(نُعيب زماننا والعيب فينا ،،، وما لزماننا عيباً سوانا)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يُعد برتوكول المُشاركة في السُلطة جوهر ولُب إتفاقية السلام الشامل (إتفاق نيفاشا) بإعتبار أن السُلطة هي الدجاجة التي تبيض ذهباً ومن يحوزها يحوز الثروة ومن ثم يستطيع أن يفرض ثقافته ورؤاه، وبنظرة خاطفة إلى قائمة من يتولون مراقي السُلطة العُليا في السودان حالياً (عُمر البشير، علي عُثمان، نافع، عبدالرحيم محمد حسين، بكري حسن صالح، محمد عطا المولى، علي كُرتي، غازي صلاح الدين، عوض الجاز، مُصطفى عثمان، غندور، قُطبي، مندور، كمال عبيد، صلاح قوش، عبدالرحيم حمدي، الزبير أحمد حسن، صابر محمد الحسن، محمد خير الزبير، أُسامة عبد الله، كمال عبداللطيف، كمال علي محمد، عصمت عبدالرحمن "رئيس أركان القوات المُسلحة" و جلال الدين محمد عثمان "رئيس القضاء"، وأخيراً المُشيرة أ.ح./ سناء حمد)، وغيرهم من وكلاء الوزارات ومُدراء الشركات والمؤسسات العامة ورؤساء الجامعات ومراكز الأبحاث وكبار رجال الأعمال والمال، تؤكد أن نظام الإنقاذ لم يتعظ من التاريخ القريب الذي تقول دروسه أن شرارة أول حرب أهلية إنطلقت عشية إستقلال البلاد (تمرد توريت في أغسطس 1955) إحتجاجاً على الظُلم الذي شاب عملية السودنة (توزيع المناصب – أي السُلطة وما يتبعها من مغانم)؛ فتأمل يا قارئ العزيز القائمة أعلاه لتُدرك أن القسمة الضيزى لا تزال ماثلة وأن السودنة أُستبدلت بالشمألة رغم أنف نيفاشا وأخواتها (أبوجا، أسمرا، القاهرة، الدوحة، جيبوتي، أديس أبابا، انجمينا، لاغوس، فرانكفورت، هايدلبيرج،،، إلخ).
لقد إستولى تُجار الدين والسياسة على السُلطة عبر إنقلاب عسكري وكذبة بلقاء قبل أكثر من عقدين من الزمان وأسرفوا في بذل الوعود الجوفاء بحسم التمرد في الجنوب خلال شهرين، وبدأوا مسيرتهم القاصدة للظُلم والتفتيت بقطع أرزاق الناس (وهذه جريرة كبيرة لا ينفع معها ندم ولا توبة إلا بالإقلاع فالقصاص ثُم العدل)، ثُم سيروا قوافل الجهاد وحملات الوعد الحق وسيف العبور والمُغيرات صُبحاً،، إلخ. وبعد 16 عاماً من الحرب الضروس وقعوا على إتفاق سلام هو في جوهره إقراراً كاملاً بفشل وخطل رؤاهم وتصوراتهم الفطيرة التي أودت بمشروعهم الحضاري إلى مثواه الأخير، وقبل أن تضع تلك الحرب الجهادية أوزارها تفجرت أزمة دارفور التي قال مُستشارهم (طبيب الأسنان المُنتحل لمهنة الدبلوماسية-كما طبيب عطبرة المُزيف!!) أنها مُجرد "شكلة" بسبب سرقة جمل تطور إلى نهب مُسلح، ولذا أرسلوا الإرهابي الأول/ الطيب سيخة لرد الجمل المسروق وتأديب همباتة النهب المُسلح، فما فعل سوى أن زاد النار إشتعالاً، ثُم أمطروا حفظة القرآن الكريم في دارفور بصواريخهم وراجماتهم وطائراتهم، وحاكمهم العسكري (الفريق/الدابي) الذي لم يكُن حظه بأفضل من حظ سابقيه (ولن يكون حظ الحاكم العسكري للنيل الأزرق، والإرهابي الهارب من العدالة الدولية/ أحمد هارون "الحاكم العسكري لجبال النوبة"،  بأحسن حالاً).
