عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لن تفوت على فطنة القارئ أن هذا العنوان مُقتبسُ- مع قليل من التحوير- من رواية "وداعاً أيها السلاح- A farewell to Arms" الذائعة الصيت للكاتب الأمريكي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1956/ إرنست هيمنجواي (1899-1961)، والتي نشرها عام 1929، أي بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وقد تم تصنيف الرواية ضمن أفضل مائة عمل روائي باللغة الإنجليزية في القرن العشرين وتحولت إلى عدة أعمال سينمائية ناجحة، وهي عبارة عن سيرة ذاتية من خلال قصة حب رومانسية تمزج بين المشاعر العاطفية المشبوبة والمآسي الإنسانية التي عاشها الكاتب خلال إشتراكه كسائق عربة إسعاف بالجيش الإيطالي في تلك الحرب اللعينة.
لقد كان من المؤمل أن تؤدي الإتفاقية المُسماة زوراً بإتفاقية السلام الشامل (CPA) – إذ ثبت عملياً أنها لا شاملة ولا سالمة- إلى إقرار واقع سلمي تنبثق عنه روايات رومانسية على شاكلة وداعاً أيها السلاح، ولكن يبدو أن السودان على أعتاب رواية جديدة عنوانها "وداعاً أيها السلام؛ مرحباً أيها السلاح". فالناظر للإتفاقية (ولنتفق على تسميتها بإتفاقية نيفاشا) يُلاحظ بسهولة ويسر أنها أدت إلى نقيض المُرتجى منها تماماً، فالتحول الديمقراطي تحول بفعل النافعيين بالمؤتمر الوطني إلى التدهور الديمقراطي، وتحولت الوحدة الجاذبة بفعل الإنفصاليين جنوباً وشمالاً إلى إنقسام عدائي؛ وتبدلت المشورة الشعبية إلى مسخرة شعبية، والمشاركة في السُلطة إلى شراء للذمم، وقسمة الثروة إلى الإنغماس في الفساد ونهب المال العام،،، وأخيراً هاهي بروتوكولات المناطق الثلاثة تقود إلى تحويل التعايش والتصاهر الممتد لقرون بين قبائل الدينكا والمسيرية وبين النوبة والحوازمة إلى إقتتال وحرب ضروس، لن تقتصر آثارها على أبيي وجنوب كُردفان وحدهما وإنما سيطال حريقها كافة مناطق التماس التي يصل طولها إلى 2010 كلم، وتؤثر على حياة أكثر من ثلاثة عشر مليون مواطن سوداني على الجانبين. 
ظن بعض المُتابعين لمسرح اللامعقول السياسي بالسودان، أن إنتخابات جنوب كُردفان هي آخر مسمار يُدق في نعش إتفاقية نيفاشا- فأتت أحداث أبيي المؤسفة لتؤكد أن جُراب الحاوي لا يزال مليئاً بالأفاعي، ولتثبت مرةً إثر اُخرى (كما سبق أن أسلفنا مراراً وتكراراً) أن حزام الخير والموارد الممتد من كافي كنجي وأم دافوق غرباً مروراً بأبيي وصعوداً إلى الرنك ثُم شرقاً إلى الكُرمُك وشنفور، سيتحول إلى حزام للنار والبارود، وإلى مسرح للحرب القادمة، كما فصلنا في مقال قبل أكثر من عامين بعنوان (مسرح الحرب القادمة: الجنوب الجديد لسودان حمدي القديم- مقال منشور في سودانايل بتاريخ 06/أكتوبر/2009).
ليس مُصادفةً أن تكون ولاية جنوب كُردفان، الشرارة التي ستشعل حريق السودان الجديد، وذلك للعوامل التالية:-
-    الموارد الطبيعية الهائلة التي تذخر بها الولاية، ومنها البترول والغاز الطبيعي والحديد والأراضي الخصبة،،،،إلخ.
-    موقعها الجيوبولتيكي الجديد (من ولاية وسطية إلى ولاية حدودية تجاور أربعة ولايات جنوبية؛ أي حدود دولية) ،، إلخ، مما جعلها بؤرة إستقطاب حاد ومواجهة لحسم كافة المشاكل العالقة والمُعقدة بين الشمال والجنوب.
-    وجود عدد كبير من أبناء جبال النوبة والمسيرية والأنقسنا في الجيش الشعبي لتحرير السودان، وقد صرح مؤخراً/ ياسر عرمان، بأن عددهم يبلغ حوالي 40,000، لم تتم تسوية أوضاعهم بعد وهؤلاء يشكلون رصيداً جاهزاً لـ (أنانيا-3) أو حركة شعبية جديدة.
-    أصبحت الولاية بسبب أزمة أبيي ساحة للمواجهة مع المُجتمع الدولي، وذلك بعد رفض حكومة الإنقاذ تنفيذ قرار لجنة ترسيم حدود أبيي (ABC)، ثُم رفضها لقرار محكمة العدل الدولية بعد أن أعلنت إلتزامها به والقبول بحُكمه.
