العربنة والأسلمة في السودان، هل تُشكل تهديداً لإفريقيا؟

 

Arabization And Islamization in Sudan, a threat to Africa?

 

تعقيب على مُحاضرة بروفيسور/ محمد جلال هاشم، بجنوب إفريقيا

 

بقلم: مهدي إسماعيل مهدي/بريتوريا

  نظم المعهد الإفريقي بجنوب إفريقيا (AISA) بالتعاون مع مركز نهضة إفريقيا (CARS) التابع لجامعة يونيسا (UNISA) ومعهد آمون رع (Amen Ra) ومعهد (Azali Nuru) و مركز (Ebukhosini) محاضرة للباحث السوداني، الناشط في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، بروفيسور/ محمد جلال هاشم، عن الموضوع أعلاه، وذلك مساء يوم الخميس 21/05/2009، بجامعة جنوب إفريقيا (يونيسا) في بريتوريا.

قدم الباحث لمُحاضرته بالقول على وجود السودان منذ عصور موغلة في القدم وأنه مهد لحضارات عظيمة سابقة، وأن هذا الإسم (السودان) موجود في كل اللغات القديمة ويعني السواد أو أرض السود، وبالتالي فهو أيضاً رمز للاستمرارية والتواصل. كما نوه إلى  أنه لا يعني العروبة والإسلام كعرقٍ ودين، وإنما يقًصد آيديولوجية العربنة والأسلمة، والتي وصمها بأنها تنطلق من منطلقات إستعلائية مُهيمنة.

 

قال الباحث أن اللون الأسود (السواد) ارتبط لدى العرب بالدونية والتحقير، خاصةً إذا كان الشخص أسوداً غير مسلم، ويقابلها على الجانب الآخر الإستعلائية والتشريف إذا كان الشخص عربياً/مُسلماً، مؤكداً أن العروبة والإسلام وجهان لعُملة واحدة، وأضاف بأنه صاحب الإصطلاح اللغوي ((Prestigma المُشتق من كلمتي Prestige وStigma ، أي "التعيير والتشريف"، حسب تعريفه.

 

تحدث المُحاضر عن الهيمنة والسلطة باعتبارهما وسيلة للثروة، وأنها تمركزت في أيدي النخب العروبية/الإسلاموية المتعلمة في الوسط النيلي مما أدى إلى تهميش الأقاليم السودانية الطرفية في الشرق والغرب والشمال والجنوب على حدٍ سواء.

 

أشار في متن محاضرته إلى أن الاستحواذ على الأرض (LAND) يُشكل عاملاً حاسماً في الحصول على الثروة ومن ثم الهيمنة الإجتماعية/الإقتصادية/السياسية، ولذا فإن الحرب في دارفور لن تضع أوزارها ولن يعود النازحون إلى أراضيهم، لأن غيرهم إستولى عليها، وفي هذا الصدد قال إن حل الإدارة الأهلية وتغيير نظام ملكية الأراضي (الحواكير)، أديا إلى تفجر أزمة دارفور والفشل في علاجها.

 

خلُص الباحث/المحاضر إلى أن السودان في سبيله إلى التفكك والتشرذم، بسبب نظام الحُكم القائم، والذي وصفه بأنه نظام غير قابل للترميم والإصلاح (Too deformed to be reformed) ولذا فإن الحل يكمن في إزالته للحفاظ على وحدة السودان. 

 *- قدم البروفيسور/ هاشم، مُحاضرة أُخرى يوم الجمعة 22/05/2009، بفندق بيرجر (Burgers Hotel) بعنوان "ماذا بعد إنفصال جنوب السودان"، ثم محاضرة أُخرى مساء ذات اليوم بمبنى وزارة التجارة والصناعة في بريتوريا، عن "العلاقة بين التعدد العرقي والغوي والتهميش في السودان"، ومحاضرة رابعة يوم السبت 23/05/2009، في متحف المناضل الراحل/ "هيكتور بيترسون" بضاحية سويتو/ جوهانسبرج.

يُذكر أن المحاضر في طريقه إلى ناميبيا ومنها إلى نيروبي لإلقاء محاضرات مُشابهة.   

