(بمُناسبة زيارته لجمهورية جنوب إفريقيا)

    أسمعنا مرة؛ فلقد ظللتم تتحدثون ونحن نستمع لأكثر من عقدين من الزمان (274 شهراً ينطحُ شهرا)، حدثتمونا عن قُدراتكم ونزاهتكم وطُهركم وقُلتم "هي لله؛ لا للسُلطة ولا للجاه"، فأنتهى الحال بالسودان إلى ما هو عليه من تفتت وتفريط وجوع ومسغبة وفساد وإنهيار في كُل منحى من مناحي الحياة، ولم نر لكُم إنجازاً سوى التشبث والبقاء في السُلطة والتمكين لبطانتكم وحاشيتكم ومن شايعكم، فأصبحت الدولة فيئاً مُشاعاً لإخوة الدين وعُصبة القبيلة، وهذا عين التمييز المُركب عُنصرياً ودينياً. نكررها يا سيدي "أسمعنا مرة"، فلقد أحتكرتم الإعلام بكافة أنواعه وأشكاله-المرأي والمسموع والمقروء- وضقتم بكُل صوت مخالف ورأي مُعارض، فأغلقتم الصُحف ومنعتم الندوات وحرمتم الأحزاب المُعارضة، وأصبحت المنابر الحوارية مُجرد منصات للمُطبلين والمُنافقين "والهتيفة" ومحافل للحوار مع الذات. ولهذا نقولها لك للمرة الثالثة "أسمعنا مرة" عملاً بحكمة أهلنا الطيبين (أسمع كلام الببكيك ولا تسمع كلام البيضحكك)، فلقد بلغ السيل الزُبا وجاوز الحزام الطبيين، وأصبح الوطن كُله على كف عفريت.
    إن جنوب إفريقيا التي تزورها اليوم ياسيدي، دولة ذات تاريخ مُماثل لسوداننا الحبيب، إذ هاجر إليها الأوروبيون (الأفريكانز) فاستوطنوا فيها واستخرجوا الذهب والماس وزرعوا الأرض فأخرجت خيراً وفيراً، فأثروا مادياً وهيمنوا أقتصادياً؛ ولأن نفس إبن آدم أمارة بالسوء، ولكي يحموا ثرواتهم وتفوقهم الإقتصادي؛ أنشأوا نظاماً عُنصرياً قمعياً إستغلالياً بشعاً (نظام التمييز العُنصري- الأربارتايد). فثار أصحاب الأرض والبلاد مُطالبين بـ "العدل والمساواة- Justice & Equality" وبـ "جنوب إفريقيا جديدة-New South Africa"، وكان لهُم ما أرادوا بعد أن غيض الله لهم قائداً صاحب رؤية، فأقاموا دولة قوس قُزح المُستندة على المساواة في الحقوق والواجبات، والمرتكزة على مبادئ الديمقراطية وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس!!. ألا ترى سيدي وجه الشبه بين ما حدث في جنوب إفريقيا وما هو حادث في السودان؟؛ أليس هذا هو جوهر نزاعات حروب السودان التي توالدت في عهدكم كالفطر السام؟. أليس هذا ما يُطالب به الثوار في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وكافة المُهمشين في أصقاع السودان المُختلفة؟؟. إن الفارق الوحيد بين "النُخبة العربوإسلامية" و "الأفريكانز"، أن الأخيرين عمًروا ألارض وأنشأوا المزارع وعبدوا الطُرق وأقاموا مؤسسات حديثة لإنتاج الثروة، وبنوا جيشاً قوياً لحماية إميتيازاتهم وسُلطتهم (حيازة السلاح النووي). ولكن وللأسف لم يستطع أفريكانز السودان إنجاز ما أنجزه أشباههم في جنوب إفريقيا من تعمير وتحديث، واكتفوا بالتشبه بهم في الإستعلاء العرقي وأضافوا إليه التمييز الديني، فصار أمر بلاد السودان حشفاً وسوء كيلة، وعودةً إلى لُغة "لا تشتري العبد إلا والعصا معه".
    لا أود أن أُفسِد عليك بهجة يومك وإنتشائك بعودة منطقة هجليج/بانثاو (الغنية بالبترول)، ولكن أرجو أن تسمح لي بهذه الأسئلة التي آمل أن تحظى بإجابات صريحة ومُباشرة وصادقة:
i.    هل صحيح أن منطقة هجليج/بانثاو تقع في دولة جنوب السودان، وفقاً لخارطة السودان والحدود بين شمال السودان وجنوبه صبيحة فجر الإستقلال في 1/1/1956 (مُديريتي كُردفان وأعالي النيل)؟، وهل كان وفدكم المفاوض واعياً ومُدركاً لهذه الحقيقة عندما وقع على إتفاقية السلام الشامل عام 2005؟. أم أنه دقس؟. وما المخرج من هذه الورطة؟.. هل بالدغمسة أم بصقرية بني جعل؟، أم بالإعتذار المُهذب وتسليم الخُبز لخبازه؟. ( أرجو الإطلاع على ما خطه يراع د. منصور خالد، في صفحة 341 عن منطقة هجليج بانثاو وكيف ضمها النميري للشمال وعين نفسه مُحافظاً لها!!! كتاب د. منصور"السودان: طموحات السلام وأهوال الحرب-قصة بلدين؛ الصادر عام 2003".