-    قرار المؤتمر الوطني غير الموفق وغير الحكيم بترشيح مُتهم أُممي بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي (أحمد هارون) والياً، ثُم حشد إمكانيات الدولة وتزوير الإنتخابات لضمان فوزه، فأحمد هارون غير قادر على حماية مصالحه الخاصة دعك عن مصالح شعب ولايته وخاصة الرُعاة من قبائل الحوازمة وغيرهم من العرب الرُحل (ولنتذكر أن أحمد هارون لا يستطيع الذهاب إلى الحج أو العمرة أو حتى زيارة مدينة واو أو بانتيو!!؟؟)؛ لذا فإن فوز أحمد هارون ليس أكثر من قُنبلة موقوتة قد تنفجر في وجه الجميع في أي لحظة، وأولهم المؤتمر الوطني والرعاة من القبائل العربية.
-     تزوير الإحصاء الإسكاني إبتداءً، ثُم إعادته مرة ثانية والتي أكدت إرتفاع عدد سُكان الولاية من مليون وثلاثمائة ألف إلى حوالي مليونين ونصف (أي الضعف تقريباً)، مما أثبت إتهامات الحركة الشعبية للمؤتمر الوطني بالتزوير والنية المُبيتة للتلاعب بالإنتخابات، وهذا بدوره فاقم من أزمة عدم الثقة الغائبة أصلاً بين طرفي النزاع، وأتت الإنتخابات الأخيرة لتصب الزيت على النار (وتم إكمال الناقصة وتتويج المأساة بإحتلال  أبيي مؤخراً -21/5/2011).
-    تُعتبر ولاية جنوب كُردفان (إضافة إلى ولاية جنوب دارفور) جسراً بين دولة السودان الجنوبي وإقليم دارفور حيث الثورة المُشتعلة وشمال كُردفان حيث الثورة الكامنة، وإذا ما تمكن دُعاة السودان الجديد من إقامة حلف عسكري بين حركات المقاومة الدارفورية والناقمين في جبال النوبة والمهمشين في جنوب النيل الأزرق (وهو أمر وارد بشدة) فسوف يُشكل هذا التحالف الإستراتيجي خطورة كبيرة على نظام الجبهة الإسلامية في الشمال، بل سيؤدي إلى مواجهة مُباشرة مع ماتبقى من السودان مُمثلاً في مثُلث حمدي الذي يقف وحيداً الآن، خاصةً إذا ما أخذنا في الإعتبار أن هذه الولايات الطرفية (البالغ عددها خمسة حالياً والثمانية مُستقبلاً) سوف تُشكل حوالي 40% من مساحة السودان بعد 09 يوليو 2011، وتضُم جُل ثرواته الحيوانية والنباتية والمعدنية!.

-     تساؤلات مشروعة:
1.    ماذا إذا ردت حكومة الجنوب على إحتلال أبيي، بقفل كافة حدودها مع دولة السودان الشمالي (وتلغيم الحدود) لمنع الرعاة من تجاوز حدود 1956؟!، من المتضرر في هذه الحالة؟!.
2.    هل سيظل الجنوب يُصدر نفطه عبر الشمال واضعاً رقبته تحت سكين وأمزجة البشير ونافع وعبد الرحيم محمد حسين وغيرهم من غُلاة المؤتمر الوطني؟!.
3.    ماذا إذا نجحت حكومة الجنوب في دفع المجتمع الدولي إلى تطبيق الفصل السابع لتطبيق قرار محكمة العدل الدولية (لاهاي) وحماية للمدنيين الذين استهدفتهم الحكومة بالطرد و(التهجير القسري لقبيلة دينكا نقوك) والعملية الأخيرة تُعد جريمة من جرائم الحرب التي تُبيح للأمم المتحدة التدخل؟!.
4.    هل من المقبول عقلاً ومنطقاً أن تهاجم الحركة الشعبية قوات مُشتركة منسحبة شمالاً؟؟ ثٌم لا تدافع عن نفسها في وجه مليشيات المسيرية التي تتوغل الآن جنوباً؟!.
5.    ألا يشي سُرعة رد فعل الحكومة وإستيلائها على منطقة أبيي في أقل من ثلاث ساعات على أن خُطة الإستيلاء مُعدة سلفاً، وأن الدبابات والمدفعية والطائرات والراجمات (ومليشيا المسيرية) قد تجهيزها وحشدها منذ وقت بعيد؟! (راجع بيان نائب مُدير الإستخبارات اللواء/ صديق عامر، الذي قال فيه أن خُطة وزمان ومكان ومسرح العملية مُحدد ومعلوم)؟!.