  

تعقيب على مُحاضرة بروفيسور/ محمد جلال هاشم، بجنوب إفريقيا

 

بقلم: مهدي إسماعيل مهدي/بريتوريا

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.       

   

أولاً: عنوان المُحاضرة:

 

 لم يوفق المُحاضر في إختيار عنوان مُحاضرته (فالجواب يُقرأ من عنوانه) إذ لو كان المقصود بإفريقيا "القارة الجُغرافية" ففي هذه الحالة يثور تساؤل عن موقفه من مصر وكل دول شمال القارة العربية/الإسلامية، إلا إذا كان المُحاضر يرى انها دولاً  غير إفريقية.  أو أنه لا يعنيها بتساؤله وإن كان الأمر كذلك، فكان الأحرى أن يكون العنوان دالاً على ذلك، فيستبدل كلمة إفريقيا بـ "إفريقيا السوداء، أو إفريقيا جنوب الصحراء الكُبرى". أما إذا كان يقصد بإفريقيا "الهوية الإفريقانية" فكان الأصوب إستبدال كلمة إفريقيا بـالإفريقانية أو الهوية الإفريقية-  Pan-Africanism. ولعله كان يستطيع تجنب كل هذا العنت، لو وضع كلمة سودان بدلاً عن كلمة إفريقيا، لأن الظن عندي أنه معني بالسودان دون غيره، ولم يضع كلمة إفريقيا إلا إرضاءاً للجهات الراعية للمحاضرة والجمهور المتوقع، لأنه من العسير الحديث عن أثر العربنة والأسلمة في كافة دول التماس العربي/الإفريقي "النيجر، موريتانيا، السنغال، تشاد، إريتريا"، دعك عن كُل إفريقيا.

  

ثانياً: عدم التركيز على موضوع مُحدد: إذ حاول المُحاضر التحدث عن كل شئ فتناول التاريخ والجُغرافيا والإقتصاد والسياسة، وظل يقفز من موضوع لآخر دون رابط موضوعي أو منهج علمي تحليلي يبدأ بتعريف الظاهرة ثم تبيان عناصرها وتحليلها ودراسة تفاعلها وتاثيرها، ومن ثم الوصول إلى توصيات أو نتائج محددة، ولقد أدى أسلوب المحاضر الذي بدأ سياسياً أكثر منه أكاديمياً، إلى كثير من البلبلة والتشتت لجمهور المستمعين، كما أنه لم يسلم من أنشوطة نظرية المؤامرة متهماً الغرب وإعلامه بتأجيج أوار نزاعات السودان، مع العلم بأن الحلول التي اقترحها (ذهاب الحكومة الحالية) هي مسائل داخلية لا يد للغرب فيها، وفي ذلك تناقض واضح.

  

ثالثاً: التحامل غير الموضوعي على العروبة والإسلام وربطهما بالرق والعبودية والإستعلاء بصورة جامعة ناسياً إن الإسلام إنتشر في إفريقيا عامة والسودان خاصة بواسطة الطُرق الصوفية التي تتسم بالمُسالمة والزهد والإقناع عن طريق القدوة الحسنة، كما تغاضى عن ذكر الدور الأوروبي والغربي في الرق في إفريقيا والذي يفوق كثيراً الدور العربي، والثابت أن الإسلام إنتشر في إفريقيا لأنه كان أكثر إقناعاً وتطوراً من الديانات الإفريقية الإحيائية والبُدائية. أما اللغة العربية فيعود إنتشارها لذات السبب وهو أنها أكثر تطوراً ومقدرة على تحقيق التواصل مقارنة بغيرها من اللغات المحلية الإفريقية، ولعله من المفارقات أن طلب منه المبعوثون من أبناء جنوب السودان في محاضرته الثانية (ما ذا بعد إنفصال جنوب السودان؟) التحدث باللغة العربية قائلين أنها أيسر على الفهم والتواصل!!!، كما فات عليه أن كل الدول الإفريقية لا تستخدم لغاتها المحلية كلغات رسمية وإنما تستخدم الإنجليزية والفرنسية والعربية والبرتغالية والإسبانية (اللغات المعتمدة لدى الإتحاد الإفريقي) إضافة إلى أن اللغتين الوحيدتين المحليتين اللتان تُستخدمان رسمياً  في إفريقيا هُما، السواحيلية والأمهرية، وهي لُغات ذات جذر وأصل عربي، ولا أدري كيف فات عليه ذلك وهو المتخصص في علم الُلغات؟.

