(حزام الخير والموارد، الذي تحول بسبب غياب الرؤية والإرادة  إلى قوس أزمات مشدود، يُهدد بتفتيت السودان)

لسبب ما، عُدت إلى بحث دراسي كتبته عام 1980، ضمن متطلبات الحصول على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي "تخطيط التنمية" في جامعة لندن "Wye College"، بعنوان " مشاكل الزراعة الآلية المطرية في السهول الطينية الوسطى بالسودان- تحليل اقتصادي/اجتماعي "Socio-economic analysis" ودون إطناب أو إسهاب، أُقدم لكم -بكل أمانة- ترجمة حرفية لجزء يسير من ذلك البحث:-

"إن قصة الزراعة والرعي الُمترحل (Nomadism) ليست جديدة في السودان، فقد بدأت مع إنشاء مشروع الجزيرة في أوائل العشرينيات- s1920، إذ أن الأرض التي أُقيم عليها المشروع كانت تُستخدم من قِبل الرعاة الرُحل والذين توجهوا جنوباً بعد إقامة المشروع. تكررت ذات القصة مرة أخرى مع التوسع الزراعي الذي صاحب مشاريع الزراعة الآلية المطرية (RMS) في مناطق الدالي، المزموم، القضارف، جنوب دارفور، جنوب كردفان وشمال بحر الغزال".
"هنالك عدة مقترحات لعلاج مشكلة الصراع بين الزراعة والرعي، حيث يرى البعض أن أفضل سبيل للعلاج ترك المُشكلة لتحل نفسها بنفسها، إذ كُلما قلت مساحة الأرض المُتاحة للرعاة الُرحل، كلما أصبح الرعي المتنقل مُستحيلاً وبالتالي فليس أمام الرعاة سوى الاستسلام وهجر طريقة حياتهم السابقة والبحث عن الاستقرار. أما السبيل الآخر- الأفضل والأكثر معقولية- هو إقامة مراعي مُغلقة (Closed-ranches) مع توفير المياه الكافية، وذلك على طول المسارات التقليدية للرعاة الرُحل، ومراقبة تحركاتهم بإقامة نقاط تفتيش لمنع الصدامات المسلحة بين المزارعين والبدو الرُحل (الرعاة) ".
"لقد أدى استخدام البياطرة لوسائل المواصلات الحديثة واكتشاف لقاحات بيطرية للأمراض الوبائية التي تصيب الحيوانات إلى زيادة هائلة في أعداد الثروة الحيوانية، ومع تقلص الأراضي المُخصصة للرعي المُشاعي (Communal-grazing) فإن ذلك سوف يقود إلى تنافس حاد بين المزارعين والرعاة (البدو الرحل)، وسوف يؤدي في نهاية المطاف إلى ما يعرف بالرعي الجائر (Over-grazing) وبالتالي سيادة الأنواع الرديئة من الأعشاب والأعلاف الطبيعية".
"يمكن معالجة مشاكل (سلبيات) الرعي المترحل من خلال برامج تنموية طويلة المدى ومشاريع تنمية ريفية شاملة ومتكاملة، وينبغي أن تشتمل مثل هذه البرامج على خطط مُتكاملة في مجال الإرشاد الزراعي وإدارة الأراضي وملكية الأرض (Land rights/tenure)، والتسويق والتمويل (القروض الزراعية) والصحة والتعليم والمياه والمواصلات".
كما أن من الضروري والأساسي إشراك المواطنين في إعداد وتطبيق هذه البرامج.

