عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 يسود إجماع نادر بين السودانيين بكافة ألوان طيفهم السياسي "معارضين ومؤيدين للنظام الحالي الحاكم" على أن الوطن يجتاز مرحلة بالغة الدقة والخطورة من مراحل تطوره السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهي مرحلة تهدد كيانه ووجوده - وإن لم يتم التعامل معها بوعي وتجرد- فسوف تقود إلى نتائج وخيمة، كإنفصال الجنوب ثم دارفور وربما جبال النوبة والانقسنا، وبالتالي تفتت السودان إلى كيانات عرقية عنصرية صغيرة، في وقت تلوح فيه نُذر حروب أهلية جديدة (جنوب وغرب كردفان) كنتيجة حتمية لبلوغ الاحتقان والاستقطاب الجهوي والقبلي والديني، مداه الأقصى، ويزيد الطين بلة حدوث كل هذه التطورات والتداعيات السالبة في ظل مواجهة مكشوفة مع المجتمع الدولي، ولكن ما يبعث على الدهشة والغيظ حالة التبلد الجمعي والبيات الشتوي لأحزابنا السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووقوفها موقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيها، إذ ينبغي في مثل هذه المنعطفات تواتر المبادرات الجادة لتشخيص الداء ومعرفة الأسباب ثم التنادي والتراص والتحالف لفرض العلاج لا إستجدائه، وعدم الاكتفاء بإصدار البيانات التي لن تُزيل عقبة ولن تسقط نظاماً أو تُنقذ وطناً على مفترق الطرق.إن الوضع الذي صار إليه السودان الآن، ليس وليد المؤامرات الدولية وازدواجية المعايير وسياسات الكيل بمكيالين وغيرها من العوامل الخارجية، كما يحاول أن يوهمنا إعلام الإنقاذ، فهذه السلبيات في العلاقات الدولية معروفة منذ إنشاء الأمم المتحدة قبل أكثر من ستين عاماً (1945 – أي قبل استقلال السودان وانضمامه لمنظمة الأمم المتحدة) وهذه العوامل ليست نبتاً شيطانياً هدفه فقط الكيد لنظام الإنقاذ والرئيس/ عمر البشير، شخصياً، إذ من المعلوم بداهةً أن حق النقض (الفيتو) "الذي تتمتع به خمس دول فقط"  لا يحقق العدالة المطلقة (إن كانت هنالك عدالة مُطلقة) ولكنه يعكس موازين القوى الاقتصادية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، ولأن هذه الموازين تغيرت كثيراً خلال الستة عقود الأخيرة، برزت دعوات قوية تقودها بهدوء القوى الدولية المهزومة في الحرب العالمية الثانية (اليابان وألمانيا) والقوى الإقليمية الناهضة (الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا) لإصلاح منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي تحديداً، وهنالك لجان رفيعة "لجنة كوفي عنان" تعمل في هذا الاتجاه وقد أصدرت توصيات محددة بهذا الصدد، مما يؤكد أن المعركة ليست معركة السودان وحده ولا البشير شخصياً.

إن أسباب تدهور الحالة السودانية وبلوغها هذه المرحلة الحرجة، ناتج عن أسباب داخلية عديدة وخطايا كبيرة (وليس مُجرد أخطاء)، ظلت تتراكم وتتفاعل منذ استقلال السودان، ولكنها بلغت أسوأ درجاتها خلال العقدين الأخيرين بسبب سوء إدارة النزاعات وغياب الديمقراطية وإنفراد مجموعة صغيرة بالرأي واتخاذ القرارات المصيرية الهامة، ويمكن إيجاز هذه "الخطايا العشر" في ما يلي:

 