ii.    هل حكومتكم على إستعداد لتنفيذ قرار محكمة لاهاي بشأن حدود منطقة أبيي؟، علماً بأن قرار لاهاي لم يقُل أن منطقة هجليج تقع ضمن شمال السودان، لأن مجال إختصاصه هو تحديد حدود منطقة أبيي فقط، ولا إختصاص ولا ولاية ولا شأن له بموقع هجليج أو غيرها!! فهذا أمر أُنيط باللجنة الفنية لترسيم الحدود بين الشمال والجنوب وفقاً لحدود يناير 1956 (وليس حدود الولايات التي أنشأها النميري، وأعاد ترسيمها د. علي الحاج عندما كان وزيراً للحُكم الفيدرالي).
iii.    لقد وقعتم يا سعادة كبير مُساعدي الرئيس، على إتفاقية أديس أبابا الإطارية (28 يونيو 2012) التي تم التوصل إليها بعد جهود مُضنية من اللجنة الرفيعة للإتحاد الإفريقي بقيادة رئيس جنوب إفريقيا السابق/ تابو أمبيكي، ولدهشة الجميع (داخل وخارج السودان) قام رئيس الجمهورية/ عُمر البشير، بإلغاء الإتفاقية بعد أقل من 48 ساعة من توقيعها!!! فهل لك ياسيدي أن تشرح لنا مسوغات هذا الإلغاء؟؟ وما هو موقفكم من ذلك؟. فإذا كانت الإتفاقية مُعيبة، كان عليكم في تلك الحالة الإقرار بخطئها وتحمل مسئوليتها والإستقالة من موقعكم الرفيع؟ أما إذا كُنتم ترون بأنها إتفاقية سليمة (ونحن نرى ذلك، بل ونحسبها أفضل إنجاز سياسي لكُم على الإطلاق، إذ كانت قمينة بحقن الدماء التي سالت أنهاراً)، فكان عليكم الإستقالة أيضاً!!. وعلى كُل حال فقد أثبت إبرام الإتفاقية وإلغائها، أن حكومة السودان لا تحترم تعهداتها والمواثيق التي تُبرمها، كما أثبتت تلك الحادثة (المأساة الملهاة) أن البلاد تُدار بلا مؤسسات، وعبر رجال لا يتحلون بشجاعة تحمل المسئولية والقُدرة على دفع ثمنأخطائهم!!، أو دفع ثمن الثبات على مواقفهم ورؤاهم السياسية!!!. وللأسف يا سيدي لا توجد منطقة وسطى بين الصواب والخطأ؟!.
iv.    أصدرت وزارة الخارجية السودانية بياناً يوم السبت 21/4/2012 (أي بعد يوم واحد من إستعادة هجليج) أعلنت فيه إلتزامها بترسيم الحدود بين الشمال والجنوب وفقاً لحدود عام 1956 (كما نصت إتفاقية السلام الشامل) ولكن رئاسة الجمهورية أصدرت بياناً أول أمس (السبت 28/4/2012) أعلنت فيه رفض السودان لتدخل مجلس الأمن الدولي في الخلافات الحدودية بين الشمال والجنوب وتفضيل وساطة الإتحاد الإفريقي!!. سؤالي ما معنى ومغزى ودافع هذا التناقض؟، علماً بأن سفير السودان لدى الأُمم المتحدة ظل طيلة أيام إحتلال منطقة هجليج يُطالب مجلس الأمن الدولي بالتدخل والضغط على حكومة الجنوب لإجبارها على الإنسحاب، وقد هاتف السكرتير العام للأمم المتحدة/ بان كي مون، رئيس جمهورية جنوب السودان/ سلفاكير، آمراً إياه بالإنسحاب!!، فما الذي جد في الأمر؟ أم أن للمسألة علاقة بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حيث أن الإحتمال الراجح هو أن يفرض مجلس الأمن تنفيذ ما تبقى من إتفاقية السلام الشامل وفقاً مُستخدماً الفصل السابع (وأعني تحديداً ترسيم الحدود وفقاً لما كانت عليه عام 1956)؟!.
v.    ألا تتفق يا كبير المُساعدين بأن المُجتمع الدولي (الذي تُجاهرون بعدائه وترفضون تدخله الآن) هو ذات المُجتمع الدولي الذي ساهم مُساهمة فعالة في إستمرار بقائكم في دست الحُكم؟ أليس هو من تغاضى عن تزويركم للإنتخابات العامة، وإنتخابات ولاية جنوب كُردفان لاحقاً؟ وسكت عن رفضكم لقرار لجنة ترسيم حدود أبيي، وقرار محكمة لاهاي؟ وتجاهل تلكؤكم في تنفيذ المشورة الشعبية؟ و"صهين" من تحديكُم لقرار محكمة الجنايات الدولية؟. ألا تعلم يا سيدي بأن تساهله طيلة الفترة الماضية، إنما كان بسبب رغبته في أن يصل إلى إجراء إستفتاء تقرير جنوب السودان، وفصله عن الشمال؟ ثُم بعد ذلك لكُل حادث حديث، وها قد قلب لكُم ظهر المجن، فماذا أنتم فاعلون؟.