بعد لأي وعناد ومشاكسة وضغوط دولية وإهدار لوقت وإزهاق لمئات الآلاف من الأرواح البريئة، رضخوا للأمر الواقع فأبرموا سلسلة من الإتفاقيات والعهود والمواثيق (لم يوفوا بأياً منها)، وهاهُم لا يزالون يُمارسون لعبة إبرام العهود والمواثيق والإلتفاف عليها وإفراغها من مضامينها، طالما أن هذا يحقق لهم ثابتهم الوحيد المُتمثل في البقاء في السُلطة إلى أطول مدى مُمكن بالرغم من أن رأس نظامهم وزُمرته لا يملكون أدنى مؤهلات تسنمها (ولعن الله الشيخ الذي ألبسهم جُلباباً أكبر من قاماتهم القزمة وأدخل السودان كُله في جُحر ضب).
ألا يدُل هذا السرد الموجز ومقارنته بما يحدث في أبيي وجنوب كُردفان والنيل الأزرق أن جماعة الإنقاذ سريعة النزوع إلى العُنف وإشعال الحرائق، شديدة اللجؤ للقتل والتدمير ومُدمنة لتكرار التجارب الفاشلة، وأن قادتها ليس بمقدورهم إستيعاب حقيقة أنه يستحيل علاج النزاعات السودانية بالفهلوة السياسية والحروب العسكرية، لأن جوهر الأزمة السودانية على مُختلف تجلياتها وصورها تتلخص في غياب العدالة والمساواة، ولا شئ غير ذلك.
لقد أجمع المحللون السياسيون المُحايدون أن إتفاقية نيفاشا تُعد أهم وأفضل وثيقة سياسية توصلت إليها القوى السودانية المُتصارعة، كما أنها ليست نبتاً شيطانياً جاء من رحم المؤامرة الغربية/الصهيونية على السودان، وإنما هي جِماع وخُلاصة جهود سودانية سابقة بدءاً بمؤتمر جوبا 1947، وتوصيات مؤتمر المائدة المُستديرة بعد ثورة أكتوبر 1964، وبيان 09 يونيو 1969، وإتفاقية أديس أبابا للحُكم الذاتي 1972، وإتفاقية كوكادام 1986، وإتفاقية الميرغني/قرنق 1989، ومُقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995، وكاذب ومُغرض من يقُل بأن الإتفاقية لم تسترشد ولم تستصحب كُل هذه المُبادرات (بل إن هُنالك فقرات نُقلت بحذفارها من تلك الإتفاقيات). ولكن الذي أقعد الإتفاقية وأصابها في مقتل، أن الإنفصاليين في الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني (ولنعترف بأنهم كانوا أغلبية في الجانبين) إضافة إلى المُجتمع الدولي نظروا إليها جميعاً بإنتهازية ووفقاً لأجندتهم الخاصة، وطبقوا بنودها بإنتقائية، حيث وجدها القوميون الجنوبيون (الإنفصاليون وليس الوحدويوون) سانحة لتحقيق حُلم الإنفصال، بينما رأى فيها المؤتمر الوطني (والناطق الفعلي بإسمه/ منبر الشمال بقيادة الخال الرئاسي) فُرصة لتحقيق حُلم فصل الجنوب سعياً لتجانس مزعوم وترسيخاً لأوهام الإستعلاء العرقي والديني والجهوي، دون إدراك لحقيقة أن الخرطوم نفسها غير متجانسة، لا عرقياً ولا دينياً ولا لغوياً، دعك عن النيل الازرق ودارفور وجبال النوبة .