"إن من أخطر الاتهامات التي توجه للزراعة الآلية، هي أن النمط الحالي لاستخدام الأراضي أدى إلى تدهور خصوبة الأرض وإزالة الطبقة العُليا الخصبة، نتيجة للطرق والممارسات الزراعية الخاطئة وغير الملائمة".
"إن الطريقة التي يتم من خلالها منح التصاريح الزراعية، تُتيح فقط للتجار والمتقاعدين من العاملين بالخدمة المدنية والمسئولين الحكوميين، الاستحواذ على الأراضي الزراعية (مشاريع الزراعة الآلية المطرية)، وينتج عن ذلك قيام أصحاب هذه المشاريع بتعيين وكلاء عنهم لإدارة مزارعهم، وبالتالي خلق أعداد كبيرة من المزارعين الغائبين (Absentee Lessees)".
"تتداخل وتتفاعل كل هذه الظروف مع شره ونهم أصحاب المشاريع (الذين ليسوا مُزارعين في الأساس) ورغبتهم في الحصول على أقصى عائد بأقل تكلفة وفي أسرع وقت ممكن، مما أدى ويؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه الزراعة الاستنزافية (Extractive-agriculture)، حيث تقوم شريحة صغيرة من الرأسماليين باستخلاص التربة على طريقة التعدين (Strip-mining) للحصول على أرباح سريعة على حساب المصالح طويلة المدى لكل المجتمع. وبهذه الطريقة يتحصل المزارعون الغائبون على أخصب الأراضي ويقومون باستغلالها بطريقة نهبية مرهقة (للأرض) لمدة أربعة أو خمسة أعوام، ثم يتركونها ويتحصلون على أراضي جديدة ومشاريع جديدة، وهكذا".
"لقد أدى نظام الزراعة الاستنزافية إلى تدهور خصوبة التربة وزيادة معدل التصحر، وبالرغم من أنه من غير المعروف في الوقت الحالي الآثار المستقبلية لهذا النمط الإنتاجي على البيئة، إلا أن الصورة تبدو قاتمة (Gloomy)".
"يمكن علاج هذه المشكلة بكل بساطة، وذلك بمنح الأرض لمن يفلحها فعلاً ويعتمد عليها اعتماداً تاماً، لأن أمثال هؤلاء من صغار المزارعين التقليديين لهم مصلحة في الحفاظ على إنتاجية الأرض لأطول فترة ممكنة. وفي الوقت الراهن فليس لهؤلاء المزارعين التقليديين (Traditional/Peasant farmers) القدرة على الحصول على الآليات ومدخلات الإنتاج اللازمة، ولهذا السبب تحديداً لا بد من حدوث تغيير (إصلاح) هيكلي وتنظيمي".

"لا ينبغي فقط إعادة النظر في اقتصاديات الزراعة الآلية على مستوى المشاريع الزراعية، وإنما يجب دراسة آثار الميكنة الزراعية على الإطار الاجتماعي والسياسي، ودوره في توزيع الثروة والسلطة الاقتصادية (Economic power)".
"إن حزام السهل الطيني بالسودان (الممتد من الحدود الشرقية حتى الحدود الغربية) ذو أهمية جغرافية/سياسية فريدة (Unique geo-political importance)، فبالنظر إلى خريطة السودان نجد أن هذا الحزام يقسم السودان إلى جزأين واضحين، جزء شمالي بثقافة عربية-إسلامية، وجزء جنوبي بثقافة إفريقانية-مسيحية".
نتيجة لهذا الموقع (أو الوضع) السياسي، فإن استقرار هذا الحزام هام جداً (Essential) لاستقرار كل القطر بأكمله.لأن الآثار العملية (Demonstration-effects) سوف تؤثر تأثيراً عميقاً على نمط الإنتاج في مشاريع التنمية المستقبلية في السودان.
إن البنية الهيكلية لهذا النمط الإنتاجي- والتي هي بصورة أو بأخرى نظام إنتاج رأسمالي_ سوف تقود إلى تراكم الثروة في أيدي نخبة صغيرة. وهذا يقود بدوره في نهاية الأمر إلى وجود أعداد كبيرة من العمال الزراعيين (الأُجراء) الذين لا أرض لهم، وبلا شك فإن هذا مجال لمواجهة طبقية محتملة في المستقبل.
"ليس سراً إن السودان يسعى إلى اللامركزية ونظام إقليمي للحكم، وهذا يستدعي بالضرورة توزيعاً عادلاً لمشاريع التنمية في أقاليم البلاد المختلفة، حتى لا تكون بعض الأقاليم عالة على الأخرى".
"إن التوسع الأفقي الراهن في مشاريع الزراعة الآلية المطرية يتركز في شمال شرق البلاد، ولكنه ينبغي أن يتجه صوب الأجزاء الغربية والجنوبية، لخلق التوازن الإقليمي الذي يحتاجة السودان بشدة (To create the regional balance which is badly needed)."

لندن- 1980
انتـهـى

لا تعليق، سوى القول بأن السودان لم يكن بحاجة لمئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين واللاجئين، وحرق القرى وتمزيق النسيج الاجتماعي والتشكيك في جدوى الانتماءات القومية، لإدراك هذه الحقائق العلمية التي لا تحتاج لنبي للإلمام بها. وختام القول، وبدون أي مماحكات ومزايدات سياسية، هذه هدية وتذكرة ومناصحة مُعادة ومُكررة للمسئولين وكافة أطراف نزاعات السودان، فقد يجدوا فيها ما يُعين، لعل الذكرى (للمرة الثانية) تنفع الجميع.

mahdi osman <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>