عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 لا يختلف إثنان في أن "دارفور تستحق قيادات أفضل"، إلا أنه من الظُلم القول بأن دارفور وحدها التي تعيش أزمة القيادة (Leadership-crisis)، فالسودان كله في هذا الهم سواء، وتكفي نظرة خاطفة إلى المواقع الدستورية العُليا ليتضح أن "الكُل في السودان غير مكانه؛؛؛ فالمال عند بخيله والسيف عند جبانه"، ولقد تجلى هذا العجز في التعامل مع أزمة دارفور والفشل منذ البداية في تحليلها تحليلاً صائباً والتهرب من مواجهتها والزعم بأنها مجرد عمليات  نهب مُسلح وصراع بين القبائل على الماء والكلأ (كأنما هذه القبائل لم تكن تتعايش مع بعضها البعض منذ مئات السنين)، والأنكى أنه بعد الهجوم الكبير للمتمردين على مطار الفاشر قرر خُبراء الأمن الاستراتيجي (بعبقرية لا يُحسدون عليها) القضاء على التمرد في دارفور عن طريق ضرب القبائل ببعضها البعض واستخدام ما يُعرف بالجنجويد، مما أدى إلى حدوث انتهاكات وفظائع تقشعر لها الأبدان، وهذا هو جوهر الاتهام الموجه للرئيس/ البشير، والذي يتلخص في "القيادة بإهمال، " و "استخدام سلطات وأجهزة الدولة في قتل وتشريد المواطنين الأبرياء بدلاً عن حمايتهم، ثم التستر على المُجرمين والدفاع عنهم"، والمُدهش أن الحكومة تعاونت تعاوناً تاماً مع المجتمع الدولي عندما شرع في التحقيق في هذه الجرائم وأرسل بعثة لتقصي الحقائق وعين مبعوثاً خاصاً لحقوق الإنسان في السودان، وبناءً على تقارير هذه اللجنة والمبعوثين الأُمميين أحال مجلس الأمن الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية (القرار 1593 في مارس 2005) ولم يتعد دور "أوكامبو" التحري في الاتهامات لا أكثر ولا أقل، ولو خلصت تحرياته إلى عدم كفاية الأدلة أو رفض الاتهام لهللوا وكبروا له (ولما قال أحد شيئاً عن السيادة التي انتهكتها إسرائيل فعلاً لا قولاً شمال بورتسودان، وجيشنا الحارس مالنا ودمنا، نايم نوم الهنا).  ليس من أهداف هذا المقال الخوض في أسباب وتداعيات قرار المحكمة الجنائة الدولية (فهذا أمر قُتل بحثاً ونقاشاً، وأصبح موضوعاً ممجوجاً) وإنما يهدف إلى تسليط الضوء على مدى عُمق أزمة القيادة التي يُعاني منها السودان عامة والحركات المُسلحة في دارفور خاصة، ودعوتها للتفاوض. وللتدليل على غياب الرؤية على صعيد المجموعة الحاكمة دعونا نستعرض خطل أهم ثلاث قرارات اتخذتها الحكومة بعد الرابع من مارس  2009 (أي بعد صدور قرار توقيف الرئيس):- أولاً: طرد منظمات العون والإغاثة الإنسانية مُباشرة بعد صدور قرار التوقيف، مما أكد الاتهام الموجه للحكومة بعدم اهتمامها بحياة وأحوال مواطنيها بمعسكرات النزوح وأنها على استعداد للتضحية بهم في أي وقت سعياً وراء مكاسبها الخاصة (وهذا هو جوهر اتهام المحكمة الجنائية لحكومة الخرطوم)، كما أن صدور القرار في ذلك التوقيت الخاطئ جعل الجميع يتشكك في حيثياته ودوافعه، مما أفقد الحكومة السودانية أي تعاطف دولي وجعل 14 من 15 دولة بمجلس الأمن الدولي (عدا الصين) تُطالب السودان بإعادة المنظمات وإلا على الرئيس شخصياً تحمل مسئولية أي حالة وفاة تنتج عن القرار غير المدروس، ووما يؤكد أن من أصدر قرار الطرد لم يتحسب لهذه الآثار، هرولة الحكومة تجاه الدول العربية والإسلامية (مصر، تركيا، إلخ) والرجاء منها سد النقص الغذائي، ومن المُضحك/المُبكي أن تعلن قمة الدوحة عن التزام الدول العربية مجتمعة بدفع مبلغ 8 مليون دولار إغاثة لدارفور (96 مليون دولار في العام) أي أقل من 10% مما تقدمه منظمات الإغاثة الأجنبية الكافرة (1.1 مليار دولار سنوياً)، وذلك بالرغم من أن سيادة الرئيس تحمل كُل المخاطر وضرب عرضاً بفتوى دينية، للمُشاركة في القمة المعنية!!! فيا له من تقدير، ويا له من كرم حاتمي (بالمناسبة بكم تبرع العرب لإعمار شريط غزة التي سقط فيها أقل من 1,400 قتيل مُقارنة بعشرات الآلاف في دارفور الشاسعة التي تساوي مساحتها مساحة فرنسا؟؟).  