  

رابعاً: غياب التوثيق؛ أورد المُحاضر في سياق حديثه معلومات وأرقام بدون تثبت ودون تبيان مصادرها، ومثال على ذلك حديثه عن عدد المسلمين في جنوب السودان وقوله أنهم أغلبية، وزاد طينه بللاً عندما نكص عن هذا القول (إثر هجوم وإستنكار من أحد المُستمعين) وتحجج بأن "منظمة الدعوة الإسلامية تقول ذلك".كما أنه قال (دون إبراز أي دليل) بأن الحكومة السودانية القائمة أبرمت إتفاقاً مع الحكومة المصرية لتوطين خمسة ملايين مواطن مصري بالولاية الشمالية وحول بحيرة سد مروي، وهذا قول يصعب تصديقه رغم هوس حكومة الإنقاذ العروبوي/الإسلامي، فالولاية الشمالية (حسب التعداد الأخير) لا يتجاوز سكانها المليون نسمة. وعموماً لا يجدر بأكاديمي رصين في محفل علمي مرموق إلقاء القول على عواهنه والإستدلال بالنكات وأقوال العامة المُرسلة.      

      

خامساً: ما هي الإجابة على تساؤله الذي عنون به محاضرته؟ إذ إكتفى المُحاضر بترداد أن الحل يكمُن في ذهاب نظام الحُكم الحالي في السودان، ورغم القناعة بأن النظام الحاكم بالسودان أسهم في تأجيج النعرات الإنقسامية والإستقطاب الحاد بسعيه لفرض الهوية العربية/الإسلامية قسراً (الجهاد والمشروع الحضاري وفرض الشريعة الإسلامية)، وأنه بذلك يتحمل وزر تفكيك السودان الذي سوف يبدأ بإنفصال جنوب السودان، ثم جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور (إن إستمر النهج الحالي) إلا أن المسألة أكبر من مجرد نظام سياسي عابر طال الزمن أم قصُر.

  

سادساً: أليست العروبة والإسلام مكونان أساسيان من مكونات الهوية السودانية؟ ألا يعني تهميشهما ممارسة للظلم وعدم العدالة بصورة مقلوبة؟ بل هل يمكن تهميشهما؟. ألا يعني ذلك دفع العرب والمسلمين إلى حمل السلاح دفاعاً عن هويتهم ودينهم؟ ألا يقود ذلك إلى توفير المبرر الموضوعي للأصوات الأصولية المتطرفة، التي يمثلها منبر الشمال؟ ثم من قال أن السودان الجديد يعني تهميش العناصر العروبية والإسلامية؟، أليس في هذا إعادة إنتاج للأزمة؟.

  ختاماً: أين السودانوية؟؛ في تقديري أن لا مخرج من أزمات السودان، سوى الإقرار بأنه نتاج تلاقح فكري وثقافي وحضاري (وبايولوجي أيضاً) بين العنصر الزنجي والعربي، وبين الدين الإسلامي وغيره من المعتقدات، وهذا الخليط الخُلاسي المدهش قابل للتعايش والإستمرار إن عمد إلى تعميق القواسم المشتركة بمساواة وعدل دون إستعلاء أو إنتقاص، وبداية ذلك الإقرار بأننا سودانيين (لا عرباً أقحاح ولا زنوج خُلص)، ثم السعي بجدية إلى المساواة الإقتصادية أولاً، وتصحيح إختلالات الماضي عبر برامج تمييز إيجابي تستهدف تقوية الشرائح المُستضعفة والمهمشة في الجنوب والغرب والشرق والوسط والشمال، وحتى في الخرطوم نفسها (المركز) التي ربما يوجد بها أكبر عدد من المُهمشين السودانيين، بل إن النائب الأول لرئيس الجمهورية "سيلفا كير"، وكبير مُساعدي رئيس الجمهورية "مني أركو مناوي" يشكوان لطوب الأرض من التهميش وهما في قلب القصر الجمهوري!!!!!.