(ثلاثة حواديت قصيرة جداً)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحدوتة الأولى: أيوصف مثل هؤلاء بالشحاتين ياسعادة المستشار؟
في بداية تسعينيات القرن المنصرم وبعد سنوات قلائل من تولي العُصبة ذوي البأس زمام التمكين، كنت في زيارة لمدينتي الريفية بغرب كردفان (النهود)، وحدث أن توفي أحد رجالات الحي من ذوي العز الغابر والثراء الآفل، وكما يحدث في أي بقعة من بقاع السودان العزيز حملنا الجثمان إلى المقابر (فكي أحمد، ود محمد حمد النيل العركي)، وبعد الدفن لاحظت أن الناس يتحلقون حول أقارب المتوفي ويقرأون الفاتحة ثم يغادر كل شخص إلى حال سبيله، وبدا لي الأمر غريباً، فقد اعتدنا دوما ً أن نعود من المقابر رأساً إلى بيت أُسرة المتوفي، ولكن شقيقي الأكبر (المُقيم بالبلد) أفادني بأن ما أراه يعني أن العزاء ينتهي بانتهاء مراسم الدفن، وأن هذا تقليد جديد إقتضته ظروف الحياة الضنكة وألبسه فُقهاء المدينة لبوس الفتوى الدينية ومسوح التأصيل قائلين "إن المآتم بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". بالرغم من ذلك، ولأن الراحل من ذات الحي الذي نقطنه، فقد حملنا العنقريب وطوينا البرش الأحمر وملاية القطيفة المُقصبة وتوب السُرتي اللامع، وعُدنا إلى منزل عائلة المرحوم، ولدهشتي للمرة الثانية لم نجد جرادل الكركدي المنقوع الذي يُقدم عادة للعائدين من المقابر في هجير الصيف الحار، فاكتفينا بموية الله والرسول، وجلسنا القُرفصاء نُثرثر في وقار مصطنع عن أسباب موت المرحوم وأن الدُنيا مثل ضُل الضحى ما دوامة، وبين فينة وأُخرى نتلفت بحثاً عن الشاي الأحمر، ولكن طال انتظارنا دون أن نرى تحت شجرة النيم القابعة في ركن الدار أي أثر للمواقد (الكوانين) وترامس الشاي، ومرة اُخرى شرح لي شقيقي الأمر، بأن كل ولايات إقليم كردفان ودارفور الستة، تبرعت قسراً (كما الُمساهمة الإلزامية بالنسبة للمغتربين) بحصتها من سكر التموين من أجل إنشاء طريق الإنقاذ الغربي "يا تُرى بكم تبرع سُكان دُنقلا – مسقط رأس المستشار- لإنشاء سد مروي وملحقاته الباهظة؟"، وأنه في مثل هذه الأحوال (أي الوفيات) فإن على أُسرة المرحوم إبراز شهادة الوفاة للجهات المُختصة لصرف جوال سُكر (بالسعر الرسمي) من المجلس البلدي، ولكن ولسوء الحظ (لا أدري حظ المرحوم أم حظنا نحن) فإن ضابط المجلس كان في مأمورية لتحصيل الزكاة في عام الرمادة والمسغبة، وبينما كنت أقطب جبيني وأمط شفتي وأُبحلق عيني كالأهبل مُحتاراً  في ما أرى، كأنني قادم من كوكب آخر، إذا بعربة كارو تقف أمام منزل المرحوم وبها جوال سُكر وكرتونة شاي وتنكة زيت (يسمونها الباغة، ولهم فيها مآرب أُخرى)، وبهمة وخفة وعضلات مفتولة أنزلها سائق الكارو (الذي يقوم بدور العِتالة أيضاً)، وأدخلها لنساء البيت اللائي لم يثر الأمر لديهن أدني اهتمام، ربما لأنه شئ عادي أو لإنشغالهن في حي ووب.
قفز سائق الكارو على عربته وفرقع سوطه إيذاناً بالعودة من حيث أتى، ولكن أبى أحد الفضوليين إلا أن يسأله على مسمع من الجميع قائلاً؛ يا زول الرسلك بالحاجات دي منو؟؛ وحاول السائق تجاهل السؤال (يعني طنش)، ولكن السائل كان ملحاحاً، فما كان من المسئول إلا أن قال بضيق ظاهر وصوت غاضب، "مالك ومال الرسلني، ياخي الزول حلفني بكتاب الله والشيخ إسماعيل الولي ، ما أقول إسمه"، ثم همز حماره،،،، وشتت.