ثانيا: رفض المؤتمر الدولي الذي دعت له مصر لعلاج آثار قرار المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بحُجة عدم تدويل القضية، ولا تعليق سوى القول بأن هذه العُصبة تبدو أحياناً غير جادة فيما تقول أو تفعل ولا تتحلى بأي درجة من الموضوعية أو الصدق مع الذات دعك عن الصدق مع الآخرين، وثمة تساؤل يفرض نفسه، وهو كيف ستعالج الحكومة السودانية هذه الأزمة مع المجتمع الدولي (حتى إن رغبت في إلغاء القرار) بدون التعامل مع الجهات الدولية التي أصدرته، ومما يدل على تفاقم التخبط وعدم الموضوعية، أن نائب رئيس الجمهورية/ علي عثمان، أعلن في مؤتمره الصحفي الشهير بعد صدور القرار "أن ساحة المعركة هي مجلس الأمن الدولي"، وليس ميدان شنقل طوباية، وها هي الخرطوم تتهيأ لاستقبال الوفود الأُممية والإقليمية، مثل لجنة حكماء إفريقيا بقيادة/ تابو أمبيكي، والمبعوث الأمريكي الخاص/ أسكوت جراشن، فماذا قائلة لهم؟.ثالثاً: التسرع في إعلان عزم الرئيس/ المُشاركة في قمة الدوحة، وهي مُشاركة لا تحقق أي غرض سوى التأكيد على الغوغائية المظهرية في تحدي المجتمع الدولي (وليس أمريكا وفرنسا وبريطانيا فقط)، وأساطين الإنقاذ يعلمون جيداً أن المحكمةلم تصدر حتى الآن أمراً بالقبض على الرئيس المُتهم، بل لم يتسلم السودان ذاته طلب تسليم رئيسه، كما أن ذهاب وعودة الرئيس لا تعني أنه تم إسقاط القرار أو استبداله، إذ يتمثل ضرر الاتهام في الإدانة المعنوية والأدبية (بالرغم من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته)، ثم أن المحكمة قد تُدين المتهم وتحكم عليه بالسجن، ولكن مع إيقاف التنفيذ،  وعلى كل حال فبعد أسابيع سوف يهدأ هذا الفوران العاطفي، ونجد البلاد والعباد والرئيس في حالة عُزلة دولية. أما قيادات حركات دارفور فأمرها عجب، وأزمتها لا تحتاج إلى مصباح ديوجين، ورفضها للتفاوض في هذا الظرف المواتي، يُحير الأصدقاء قبل الأعداء، إذ من المعروف بداهة أن الحرب ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة مُرة وأخيرة لنيل الحقوق "المواطنة المتساوية والمشاركة العادلة في السلطة والثروة، والتنمية المتوازنة، والتخلص من تسلط المركز الذي تُهيمن عليه نُخب نيلية، جرى العُرف أن يُطلق عليها اصطلاحاً (الجلابة)، وأخيراً حماية النفس "صد هجمات تحالف الجيش الحكومي والجنجويد"، كما وأنه ومهما طال أمد الحرب فنهايتها إما إحراز أحد الطرفين لنصر حاسم واستسلام الطرف المهزوم (وهذا مستحيل في حالة الحروب الأهلية)، أو الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهو الأرجح، وفي هذه الحالة يسعى كُل طرف إلى تحسين وضعه في ميدان القتال وحشد الحُلفاء داخلياً وخارجياً إلى جانبه، ولعل من حُسن حظ الحركات المُسلحة في دارفور أن جُل قطاعات الرأي العام العالمي والإقليمي تقف إلى جانبها، ليس نتيجة لكفاءة الإعلام الخارجي للحركات وإنما نتيجة لعوامل وأحداث دولية مثل مذبحة رواندا، وتطور وسائل وتقنيات الاتصال والإعلام، وبروز قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والجندرة، مما جعل قضية دارفور قضية دولية بإمتياز، تتصدر أجندة كافة المحافل المحلية والإقليمية والدولية (ملتقى أهل السودان، الجامعة العربية، الإتحاد الإفريقي، مجلس الأمن، المحكمة الدولية، إلخ). في مثل هذه الظروف المفصلية يبرز الدور المحوري للقيادة الموهوبة، ومدى قُدرتها على قراءة المعادلات الداخلية والخارجية قراءة صحيحة وتسخيرها لمصلحة الأهداف الاستراتيجية المرسومة بدقة. باختصار شديد وبدون فذلكة بلاغية ومُحسنات لفظية، نعتقد أن الوقت مُلائم تماماً لحركات دارفور للشروع في مفاوضات جادة مع الحكومة المركزية، الآن وليس غداً، للأسباب التالية:بصدور قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف رئيس الجمهورية وهو في سُدة الحُكم، يكون الدعم والتعاطف الدولي مع قضية دارفور، قد وصل إلى أقصى مداه، وبصورة غير مسبوقة. ليس لدى النظام الحاكم أي مخرج من أزمته الحالية مع المجتمع الدولي، إلا بعلاج سبب الأزمة بأي ثمن، وبالتالي فهو مستعد رغماً عنه لتقديم أقصى ما يستطيع من تنازلات.