يتجلى سوء النية الذي شاب تنفيذ بنود نيفاشا في رد نائب رئيس الجمهورية "علي عُثمان محمد طه"، عندما سأله أحد الصُحفيين عُقب توقيع الإتفاقية مُباسرة (عام 2005) إن كان سعادته لا يخشى أن تختار الحركة الشعبية الإنفصال عند مُمارسة حق تقرير المصير؟؛ فكان رده الصاعق على السائل "هل تظن أنه ستكون هُنالك حركة شعبية بعد ستة سنوات من الآن؟!". بينما صرح الراحل د. جون قرنق عقب توقيع الإتفاقية مُباشرةً، قائلاً "الآن إنتهت مُشكلة الجنوب وبدأت مُشكلة الشمال". فتأمل ياهذا، الفرق بين تحليل ثاقب لقائد بالفطرة، وبين قول خبيث لسياسي تنحصر كُل قُدراته في التآمر والصمت غير النبيل، ودونكم صمته عن الدفاع عن الإتفاقية التي كان عرابها الأول، لأن الدفاع عنها رُبما كلفه (منصبه الذي يُكنكش فيه بالنواجذ)، وربما ألحقه بشيخه التُرابي وحليفه قوش، وأذله كما ذُل غريمه نافع!!.
نعم، بدأت مُشكلة الشمال مُنذ اليوم الأول لتطبيق الإتفاق الذي لم تتعامل معه حكومة المُتأسلمين إلا بإعتباره مخرجاً من فشل مشروعها الحضاري وروافعه من جهاد ونظام عام،، إلخ، وحلاً لعُزلتها الدولية المتزايدة حتى بعد أن ذبحو اشيخهم قُرباناً للتطبيع مع أمريكا بعد أن رأوا منها العين الحمرة في قصف مصنع الشفاء. فلقد توهم قادة الإنقاذ أن بمقدورهم تفريغ الإتفاقية من محتواها، فسعوا ونجحوا في مسعاهم بتحويل الوحدة الجاذبة إلى وحدة طاردة، حيث اختار الجنوبيون الإنفصال أو الإستقلال (مافي فرق) بالإجماع تقريباً، وزوروا الإنتخابات فأفرغوا عملية التحول الديمقراطي من محتواها ومعناها، وقد غض المُجتمع الدولي الطرف عن التزوير لأن عينه كانت على الكعكة الكبيرة، وهكذا سارت عملية تنفيذ السيناريو الجهنمي غير المعلن- أي إنفراد إنفصاليو الحركة الشعبية بالجنوب، وإستمرار إنفصاليو الشمال في حُكم ما تبقى من البلاد (وقد ساعدهم في ذلك الغياب الفاجع والمأساوي للوحدوي الحق/ جون قرنق، وخفوت صوت قطاع الشمال الذي تكالب عليه وحاربه الطرفان الإنفصاليان- جماعة ريك مشار والطيب مُصطفى). لقد صورت لهُم أوهامهم الفطيرة وتحليلاتهم الخاطئة (وضعف المُعارضة التقليدية) أن الأمر سيمضي بسلاسة بعد نجاحهم في تمزيق الأحزاب وشراء ضعاف الذمم وصغار النفوس من المُنافقين وحارقي البخور اللذين أفسدوا الحياة السياسية، ولكن هيهات فالحرب لا تزال تتفجر كُل يوم في بُقعة من بقاع السودان الفضل، ويمتد مسرحها من الفشقة شرقاً إلى أُم دافوق غرباً، والقادم أسوأ.
نسأل البشير وزُمرته ماذا كنتم تتوقعون من ضُباط وجنود الجيش الشعبي في جنوب كُردفان والنيل الأزرق؟! هل كنتم تتوقعون منهم تسليم دباباتهم وناقلات جُندهم وسائر أسلحتهم، غنائم لمليشيات الإنقاذ ودفاعها الشعبي الذي فشل في الإنتصار عليهم في ميادين القتال، رغم إدعاء مُشاركة القرود في جهادهم المزور؟! (وهل يكون الجهاد ضد إخوة الدين والوطن في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور؟!) - "كبُرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولوا إلا كذباً. هل يسلمونكم أسلحتهم ويعودوا ليتسكعوا في طُرقات الدمازين وباو والكُرمك؟ أم يعودوا عُمالاً بالسُخرة يأكلون الكجيك في المشاريع الزراعية المملوكة لسادتهم في أقدي وشنفور؟!، أم تظنون أن أبناء النوبة يسلمونكم سلاحهم ويعودوا ليعملوا خدم منازل في بيوت عصمت وغازي وحمدي وبقية أحفاد إسماعيل باشا!؟، يا لأحلام العصافير، فذاك زمان ولى ولن يعود والأفضل لكُم التواضع والتعامل مع حقائق السودان الجديد، وتطبيق نيفاشا بحذافيرها، وإلا فالطوفان القادم سيجرفكم إلى مزبلة التاريخ.