الحدوتة الثانية : "إلى من يهمه الأمر، سلام "
كان يا ما كان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي زعيم عربي جاسر يُقال له جمال عبد الناصر، إذا تحدث أرهف العالم السمع وإن قال فعل، وله حبل سُري يربطه بجموع الجماهير من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر، وكاريزما آسرة جعلت مُقدمة برنامج لقاء على الناصية (وأظنها أماني ناشد أو سلوى حجازي، لا أذكر، فللعمر أحكامه) تقف كالصنم عندما واجهته لتجري معه حواراً عابراً، وقد كان لهذا الزعيم كعب أخيل إسمه ولقبه، وزير الدفاع الدائم، المُشير/ عبد الحكيم عامر، وكان منه بمثابة هارون من موسى، ولمتانة علاقة الزعيم بوزيره العاطل عن كل موهبة، تندر الناس قائلين "لو فتحت دولاب ملابس ناصر، لوجدت عامر!!". كما كان لهذا الزعيم رئيس مخابرات مرهوب الجانب، إسمه صلاح نصر، وكان هذا الصلاح مولعاً بخضراوات الدمن "النساء الجميلات في منابت السوء" وله منهن خليلة مُمثلة مغمورة إسمها اعتماد خورشيد، قالت بعضمة لسانها (حتى لا أُتهم وتتُهم سودانايل بالتشهير) في مذكراتها المنشورة في كتاب أحرقه الصحفيون في ميدان التحرير بقاهرة المُعز، أن خليلها صلاح اعتاد أن يتباهى بسطوته وهو في أحضانها بأن يقول لها "إنني قادر الآن أن أجعل الزعيم المحبوب من مائة مليون مواطن (آنذاك) يفر من منزله في قصر عابدين إلى منشية البكري أو بالعكس"، ولتأكيد مزاعمه يرفع سماعة الهاتف ويتصنع الجد قائلاً "يا ريس، هناك مؤامرة، لا تنم في قصر الطاهرة، إذهب إلى القيادة العامة"، وحدثنا الرواة أن الزعيم المحبوب نام نوم العوافي بعد أن وضع كل ثقته في مسئول أمنه ووزير دفاعه وظن أن له جيشاً لا يُقهر وحصناً أمنياً لا يُخترق، ولكنه وفي صباح ذات يوم أغبر في الخامس من يونيو 1967، أفاق من نومه ليجد أعور بني صهيون، الجنرال/ موشي دايان، على أبواب القاهرة "كما وجدنا خليل إبراهيم، والنور عُشر في قلب البقعة المُباركة"، وكانت النكسة التي تعرفون، ومات الزعيم المحبوب بعد ثلاث سنوات من الهم والغم والخذلان المُبين، محطم الفؤاد مكسور الخاطر. وقبل ستة سنوات تكرر ذات السيناريو والمشهد المأساوي مع فارس العرب وحارس البوابة الشرقية/ صدام حسين، والذي كان له بوقاً إعلامياً لا يُجارى في اشتقاق ونحت التعبيرات على شاكلة "العلوج، والخونة، والكفرة الفجرة، وأم المعارك، وأوكامبو-حاج اللمين، وأولبرايت-أم المؤمنين"، ولقد ظل ذاك المدعو/ محمد سعيد الصحاف، يُهذي ويُهرج، ويقول ما يروق لزعيمه، ولكن عندما جد الجد ليلة سقوط بغداد، تبخر الصحاف وأصبح كأنه "فص ملح وذاب"، وانتهى الأمر بقائده المغوار إلى حفرة ومنها إلى عود المشنقة، صبيحة العيد الكبير.
عند هذا الحد من الحدوتة الحزينة أدرك شهريار الصباح فسكت عن الكلام غير المُباح، ولأني من أنصار مسرح العبث الذي يُشارك الجمهور في مسرحياته تمثيلاً وإخراجاً، أترُك لفطنتكم إكمال بقية الحدوتة، ولكن الأدهى في حالنا وجود جيش عرمرم من أشباه الصحاف، يُطلق عليهم لقب مُستشارين وهم لا يملكون من حكمة الشورى شروى نقير، ويقبضون لقاء تصريحاتهم المهببة ونصائحهم المُدمرة، مرتبات ضخمة وامتيازات مهولة لقاء عمل لا يقومون به، ولا يحسنونه إن حاولوا القيام به، مُتناسين "إن من أخذ الأجر حاسبه الله على العمل، وإن الله يُحب أن يُتقن أحدكم عمله"، فكيف بالله عليك يستحلون هذا السُحت ويُطعمونه لأبنائهم، وعلى كل حال فالحكمة تقول "المتغطي بأمثال هؤلاء، نايم عريان".