الاستفادة من مشاركة الحركة الشعبية في الحُكم قبل فوات الأوان، باعتبارها الحليف الاستراتيجي لدارفور، وقد سبقتهم إلى المطالبة بالعدالة والمساواة (السودان الجديد).سحب البساط من تحت أرجل الحكومة التي تعلن الآن بالصوت العالي أنها على استعداد للتفاوض وعلاج اُس المُشكلة، وتزعم أن الطرف الآخر لا يريد التفاوض، وتتهمه بأن لديه أجندة خفية اُخرى غير مصلحة المُعذبين في معسكرات النزوح واللجوء.في حال تقديم الاستفتاء على مصير الجنوب وإجرائه قُبيل الانتخابات العامة، وتصويت الجنوبيين لخيار الانفصال (كما تدل كل المؤشرات، وقد صرح بذلك علناً وفي أكثر من مرة أمين عام الحركة الشعبية/ باقان أموم)، تكون دارفور قد خسرت حليفها الاستراتيجي. إن أي اتفاق يتم التوصل إليه وتشارك بموجبه حركات دارفور بأي نسبة (ولن تقل عن 20%) في الحكومة الانتقالية الحالية، يعني عملياً فقدان حزب المؤتمر الوطني لحق النقض، أي الأغلبية التي يتمتع بها حالياً في الجهازين التنفيذي والتشريعي (52% حسب اتفاقية نيفاشا)، ويعني أيضاً بداية تفكيك سيطرته على الأجهزة  المفصلية الأُخرى (الأمن، الخدمة المدنية؛ الجيش، القضاء، الشُرطة، السلك الدبلوماسي،،،،، إلخ).أي اتفاق يتم التوصل إليه لن يكون سوى إجراء مؤقت لحين إجراء الانتخابات التي تم تأجيلها لأسباب موضوعية، وهي فرصة لتحول الحركات المسلحة إلى أحزاب سياسية وتنظيم صفوفها لخوض الانتخابات وتأكيد تفويضها الشعبي ومن ثم حسم الجدل حول التمثيل وتغيير الخارطة السياسية الحالية تغييراً جذرياً وفرض واقع سياسي مُغاير يعكس التفويض الشعبي الحقيقي، ووجود حركات دارفور ضمن الحكومة الانتقالية يساعد على تسريع وتيرة التحول الديمقراطي، ويضمن نزاهتها ولو نسبياً.تقوم الاستراتيجية غير المُعلنة لحزب المؤتمر الوطني "قبل صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف رئيس الجمهورية" على المُماطلة لحين معرفة مصير الجنوب، لأن حل مُشكلة دارفور الآن يعني تغيير تركيبة ومعادلة الحُكم كما أسلفنا، وفي حال انفصال الجنوب فلا مانع لدي المؤتمر الوطني من تحويل نسبة الجنوب في الحُكم (28%) إلى دارفور، طالما أن أغلبيته مؤمنة، وسيطرته على مفاصل أجهزة الحُكم مُستمرة، ولعله ولهذا السبب تم إسناد ملف دارفور (بعد رحيل مجذوب الخليفة) إلى د./ نافع، الذي نجح تماماً في مهمته الرامية إلى تمويت الملف وحبسه في غياهب النسيان، مع استخدام كارت تعنت الحركات الدرفورية كذريعة.لا يمكن فهم ربط ورفض مسألة استراتيجية كالتفاوض (الذي يتعلق بحياة وأرواح بشر) بقضية ثانوية وإنصرافية، مثل دعوة دولة قطر للرئيس ومشاركته في قمة الدوحة التي لا تعني كثير شئ، بل إن رفض التفاوض بهذه الحُجة الواهية يؤكد دعاوى الحكومة بأن قرار المحكمة الجنائية الدولية عطل ويُعطل مسيرة السلام.   يرتكز هذا التحليل على افتراض أن أجندة الحركتين الرئيسيتين في دارفور (العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان) هي تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والمشاركة العادلة في السلطة والثروة والتعويض العادل للمتضررين، ثم محاسبة الجُناة، أما إذا كانت لهما أجندة أُخرى غير معلنة فيكون هذا التحليل خارج الشبكة تماماً. ختاماً، لنتذكر ونتدبر أن من ضمن العوامل الأساسية التي كرست الزعامة الأسطورية للمناضل/ نيلسون مانديلا "ماديبا"، تفاوضه مع نظام الفصل العُنصري الشرس (رغم اعتراض الكثيرين من رفاقه)، وهو محبوس في زنزانة طولها أقل من قامته الفارعة، وبجزيرة نائية موحشة (روبن آيلاند) "ولم يشترط إطلاق سراحه لكي يتفاوض"، ومع ذلك استطاع أن ينجز تسوية تاريخية وإعجازاً لا يزال العالم ينظُر إليه بعين الدهشة والإعجاب، فيا خليل ويا عبد الواحد، متى سوف تتفاوضون إن لم تتفاوضوا الآن  وقد فرشت لكم الطنافس والسجاجيد الحمراء في أفخم القاعات والفنادق؟؟!!.