عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يُحكى أن إمرأة من ريفنا الكُردفاني إحترق منزلها المبني من القش الجاف، وبدلاً من أن تلطُم وتولول (وتُسكلِب)، قهقهت شامتةً وقائلةً "كدي كدي، عجبني للمرقوت!!" تعبيراً عن غبطتها وإنبساطها من النهاية الفاجعة للبراغيث التي احترقت مع عنقريبها وما عليه من فرش، فالبراغيث كانت تقض مضجعها وتُحيل نومها أرقاً ونهارها ليلاً وتمتص دمها (وتقطع أوصالها) نتيجة الهرش والحك المتواصل. طافت بذهني هذه الخاطرة وأنا أقرأ  مُتعجباً ً رد الرئيس المشير/ عُمر البشير، على سؤال الصُحفي ضياء الدين البلال خلال المؤتمر الصُحفي (الذي لم يكُن أكثر من دغمسة وهترشة)، وقد سأل الصحفي، الرئيس المشير ما يُثار عن مراكز القوى والصراع داخل المؤتمر الوطني وإزاحة رجل النظام القوي- صلاح سنمار!! (الذي أوهمنا بأنه قراقوش زمانه)، فقد رد الريس وبمنتهى السُخرية والإستخفاف على ود البلال (وبهزل لا يليق في موقع الجد)؛ "سيبك من صلاح قوش؛؛ انحنا لما إختلفنا مع التُرابي عزلناه"، والجُملة في سياقها الصحيح ينبغي أن تُقرأ كالتالي "صلاح قوش شنو (ونافع منو وعلي عُثمان أيه) العندهم مراكز قوة !!!، يا أخي إحنا التُرابي ذاتو مسحنا بيهو الأرض !!". وسبحان الله مُغير الأحوال أليس هذا هو ذات القوش الذي توعدنا بالصلب والقطع من خلاف متوعداً "من يذكر كلمة المحكمة الجنائية أو ينتقد الرئيس البشير، سوف نُقطع أوصاله ونطعم عظامه للكلاب ونُريق دمائه للبراغيث". وددت لو أنني امتلك مصباح علاءالدين السحري لأتمعن وأتفرس في تعابير صلاح قوش ورد فعله وهو يقرأ هذا التصريح!!، ألا يزال رئيس جهاز الأمن على إستعداد لتقطيع أوصالنا من أجل البشير؟؟ أم أن البشير في رأيه الآن خائن للعهد وطاغية لا يؤتمن (كما قال أمس البرغوث/ عبد السلام جلود، من الدوحة عن ولي نعمته القذافي، بعد 42 عاماً كاملةً من الإنبطاح ومص دماء الشعب الليبي)، ما أقدر الإنسان على النفاق والتلون بكافة ألوان الطيف دون أن يرمش له جفن.
أما التصريح الناري الثاني "الصاعق" لولي النعم فقوله "لا يوجد شئ يمنع – بحُكم علاقة عقار مع عبد العزيز الحلو- النظر في إيجاد حل لمُشكلة جنوب كُردفان عبر التفاوض، وإذا وصلنا لحل عبر التفاوض سيكون هذا هو المطلوب" ولم يجرؤ الصُحفي الهُمام أن يسأل رئيسه ماذا يعني سيادته بعلاقة عبد العزيز الحلو ومالك عقار، هل هي علاقة صداقة أم علاقة تنظيمية سياسية أم ماذا ياهذا؟؟، ولعلم الرئيس فإن مالك عقار يتولى منصبه كوالي مُنتخباً عن الحركة الحركة الشعبية (التي لا يعترف الرئيس بوجودها في الشمال) كأنما الدمازين تقع في جنوب الجنوب، وكأنما نواب الحركة الشعبية بالبرلمان القومي ومجلس تشريعي جنوب كُردفان مُمثلين لحزب ومواطنين خارج ما تبقى من السودان المشروم!؟