vi.    أعلنت حكومتكم الجهاد على مُعارضيها، والكُل يعلم أن الجهاد هو حرب المُسلم على غير المسلم (أي الكافر)، أي أنها حرب دينية وفق التعريف الشرعي، فهل الحرب في دارفور وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبة حرباً دينية بين مُسلمين وكُفار؟؟ أليس تحويل النزاع إلى حرب دينية مُضر بوحدة السودان ولا يتسق مع دستور البلاد وعقيدة القوات المُسلحة ومواثيق حقوق الإنسان القائمة على الإقرار بالتنوع الديني والمساواة بين المواطنين! ألا يعني الجهاد حرمان غير المُسلمين من حق وشرف الإنضواء للقوات المُسلحة؟؟. وبهذه المُناسبة فقد أعلن الناطق العسكري للجيش السوداني (الذي ينبغي أن يضُم المُسلم والمسيحي والوثني واللاديني) أنهم سوف يعاملون الأسرى الجنوبيين وفق المواثيق الدولية!!. ألا تنُص الشريعة الإسلامية (طالما الأمر جهاداً) وتوجب معاملة الأسرى بإعتبارههم سبي و بالتالي أرقاء "عبيد" عليهم دفع الدية وهُم صاغرون، أو الدخول في دين الإسلام (أتؤمنون ببعض الكتاب وتنكرون بعضه؟). إن الشريعة الإسلامية كلمة حقٍ أُريد بها باطل، وإلا فلماذا لم تُطبقوا الحدود من قطع ليد السارق ورجم للزاني والزانية؟، وقد إستشرى الفساد المالي والأخلاقي في عهدكم إستشراء النار في الهشيم، وتشهد على ذلك تقارير المُراجع العام وضيق دار المايقوما باللُقطاء. ولكن كيف يُحارب الفساد إذا كان رئيس الجمهورية حامياً وراعياً للفساد والفاسدين؟! (فضيحة سوق المواسير، فساد شركة الأقطان، هيئة الحج والعُمرة، مصنع سُكر النيل الأبيض، وكالة السودان للأنباء، قضية المُستشار مدحت،، إلخ) وقد مُنع النشر في كُل تلك القضايا!.
vii.    ألا زلتم بعد ثلاث وعشرين عاماً تعتقدون بأنه يُمكن علاج الخلافات السياسية عبر فوهة البندقية والجهاد وإستعداء طائفة من الشعب على الاُخرى؟ تارة بإسم الدين واُخرى بالتباكي على الوطنية، كأنما الدين والوطنية حكراً عليكم فقط. ولن تقنعنا يا د. نافع بأنك أكثر حرصاً على السودان أو أكثر حرصاً على الوطن من أي من الذين يُعارضون نظام حُكمكم، فما الذي يجعلك أكثر وطنيةً من مالك عقار أو ياسر عرمان أو عبدالعزيز الحلو أو د. جبريل إبراهيم، أو مني شخصياً؟ (هل أنت أكرم مننا لأنك مُسلم، أو أفضل مننا لأنك عُنصري يتوهم أن الدم العربي النقي يجري في شرايينه؟!).   
viii.    لقد أوكت يداك في بيوت الأشباح (Ghost Houses ) التي أنشأتها وأشرفت عليها مُنذ أن كُنت مُديراً لجهاز الأمن، ونفخ فاك كلاماً فسلاً في كُل المنابر، واستنينت سُنة الإغتيالات السياسية خارجياً (محاولة إغتيال الرئيس/ حُسني مُبارك) وداخلياً (بدءاً بشُهداء رمضان وإنتهاءً بخليل إبراهيم). ومن يلد الأفاعي عليه الإستعداد لسُمهن الزعاف، وأعلم أن الله يُمهل ولا يهمل؟!.  
ix.    خاتمة القول؛ لم نسعد بتفريطكم في الفشقة وحلايب، ولن نسعد بغفلتكم وتفريطُكُم في أبيي وهجليج/بانثاو وحُفرة النحاس والمقينص وجودة وكافي كنجي،،، إلخ؛ ولكننا موقنون بأنكم أعجز من الحفاظ على أراضي السودان، ولذا فإن الحل أن تُحاسبوا على أخطائكم التي ترقى للخيانة العُظمى، وأن يتولى أمر البلاد نظام حُكم إنتقالي يؤسس لحُكم ديمقراطي تعدُدي على غرار ما هو قائم في جنوب إفريقيا؟! وهذا هو السبيل الوحيد للحفاظ على ماتبقى من البلاد.
x.    هذه كلمة حقٍ أقولها في وجه سُلطان جائر، ونسأل الله الثواب والمغفرة، وعاش الشعب السوداني بكُل أعراقه وأديانه وأحزابه وقبائله، حُراً مُستقلاً، متنوعاً وديمقراطياً.
__________
بريتوريا: 01/مايو/2012
مهدي إسماعيل مهدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.