أولاً: الإنقلاب على السلطة المُنتخبة ديمقراطياً (30/06/1989) والحنث بيمين المحافظة على الدستور، ومن ثم إيقاف مسيرة التحول الديمقراطي الطبيعي الذي نحاول العودة إليه الآن بعد عشرين عاماً ضاعت هباءً وتدهور فيها الوضع تدهوراً مُريعاً يُهدد بإنفراط عقد البلاد، فمهما قيل عن ضعف الحُكم الديمقراطي آنذاك (حكومات الصادق المهدي؛ 1985-1989) إلا أن الأحزاب التي كانت تتولى الحكم كانت أحزاباً قومية تُمثل كل مكونات المجتمع السوداني وليست مجموعة  أقلية عقائدية أو دينية أو عنصرية، ولأن المتآمرين الذين نفذوا الإنقلاب كانوا يعلمون أنهم أقلية منبوذة فقد كذبوا قائلين "أن هيئة قيادة القوات المُسلحة قررت الإستيلاء على السُلطة" وذلك في الوقت الذي كانوا يعتقلون فيه هذه القيادات ويضعونها في السجن، ثم استمر مسلسل الكذب الرخيص بالقول أن المجموعة الإنقلابية لا علاقة لها بأي تنظيم سياسي وإمعاناً في الكذب، وضعوا مخطط وعراب الإنقلاب "زارع العُصبة/ التُرابي" في السجن، ولكن الحمد لله الذي يُمهل ولا يُهمل فقد انقلب السحر على الساحر، ونال التُرابي جزاء سنمار، وقديماً قيل "الني للنار" و "ما بُني على باطل فهو باطل" وإن تقادم العهد.

 

ثانياً: تشريد المواطنين السودانيين، في ما سُمي زوراً وبهتاناً بـ "الإحالة للصالح العام"، وهذه الخطيئة؛ قبل أن تكون جريمة سياسية ودستورية، فإنها تكشف عن درجة موغلة في الخسة والنذالة، إذ تمتد آثارها لتمس الأُسرة والأبناء، وتشكك المواطن المظلوم في انتمائه الوطني، كما أنها توضح بجلاء أن مثل هذه القيادة التي تُميز بين المواطنين بسبب انتماءاتهم السياسية والدينية والقبلية (لكي تتمكن مجموعة متآمرة من الاستمرار في السلطة -التمكين-الكنكشة)، تكون فعلياً قيادة لشريحة ضيقة ولا يحق لها أخلاقياً الزعم بأنها تمثل كل الوطن وأبنائه، كما أنه من العار عليها تسول تأييد الذين شردتهم، عندما ضاق عليها الخناق.

 

ثالثاً: تبني ودعم جماعات الإسلام السياسي الأصولية وتحويل البلاد إلى ملاذ آمن لكل حركات الإرهاب والتطرف، مما أضر ضرراً بليغاً بعلاقات ومصالح البلاد الخارجية، وفي وقت من الأوقات كان الدخول للسودان مُتاحاً من غير تأشيرات دخول لكافة الإرهابيين من شتى بقاع الأرض، وعلى سبيل المثال فقد أقام في السودان  (أُسامة بن لادن؛ كارلوس، الغنوشي، عُمر عبدالرحمن)، وتم تتويج هذا المنحى الإرهابي بمحاولة اغتيال الرئيس/ حُسني مُبارك، في أديس أبابا.

 

رابعاً: الانحياز إلى نظام صدام حُسين عند غزوه للكويت عام 1990، وهذا الموقف كان أبلغ تجسيد للفشل في اتخاذ سياسة خارجية تضع مصلحة البلاد وشعبها نصب عينيها، إذ أدى هذا الموقف المُخالف للحق والمصلحة العامة إلى عزل السودان عن محيطه العربي، ونتج عنه تضرر آلاف المُغتربين في دول الخليج، وأكد مرة اُخرى التخبط وعدم الإحساس بمصلحة عامة المواطنين، والنأي عن الالتزام بجانب الحق.

 

خامساً: الفساد المالي واستهداف الرأسمالية الوطنية لمصلحة تجار وعناصر الجبهة الإسلامية، وتتويج ذلك بما يُعرف بسياسة الخصخصة والتحرير الاقتصادي والتي لم تكن سوى غطاءً لتمليك المؤسسات والمشاريع العامة لحفنة من تُجار الدين والسياسة، كما يتجلى الفساد المؤسسي في جيش المستشارين والدستوريين الذين أثقلوا كاهل الخزينة العامة (ولنتذكر أن في السودان 25 حكومة ولائية و25 مجلساً تشريعياً، وجميعهم لا يحلون ولا يربطون).