، ثُم بأي صفة يُريد الرئيس أن يتفاوض  مع عبد العزيز الحلو، هل بصفة الأخير مُتمرداً أم نائباً لرئيس الحركة الشعبية مالك عقار؟؟. هذه الغلوتية تقودنا إلى تساؤل أكثر سريالية لعله لا يزال يدور في رأس الوسيط الدولي والإقليمي الرفيع/ تابو امبيكي، كيف قبلت حكومة البشير إبتداءً بوساطة الإتحاد الإفريقي لحل أزمة ولاية جنوب كُردفان (جبال النوبة) وشكلت وفدها برئاسة مُساعد رئيس الجمهورية/ نافع علي نافع، وعضوية جهابذة إتفاقية نيفاشا (إدريس محمد عبد القادر، وسيد الخطيب ومحمد حسن،، إلخ) وأرسلتهم إلى أديس أبابا (وليس إلى قرية الشكينيبة أو حوش بانقا) وحددت لهم صلاحياتهم ومدى تخويلهم (T.O.R.)، وأبرم هؤلاء إتفاقاً ومهروه بتوقيعهم، ثُم  يأتي السيد/ الرئيس وينقض كُل ذلك قائلاً إنه لا يقبل بالإتفاق، بل لا يقبل أصلاً بالتفاوض خارج السودان ولا يقبل بوساطة خارجية؟!، والسؤال هو إذا كان هذا موقفك لماذا أرسلتهم إلى أديس أبابا للتفاوض بوساطة الإتحاد الإفريقي وتابو أمبيكي الجنوب إفريقي (وليس الشيخ الجعلي أو مالك الحزين). أفتونا يا أهل الإفتاء إن كان فيكم من يستطيع أن يقول البغلة في الإبريق!!. ألم يكن الإتفاق الإطاري الموقع في 28/06/2011، في أديس أبابا، حلاً تفاوضياً وإستكمالاً لإتفأقية نيفاشا، وعلاجاً (يحقن الدماء) لمُشكلة منطقتي جنوب كُردفان والنيل الأزرق، خاصةً وأنه نص على وجود جيش قومي واحد للبلاد، ووضع الآليات الكفيلة بتحقيق هذا الهدف؟؟!!. فهذا هو السيد/ نافع علي نافع (بشحمه ولحمه)، يُهاجم الإتفاق الذي مهره بتوقيعه ويقول عن نده المفاوض/ عبد العزيز الحلو ما لم يقُله مالك في الخمر، ويتغزل في حكمة ولي النعم ولم يبق له إلا أن يقول كما قال الشاعر العباسي مُنافقاً أحد الخلفاء العباسيين:
ما شئت لا ماشاءت الأقدار*** فأحكم فأنت الواحد القهار
فكأنما أنت النبي مُحمداً *** وكأنما أنصارك الأنصار
ولا شك أن النافع يقول ذلك وهو واثق أن إبرام الإتفاق الإطاري يُعد أفضل إنجازاته السياسية على الإطلاق، ولكن ماذا نفعل مع الرجال ونفاقهم الذي يبدو أنه ثقافة عربية/إسلامية خالصة بنسبة 100% (وليس 98% فقط).
وبمناسبة هذه النسب، فقد قال الرئيس في ذات اللقاء الصحفي، مُعدداً فوائد وإيجابيات الإنفصال (إن الجنوب كان سبباً في المشاكل والتنوع الديني والعرقي- أي الدغمسة بلغته- وبإنفصاله أصبح المُسلمون يشكلون 98% بدولة ما تبقى من السودان، وبالتالي لن تكون هُنالك مشاكل، بل تجانس يقود تلقائياً إلى توقف الإحتراب والنماء والتطور). على مهلك ياريس ألم تقرأ في حصص التاريخ بالمرحلة الإبتدائية أن الفتنة الكُبرى (التي قادها صحابة رسول الله وسقط فيها الآلاف من حفظة القُرآن الكريم في صفين وموقعة الجمل وكربلاء) لم تكن بين بني علمان والمسلمين (ونوبة ومسيرية، أو بين زُرقة وحُمرة)، وإنما بين ذوي رحم واحدة ودين واحد، ولماذا نذهب إلى التاريخ البعيد ألا تتعظ بما يحدث في الصومال التي تُعد أكثر الدول قاطبةً  تجانساً دينياً وعرقياً (وتتكون من قبيلتين فقط – العفر والعيسى وبطونهما)، أم لم تر ما يحدث في العراق بين السُنة والشيعة، ولماذا نصوب نظرنا إلى الخارج، أليس أهل دارفور مُسلمين بنسبة 100% وحفظة للقُرآن الكريم بقراءاته السبعة!!، وأسمح لنا أن نسألك، ألم تنقسم الحركة الإسلامية السودانية (بسببكم) إلى فئتين مُتصارعتين بعداوة وفجور لم يسبقكما إليه أحد؟!