الحدوتة الثالثة:مبروك يادكتورة/ مريم، لحزب الأمة؛ جمع المجد من طرفيه؛ "الـ ...... جلدو، والجنجويد حقينو".
جاء في صفحة (75) من كتاب "المرأة السودانية- إشراقات الماضي وظلماته" لمؤلفه د. مختار إبراهيم عجوبة (يتضح لنا أن المهدي من خلال المُصاهرة؛ سواءً كانت زواجاً شرعياً أو تسرياً أو لما ملك إيمانكم، يكاد لم يترك قبيلة أو جنساً إلا وكانت له به صلة، وقد أنجب المهدي من بعضهن ولم ينجب من أُخريات، فقد ولد ولداً يُسمى عبد الله من نخل الجود (التي يُقال أنها دينكاوية)، ومن النعمة بنت الشيخ القُرشي ولداً يُسمى علي، ومن مقبولة الدارفورية ولداً يُسمى عبد الرحمن، ومن مأمونة الحبشية ولدان توأمان الطاهر والطيب، ومن قبيل الله النوباوية ولداً يُسمى نصر الدين- "نعيم شُقير:609".
وجاء في بعض الروايات أن السيدة "مريم" هي شقيقة أحد سلاطين الفور الذي أتى مُبايعاً للإمام المهدي، وقال له ما معناه "لك روحي وسيفي جهاداً في سبيل الله والمهدية، ولك أُختي مريم هدية وصلة رحم لا تنقطع"، فاحتضنه الإمام وقال "الهدية؛ مقبولة"، وتغير إسم مريم إلى مقبولة منذ ذلك الحين، وهي أُم الإمام/ عبد الرحمن "كنداب الحربة، كما وصفه عُكير الدامر"، والذي اشتهر بالحكمة والقول الرزين "ولعل هذه الصفات طلُ من وابل أخواله الكرام".
أما حديث السياسة فيقول أن "الشينة منكورة"، فالكُل يتبرأ من الجنجويد ويفر منهم فرار السليم من الجربان، "قائلين مرة؛ أنهم دفاع شعبي، وتارة أنهم حرس حدود، وأُخرى أنهم عصابات نهب مُسلح"؛ فيا أيتها السيدة الفاضلة "مالك ومال البلاوي" فهذا حديث به نزعة استعلاء يُكذِبها التاريخ وعُنصرية كريهة، يعلم كل سياسي ناصح أنها السبب في كل كوارث السودان ومنها أزمة دارفور، ولا يشبه حديثك هذا إلا حديث الدكتورة الأُخرى "سُعاد الفاتح" عندما قالت عن أخيها في الحركة الإسلامية سابقاً/ خليل إبراهيم، وفي قبة البرلمان غُداة محاولة غزوه لأم درمان "العواليق ده، عاوز يحكمنا"، ويبدو أن التراضي الوطني ليس نتاج القُرب الجغرافي بين مسجد الشيخ/ البدوي، بشارع الأربعين، وقُبة الإمام المهدي، فقط وإنما ثمرة نسق فكري وعقلي واحد(mind-set)، وبهذا التصريح أرى أن الدكتورة مريم، استوفت شروط تعيينها مُستشارة برئاسة الجمهورية.
آخر دعوانا أن يلهم الله الجميع فضيلة الصمت في هذا الوقت العصيب، فقد جاء في الحديث الشريف "من تحدث، فليقل خيراً أو ليصمت"، كما قيل أيضاً "البلاغة إيجاز"، ولذا فإن الصمت أبلغ تعبيراً من كل هذا الهُراء اللفظي، الذي اندلق علينا كغثُاء السيل، ولم يشأ مدرب الفريق القومي لكرة القدم / كابتن مازدا، أن يفوته مولد التصريجات فقال "إن هيثم مصطفى – البرنس، من رموز السيادة الوطنية" كما صرح وزير الشئون الإنسانية قائلاً إنه بطل قومي؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.