 

سادساً: إعلان الجهاد ضد مواطني جنوب السودان، وتحويل النزاع إلى حرب دينية صليبية، وبالتالي ضرب مبدأ المواطنة والحقوق المتساوية في الصميم، وما المطالبة بحق تقرير المصير واحتمال انفصال الجنوب إلا نتيجة عملية ومنطقية لسياسة الجهاد وحملات الأسلمة والعربنة الفاشلة، والغريب أن أبطال الجهاد وأعراس الشهيد (وصيف العبور والوعد الحق) يوهموننا الآن بأنهم أبطال السلام ورجال كل الفصول.

 

سابعاً: الفشل في إدارة نزاع دارفور، وعدم الاستفادة من تجربة فشل الحلول الأمنية والعسكرية وتكرار سياسة المليشيات القبلية وضرب القبائل بعضها ببعض، وسياسة فرق تسد وانحياز الدولة ومؤسساتها القومية (الجيش والدفاع الشعبي والشرطة والأمن) إلى أحد طرفي النزاع وإنشاء وتسليح مليشيات الجنجويد، وتحويل النزاع إلى صدام بين الزنوجة والعروبة، رغم إسلام الجميع.

 

ثامناً: الفشل في إدارة مرافق الدولة الأساسية وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ السكة الحديد والخطوط الجوية (سودانير) والخطوط البحرية (سودان لاين) ومشروع الجزيرة، إضافة إلى تدهور الخدمة المدنية وانهيار نوعية التعليم العالي والخدمات الصحية، وإقامة دولة الجباية وترسيخها على أنقاض دولة الرعاية الموروثة من عهد الاستعمار وكافة العهود الوطنية السابقة.

 

تاسعاً: تفكيك الدولة السودانية وضرب الوحدة الوطنية في مقتل، وتمزيق النسيج الوطني والاجتماعي بالتحيز العملي لما يُعرف بـ "مثلث حمدي"، فلأول مرة في تاريخ السودان الحديث أصبح الانتماء القبلي والجهوي والديني، امتيازاً وشرطاً للحصول على الوظيفة على المستوى الفردي، والخدمات والتنمية على المستوى العام، وفي مثل هذه الأحوال يلوذ كل فرد بقبيلته ويحتمي بعشيرته، فنعود القهقرى، وتنفك اللُحمة الوطنية.

 

عاشراً: إن الذين يتولون زمام الأمر في السودان يلبسون جلابيب أكبر منهم، وأن "صراخهم أضخم من أصواتهم، وسيفهم أطول من قاماتهم".

  

لكل ما تقدم فإن النظام الحالي غير قادر أو مؤهل للحفاظ (مُجرد الحفاظ) على السودان، ولا يمكن أن تكون قيادته عنصر وحدة أو تماسك وهي التي فشلت في الحفاظ على وحدة الحركة الإسلامية التي أتت بها إلى السلطة، دعك عن الحفاظ على وطن في حجم قارة، فأي خطيئة واحدة من هذه الخطايا العشر كافية لأن تذهب بريح أكثر الدول تماسكاً، فما بالك إن اُقترفها كُلها نظام واحد في مدى عقدين من الزمان !!؟؟.

  *- قال القيادي الإسلامي المُعتزل د. التيجاني عبد القادر، في كتابه "نزاع الإسلاميين" (أن لجنة رأب الصدع بين البشير والتُرابي، برئاسة بروفيسور/ عبدالرحيم علي) اقترحت ذهاب الخصمين وتسليم الرئاسة لإسلامي معتدل مثل سوار الدهب، ولكن الطرفين المتنازعين رفضا الاقتراح!!، وبرضو تقول لي "هي لله، هي لله، لا للسلطة ولا للجاه؟؟؟".