أما ثالثة الأثافي فهي إقتراح الرئيس بدمج أحزاب المؤتمر الوطني والأُمة القومي والإتحادي الديمقراطي مُعللاً إقتراحه بأن (ما في فرق بين أحمد وحاج أحمد وسيد أحمد)، وأصدقكم القول فهذه أول مرة اتفق فيها مع الرئيس في أمرٍ ما، ويبدو أن عشرين عاماً ونيف قد علمته إدراك بعض البديهيات، ولكن لنا سؤال بسيط إن كان الأمر كذلك، فلماذا انقلب سيد أحمد على أحمد وحاج أحمد؟؟ وأراهم خلال عشرين عاماً من حكمه الويل والثبور والنجوم في عز الظهر، ألا يثبت حديث الريس هذا، أن الخلاف بينهم ليس سوى تنازع على كراسي الحُكم والسُلطة الفاتنة؟؟، وأن شعار "هي لله هي لله" – الذي أصبح مثاراً للسُخرية والتندر- ما هو إلا ذر للرماد في العيون وحلقة في سلسلة الكذب والدغمسة المتصلة منذ 30 يونيو الأغبر!!.
رجاء أخير: أرجو من القُراء الكرام قراءة أو إعادة قراءة الحوار الصحفي الذي أجراه الصُحفي ضياء الدين البلال مع رئيس الجمهورية، هذا إن كانت لديهم برودة أعصاب تمكنهم من قراءة المقال بجُزئيه حتى نهايته، وأنا واثق جداً بأنهم سوف يقتنعون تماماً (بعد ٌالتمعن في ما ورد بالمقال) بأن مُشكلة السودان ليست في كيف يُحكم السودان كما يروج الصادق المهدي وعرمان وغيرهما، وإنما مُشكلة السودان الحقيقية تكمن في من يحكُمه (ومن يقود المُعارضة)، وبنظرة خاطفة وإستعراض سريع لأسماء وقُدرات من حكموا السودان منذ الإستقلال وحتى الآن؛ العسكريين (عبود ونميري وسوار الدهب والبشير) والمدنيين (أزهري وعبد الله خليل وسر الختم الخليفة والجزولي دفع الله) يتأكد تماماً لدى الجميع عُمق الأزمة الحقيقية (Leadership crisis) التي تعيشها البلاد وأسباب تخبطها وإنهيارها وتشظيها، وفي ظل إنعدام المؤسسية والرؤية وغياب الأنداد الذين يصدعون بقول الحق لا يخشون فقدان منصب أو مال أو جاه، يتضخم دور الفرد ويتوهم الحاكم مهما تواضعت قُدراته الفكرية (وتشابه عليه البقر) إنه فريد عصره ومُلهم زمانه، يُصبح كالثور في مستودع الخزف يشطح وينطح ويعيث فساداً في الأرض، وهذا موضوع سبق أن تناولناه في مقال بعنوان (في إنتظار جودو أم عزرائيل؟؟). ولكن وللأسف لم يأت أياً منهما حتى الآن!!.
ختاماً؛ يطحننا الحُزن والأسى من الأخبار العامة والخاصة التي تنهمر من السودان إنهمار السيل العارم، حاملة الفواجع والكوارث فتزيدنا هماً على غم وإحباطاً على إحباط ، ولا نملك إلا نقول إن العين لتُدمع والقلب ليحزن، ورحم الله موتاكم وموتانا وشُهدائكم وشُهدائنا وغفر الله للجميع.
تقبل الله صيامكم وقيامكم، وكل عام وأنتم بخير.
25/08/2011