لو أراد أبناء النوبة والوطاويط والفونج تسليم أسلحتهم، ألم يكن الأجدر بهم إعادتها لمن منحهم إياها، أو الإنضمام لجيش الجنوب الذي فتح لهم أبوابه وأعلن قادته بكُل صراحة أن كُل من حارب في صفوف الجيش الشعبي له الحق في جنسية دولة الجنوب الوليدة وله حق الإستمرار جُندياً في الجيش الذي حارب تحت رايته؛ هذا في الوقت الذي كان جيش عصمت وعبد الرحيم يطرد أبناء الجنوب الوحدويين الذين أفنوا زهرة شبابهم مُقاتلين في جيش السودان القومي.
خُلاصة القول أن إتفاقية نيفاشا، رغم الثُنائية التي شابتها شكلاً، إلا أنها إتفاقية شاملة في مضمونها وتناولت جذور أزمات السودان ورسمت خارطة طريق واضحة المعالم تمثلت في برتوكولاتها الستة، وأي إتفاقية قادمة سوف ترتكز على مضامين إتفاقية السلام الشامل، لذا فعلى قادة تحالف كاودا أن يكون شعارهم "نعم للتطبيق النزيه لإتفاقية نيفاشا، والإلتزام بالدستور الإنتقالي لعام 2005 نصاً وروحاً"، إذ لا مخرج من مآزق سوء تطبيق نيفاشا، إلا تطبيقها بجدية وصدق وبدون فهلوة وخُبث (ولنا معكم ياقادة التحالف حديث صريح في مقال قريب بإذن الله).

شرُ البلية ما يُضحك:
عندما قرأت نبأ تعيين د. الحاج آدم يوسف نائباً ثانياً لرئيس الجمهورية، وإعادة علي عُثمان نائباً أولاً، تذكرت فوراً مثلاً شعبياً كانت تستشهد به جدتي كُلما أرادت أن تُعبر عن خيبة أملها وسُخطها المشوب بالدهشة من أمرٍ ما، فتقول بعد تنهيدة طويلة (سجم النام فتبول في فراشه،، فلما أيقظوه تبرز فيه) "طبعاً أدخلنا تعديلاً على لُغة المثل رأفةً بالقُراء"، ويالبصير أبوحمد (لزوم الجندرة ومساواة الرجل بالمرأة)، هل حارب خليل ومناوي وغيرهم من الزغاوة والفور والمساليت (والزُرقة) لكي تُعين لهم جنجويدياً نائباً لك؟!، وبالمناسبة لماذا نائباً ثانياً وليس أولاً، طالما رضختم لمنطق المُحاصصة الجهوية؟؟ أم أنه لا يستاهل ولا يملك قوة نيران بنادق سلفا كير؟!. وعلى كُل حال عندما يثور قريباً أحفاد أبطال شيكان في كُردفان فلن يقبلوا بأقل من منصب رئيس الجمهورية (وما في حد أحسن من حد؟!، فكُلنا أولاد تسعة)، نقول ذلك وندعوكم أن تلعنوا معنا (تسعة وتسعين مرة) من أفشى العُنصرية النتنة في مجتمعنا المتسامح، فنحن والله نحمل في جيناتنا كافة أعراق وقبائل السودان،، ولله الحمد من قبل ومن بعد.