6.    ألا تخشى حكومة البشير من ردة فعل مجلس الأمن على رفضها مُقابلته بحُجة أن الوفد ينتقص من سيادة وكرامة البلاد، لرفضه مُقابلة الرئيس (مع العلم بأن من هُم أقل شأناً من وفد مجلس الأمن – ومنهم قرايشون وكيري- يسرحون ويمرحون ويقابلون كُل من هب ودب في السودان إلا رئيس الجمهورية/ البشير)، فما الجديد في الأمر؟!.
7.    هل تُريد حكومة الإنقاذ إعادة التفاوض حول أبيي من مركز قوة (أي وهي مُحتلة لأراضي الجنوب) تشبهاً وتيمناً بإسرائيل في تعاملها مع العرب؟! ولكن ألا يدرك ساسة الإنقاذ أن السودان ليس إسرائيل؟!.
8.    ما جدوى إعلان الرئيس/ البشير، بأنهم يسعون لحل سلمي، وتصريح الخارجية بأن لا مانع من الإنسحاب وفق ترتيبات جديدة وإتفاق جديد، وما جدوى إبرام إتفاق جديد في وقت لم تحترم فيه الحكومة السودانية أي إتفاق سابق مع أي جهة خارجية أو داخلية!؟.
9.    ألا تنُص المادة 68 (2) من دستور جمهورية السودان الإنتقالي لعام 2005 على "يُصدر رئيس الجمهورية قراراته بموافقة النائب الأول بشأن المسائل التالية":
أ)- إعلان حالة الطوارئ وإنهائها.
ب)- إعلان الحرب.
(فصلنا ذلك في مقال بعنوان؛ الإنتهاك الخطير للوائح والدساتير في زمن سلفا والبشير- المنشور في سودانايل وأجراس الحرية والراكوبة وقائمة عابدين 27/12/2011).
10.    ألا تخشى حكومة البشير من إشتداد عزلتها على الساحة الدولية وفُقدان أقرب منُاصريها بسبب قرارها الأرعن بخرق إتفاقية نيفاشا التي هي في حُكم الإتفاقيات الدولية، فمصر تحديداً لا تستطيع مسايرة الخرطوم في تهورها، حفاظاً على مصالحها وعلاقتها مع دولة السودان الجنوبي، فالقاهرة حريصة على أن لا توقع حكومة الجنوب على إتفاقية عنتيبي الجديدة لقسمة مياه النيل (أو ترفض إستئناف العمل في قناة جونقلي) ولهذا سارعت إلى عرض وساطتها، وهذا معناه بلغة الدبلوماسية أن مصر لا تؤيد إحتلال أبيي!؟.
11.    وبمناسبة مصر؛ ألا تستحي حكومة البشير من إعلان منطقة حلايب منطقة تكامل (ذراً للرماد في العيون) وتحتل أبيي في ذات الوقت؟!.
12.    هل يرتكب الإمام/ الصادق المهدي، خطأً قاتلاً بمحاولة إستغلال حالة الضعف الشديد الذي يمر به حزب المؤتمر وحكومته، ويسعى "تحت أغراء الحصول على مكاسب وحصة كبيرة من المناصب الدستورية" إلى المشاركة في الحكم وركوب السفينة الغارقة حتماً.

مسك الختام:
هل تُشير إستقالة/ د. لوكا بيونق من منصبه كوزير إتحادي (مع ملاحظة عدم إستقالة النائب الأول/ سلفاكير- الذي تم تجاهله ومعاملته بإحتقار رغم أنف الدستور ومنصبه الرفيع إسماً)، وتصريحات المُستشار الإعلامي لرئيس الحركة الشعبية بجنوب كُردفان/ قمر دلمان (التي قال فيها أن الحركة الشعبية لا تضمن سلامة الوالي/هارون وبقية قادة المؤتمر الوطني بالولاية) إلى وجود تململ ومعارضة للنهج المُهادن الذي تتبعه الحركة الشعبية في مواجهة المؤتمر الوطني وهل يتطور هذا التململ إلى إنشقاق في الحركة الشعبية، وعودة قطاع كبير منها (أبناء النوبة والأنقسنا) إلى الكفاح المُسلح، هذا بالرغم من وجود إتفاق غير مُعلن وسط قواعد وقادة الحركة على إحناء الرأس لمغامرات حكومة الأبوات الخمسة، حتى التاسع من يوليو 2011، وبعدها لكُل حادث حديث، إذ من المؤكد أن تنسحب الحكومة وهي صاغرة من منطقة أبيي رغم كُل العنتريات والطلاقات التي خبرناها سابقاً، ومع ذلك نخشى أن يُردد الجميع حينها مقطع مرحباً أيها السلاح، المُقتبس من قصيدة كُتبت في القرن السادس عشر (تاريخ إنشاء أول دولة عربو/إسلامية في السودان الزنجي/المسيحي)، للكاتب الدرامي الإنجليزي/ جورج بيلى.