهم – وفي هذا لا حل إلا بالهجرة إلى كاودا لإكساب الجبهة الثورية السودانية، الصبغة القومية التي تحتاجها بشدة، ومن ثم إستعادة جماهير السودان الجديد التي استقبلت الراحل/ قرنق،". ولعل الناظر إلى الساحة السياسية السودانية وما يحدث فيها حالياً من هرج ومرج وضباب يحجب الرؤية، يُدرك صدق حدسي أو سوء ظني (حسب موقعك من الإعراب).


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.